الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 36، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يسرد المقطع حديث أبي هريرة عن تفضيل النبي ﷺ وقوله «ألا إن سيد الناس يوم القيامة»، ثم يصف كرب يوم الحشر ودنو الشمس ولجوء الناس إلى آدم فيعتذر بذنبه، فيتجهون إلى نوح عليه السلام بوصفه أول الرسل وعبدًا شكورًا. يبرز هذا المحور بداية سلسلة طلب الشفاعة من الأنبياء قبل وصولها إلى النبي محمد ﷺ.
يفسر المقطع معنى العبد الشكور بأنه من يقابل النعم بالطاعة والضراء بالحمد، مستشهدًا بنوح والنبي ﷺ في كثرة العبادة، ثم يعرض اعتذار نوح عن الشفاعة خوفًا من غضب الله ودعائه على قومه، ويلي ذلك اعتذار إبراهيم بثلاث مواقف من التورية لدفع المفسدة. يوضح المحور كيف أن كل نبي يعتذر بعذر خاص يعكس مكانته وخوفه من الله.
يصف المقطع كيف ينتهي المطاف بالناس إلى النبي محمد ﷺ فيسجد تحت العرش فيفتح الله عليه محامد لم تفتح على أحد، فيُقال له: ارفع رأسك سل تعط واشفع تشفع، فيشفع لأمته ويدخلهم الجنة من باب خاص واسع. يؤكد المحور تفوق شفاعة النبي ﷺ على سائر الأنبياء ومكانته الفريدة يوم القيامة.
يشير المقطع إلى أن الإمام البخاري روى حديثًا عن نوح عليه السلام مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾، ويكتفي بهذا الشاهد دون تفصيل إضافي. يبرز المحور مكانة حديث نوح في كتب السنة الصحيحة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال الإمام البخاري رحمه الله: ﴿ وَمَا بَلَغَ رِضْيَهُ مِنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ﴾. قال: حدثنا محمد بن قتادة، هو المرزوي، قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك، إمام أهل مرو وإمام خراسان كلها، قال: أخبرنا ضحيان التيمي، عن زرعة بن عبد الله، عن جرير، عن عبد الله بن بسر، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بلحم، فرفع إليه الذراع، وكانت تعجبه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الذراع لأنها ألين اللحم. وذكر الإمام مقيم رحمه الله قال: فنهس منها نهسة، أي أكل منها وأخذ منها أو أكل منها شيئًا، ثم قال: «ألا إن سيد الناس يوم القيامة». هذا الحديث تستدل به العلماء على أن النبي عليه الصلاة والسلام أفضل الناس لأنه سيدهم، ولا يكون سيدهم إلا وهو أفضل. قال: «ألا إن سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون مما ذاك؟ يجمع الناس الأولين والآخرين في صعيد واحد، يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر». يسمعهم الداعي: أي الذي يتكلم، والذي يدعوهم إلى الاجتماع، إلى التجمع في ذلك المكان العظيم. وينفذهم البصر: أي كلهم في مكان واحد، ليس بينهم ستار ولا جدار، بل كلهم إذا نظر فيهم الناظر رآهم، أحاط بهم، ينفذهم البصر. قال: «وتدنى الشمس، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول الناس: ألا ترون ما قد بلغكم؟» وعادي الشمس التي تدنو، تدنو في يوم المحشر، فيبلغ الناس، فيبلغ الناس من الغم والكرب. وأما من كانوا تحت الظل فهم لا يرون ذلك الغم والكرب. فقد ذكر النبي عليه الصلاة والسلام جماعة من الناس ولهم أرصفة، حملوا أعمالًا عظيمة، فجعلهم الله عز وجل في ظله يوم لا ظل إلا ظله. قال: فيقول الناس: «ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟» فيقول بعض الناس لبعض: «عليكم بآدم». فيأتون آدم عليه السلام، فيقولون: «أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟» فيقول آدم: «إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي، نفسي، نفسي». وهذه كما ذكر العلماء أن هذه المعصية التي حصلت من الأنبياء، وإن كانوا قد تابوا منها، لكن خافوا في ذلك الموقف من هذا الذنب. وهذا يدل على أن الذنب يؤثر في الشخص في نفسه. فآدم عليه السلام لم يستطع أن يشفع عند ربه لأجل هذا الذنب، على أنه خجل واستحيا أن يتكلم وأن يشفع عند ربه وهو معصوم، لكن تاب الله عليه، جل وعلا، وتاب الله عليه. فيقول: «اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح». فيأتون نوحًا، فيقولون: «يا نوح، إنك أنت أول الرسل إلى أهل الأرض». وهذا فيه دليل على أن أول الرسل هو نوح، كما إن شاء الله تعالى نتكلم عليه في الدرس الذي سيأتي في كشف الشبهات. قال: «وقد سماك الله عبدًا شكورًا». وهذا وجه شهادتنا، أخذه من هذا، من الآية. وقال: وفي الثناء على نوح: ﴿ وَقَدْ سَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا ﴾. ليس عبدًا فقط، بل شكور، أي أنه قابل نعم الله عز وجل بالطاعة والعبادة. قابل نعم الله عز وجل بالطاعة والعبادة، لأن العبد لن يبلغ طاعته لله عز وجل ولن يشكر نعم الله عز وجل عليه، لكن إذا أكثر في الطاعة والعبادة كان شكورًا. ولهذا لما كان النبي عليه الصلاة والسلام يكثر العبادة ويكثر قيام الليل حتى تتفطر وتتشقق قدماه عليه الصلاة والسلام، كانت تقول له عائشة رضي الله عنها: «قد غفر الله عز وجل لك من ذنبك ما تقدم وتأخر، يا رسول الله، لما تتعب نفسك هذا التعب؟» فيقول: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟ أفلا أكون عبدًا شكورًا؟» فالعبد الشكور منزل عظيم عند الله جل وعلا، وأثنى بها على نوح عليه السلام، فقال جل وعلا: ﴿ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ﴾. أي: قابل نعم الله عز وجل بالطاعة والعبادة، وأيضًا قابل مصائبه من الضراء بالحمد وكذلك بالشكر لله. فالشكر يكون بمقابلة المصائب، وهي أعلى درجات الصبر والرضا، فهي أعلى من الصبر والرضا، والشكر كذلك بالنعم، وهو مقابلة هذه النعم بالطاعات لله جل وعلا. قالوا: «قد سماك الله عبدًا شكورًا، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟» فيقول: «إن ربي عز وجل قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد كانت لي دعوة دعوتها على قومي، نفسي، نفسي، نفسي، اذهبوا إلى غيري». معناه: يقول نوح عليه السلام أن الله عز وجل أعطاه دعوة مستجابة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من نبي إلا وله دعوة مستجابة، أنا دعوتُ دعوة عظيمة تكون استجاب الله عندي جل وعلا لها»، فلهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فاختبأت دعوتي شفاعة لأمتي»، أي لم أدعُ بشيء، فاختبأتها شفاعة لأمتي. وأما نوح عليه السلام فقد دعا على قومه، قال: «وإنه كانت لي دعوة فدعوتها على قومي». قال: «اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم». فيأتون إبراهيم، فيقولون: «يا إبراهيم، أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟» فيقول لهم: «إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد كنت كذبت ثلاث كذبات». فذكرهن أبو حيان في الحديث، أن أراد البخاري أن يختصر فلم يذكر هذه الكذبات، وإما أبو حيان فذكرها. الله عز وجل ذكرها في القرآن، وذكرها النبي عليه الصلاة والسلام: قوله لسارة: «إنها أختي»، وقوله للنمروذ، وقوله: «إني سقيم»، وقوله كذلك: «بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون». وهذه كلها كذبات في ذات الله جل وعلا، وأيضًا فيها تورية. لكن الكذب يؤثر في صاحبه. لكن كما قلنا: أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام إنما عدّ هذه شيئًا مما يمنعه من الشفاعة، وإلا فهذه الكذبات إن سُميت كذبات فهي فعلها للمصلحة، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. فدفع بها مفسدة: أولًا النمرود، والأمر الثاني: لما قال عليه السلام: «إني سقيم»، أراد أن يبين لهم أنه سقيم مما يعبدون، وهذا حق، وهذا حق. وهذا أيضًا صحيح: أن ما جاء به يمرض الإنسان، ويمرض قلبه، ويحير نفسه. والأمر الثالث: لما قال: «بل فعله كبيرهم هذا»، إنما أراد أن يرجعوا إلى أنفسهم، ورجعوا إلى أنفسهم فقالوا: «إنكم أنتم الظالمون». قال: «اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى». فيأتون موسى، فيقولون: «يا موسى، أنت رسول الله، فضلك الله برسالته وكلامه على الناس، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟» فيقول: «إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد قتلت نفسًا لم أومر بقتلها، نفسي، نفسي، نفسي». قال: «اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى». فيأتون عيسى، فيقولون: «يا عيسى، أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وكلمت الناس في المهد صبيًا، اشفع لنا، هل ترى إلى ما نحن فيه؟» هذا كله لما أصابهم من الغم والهم في ذلك المكان، وهو أرض المحشر. قال: فيقول عيسى عليه السلام: «إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله». ولم يذكر ذنبًا، قال: «نفسي، نفسي، نفسي، لم يستطع أن يشفع لغيره من ذلك الأمر»، أي يقول: «أريد نفسي فقط»، أي: أخلص نفسي، وأما أخلصكم فلا أستطيع. هذا معنى الكلام. قال: «اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم». فيكون محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيقولون: «يا محمد، أنت رسول الله وخاتم الأنبياء، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟» قال عليه الصلاة والسلام: «فأنطلق، فآتي تحت العرش، فأقع ساجدًا لربي عز وجل، ثم يفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئًا لم يفتح على أحد قبلي»، أي: يلهمه الله عز وجل ثناءات عظيمة، كلامًا عظيمًا يثني على ربه جل وعلا. لم يثنِ عليه أحد من قبل. ربنا جل وعلا هو الذي خلق كل شيء، خلق الكلام، فيخلق الله عز وجل له ويرزقه كلامًا عظيمًا يثني به على ربه جل وعلا. ثم يقال: «يا محمد». والآن الناظر والذي يسمع كلمات الثناء يجد كلمات عظيمة، هذا يثني بكذا وهذا يثني بكذا. مع أن الأحاديث التي جاءت فيها الثناء هي أعظم، ولو اكتفى بما جعل النبي صلى الله عليه وعليه وسلم فقد أحسن الثناء، لكن يوم القيامة يفتح الله عز وجل على نبيه بكلمات لم يفتح على أحد قبله. قال: «يقال: يا محمد، ارفع رأسك، سل تعطه، واشفع تشفع». واشفع تشفع: معنى إذا توسط فإنه يقبل وساطته، فالشفاعة هي الوساطة. فيشفع الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام في أهل الموقف. قال: «فأرفع رأسي، فأقول: أمتي يا رب، أمتي يا رب». ويقال: «يا محمد، أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب». أن هذا الباب يختص به، وهم أيضًا شركاء الناس في بقية الأبواب. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «والذي نفسي بيده، إنما بين المصراعين من مصاريع الجنة، أن المصراعين: فتحت الباب من مصاريع الجنة، كما بين مكة وحمير، أو كما بين مكة وبصرى». وبصرى: قرية في الشام، أو منطقة في الشام تسمى بصرى. أنا هذه المسافة قدر شهر أو نحوه، ما بين المصراعين، أنا ما بين البابين من الفتحة، هذه الفتحة العظيمة. طيب، هذا الحديث ذكره الإمام البخاري، أراد الشاهد في قوله على نوح أنه قال: أهل الله عز وجل عليه بقوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ﴾. فنكتفي بهذا. الله تعالى ترجمة نانسي قنقر.