الدرس في كتاب الصلاة 14، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبدأ المقطع بمناقشة حكم الاستعاذة والبسملة في الصلاة، مشيرًا إلى أن الاستعاذة مستحبة والبسملة مشروعة ولكنها ليست آية من الفاتحة عند بعض المذاهب. يُقرأ كلاهما سرًا في الصلاة.
يناقش المقطع حكم قراءة الفاتحة في الصلاة، حيث يرى جمهور العلماء أنها ركن من أركان الصلاة في كل ركعة مستدلين بأحاديث نبوية، بينما يرى الحنفية أن القراءة ركن ولكن لا يشترطون الفاتحة.
يتطرق المقطع إلى شروط قراءة الفاتحة في الصلاة، مشددًا على ضرورة قراءتها بشكل متواصل ودون قطع غير مشروع، ويبين أن الخطأ في قراءتها قد يبطل الصلاة، مع الإشارة إلى مسائل الجهر والإسرار.
يشرح المقطع شرط سماع المصلي لقراءته في الصلاة، حيث يُشترط سماع نفسه في الصلاة السرية، وفي الصلاة الجهرية إذا كان مأمومًا أو منفردًا ما لم يكن هناك عارض.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ثم يستعيد، ثم يبسمل سرا، وليست من الفاتحة. الاستعاذة مشروعة عند أكثر العلماء، وأكثرهم على أنها مستحبة لقول الله جل وعلا: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾. لكن لما لم تحمل على الوجوب بعض العلماء يقول أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يثبت عنه في كل قراءة استعاذة، فلهذا حملت على الاستحباب. فحكى بعضهم إجماعا كالطبر وغيره على أنها مستحبة في الصلاة والخطبة، أو قصد مستحبة في القراءة وفي الصلاة. وقد جاء في حديث بسعيد وجبير بن مطعم أن النبي عليه الصلاة والسلام «كان يستعيذ في صلاته». وإن كان الحديث فيه ما ضُعِف، لكن ما في الشواهد في رواية «أعوذ بالله السميع العليم من نفخه ونفسه وهمزه»، أو قال: «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من نفخه ونفسه وهمزه». فهي ثلاثة أنواع، أي الاستعاذة: إما أن يقول «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»، أو يقول «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من نفخه ونفسه وهمزه»، أو يقول «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من نفخه ونفسه وهمزه». فكلها ثابتة. قال: ثم يبسملوا سرا. البسملة لا شك أن العلماء اتفقوا على أنها آية من القرآن، واختلفوا هل هي آية من الفاتحة أو ليست آية من الفاتحة؟ فذهب مالك وأهل المدينة أنها ليست آية من الفاتحة. ولهذا تجد في المصاحف المدنية ما يجعلونها آية بخلاف مصاحف أهل الكوفة أو أهل العراق، يجعلونها آية. لبعض العوام يقول لك: كيف تقولون ليست آية وهذه آية في القرآن؟ وهذا لأجل مذهب أهل العراق لقراءة أبي عمر، قراءة عاصم وأكثر أهل الكوفة وحمزة يجعلونها آية، وهو مذهب الشافعي وأبو حنيفة. وأما مذهب مالك والمشهور عن أحمد أنها ليست من الفاتحة. والدليل على أنها ليست من الفاتحة يستدل بحديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «قال الله عز وجل قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال الحمد لله رب العالمين قال الله عز وجل حمدني عبدي» إلى آخر الحديث. فهو لم يذكر «بسم الله الرحمن الرحيم» من الفاتحة، وسمى الفاتحة هنا صلاة، ولم يذكر «بسم الله الرحمن الرحيم». وهذا دليل صريح على أنها ليست من الفاتحة. وأما ما استدل به بعض العلماء حديث أبي هريرة عند الدارقطني أن «بسم الله آية من الفاتحة»، فهذا الصحيح أنه موقوف على أبي هريرة وليس مرفوعا إلى النبي عليه الصلاة والسلام. والصحيح أنها ليست آية من الفاتحة، بل جاءت رواية عن مالك أنه يقول أنها بدعة، عن التسمية بدعة. لكن الصحيح أنه مشروعة، وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام دائما يقرأ «بسم الله الرحمن الرحيم» أول السورة. وقد جاءت أيضا الأحاديث على أنها كانت تكون كالفصل بين السورتين، ما جاء عن ابن عباس وغيره «كان الصحابة إذا نزلت بسم الله علموا أن السورة قد انتهت وجاءت سورة أخرى». فهي مشروعة في الفاتحة أنها مستحبة، ويستحب أيضا أن تكون سرا كما قال مؤلفنا: «ثم يبسملوا سرا». لما جاء في الصحيحين في حديث أنس «صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر المعمر، فكانوا يبدأون بالحمد لله رب العالمين». وجاء «كانوا يسرون ببسم الله الرحمن الرحيم». وجاءت رواية عند مسلم «كانوا لا يقرؤون بسم الله الرحمن الرحيم». وفي رواية «لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم». لكن الظاهر أنها رواية بالمعنى، وإنما كانوا يسرون «ببسم الله الرحمن الرحيم»، أو كانوا يقرؤون بالحمد أن يبدأون بالحمد. وفي شرح الشافعي معنى قول أنس «كانوا يقرؤون بالحمد بالحمد لله رب العالمين»، أي أنهم يقرؤون الفاتحة سماها الحمد. لكن لو كان أراد التسمية لقال بالحمد لله، لكن ذكر الآية كلها «الحمد لله رب العالمين» تدل على أنه أراد أنهم يقرؤون بها. وأما ما فعله بعض الفقهاء أو بعض المحدثين من الشافعية وغيرهم كما فعله السيوطي أنه أعل حديث أنس كله، فهذا ليس صحيحا. وإعلاله للحديث خطأ، والحديث صحيح قد جاء من عدة طرق عن أنس، رواه قتادة ورواه ثابت ومقلابة. فالحديث لا شك في صحته. قال: ثم يقرأ الفاتحة. فإن قطعها بذكر أو سكوت غير مشروعين وطال، أو ترك منها تشديدا أو حرفا أو ترتيبا، فالذي ما غير مأموم من إعادتها. قراءة الفاتحة عند جمهور العلماء أنها ركن من أركان الصلاة. قلنا عند الجمهور لأن الحنفية يخالفون، الحنفية عندهم القراءة ركن لكن ما يشترطون الفاتحة. والجمهور عندهم الركن في القراءة هي الفاتحة لقول الله عز وجل: ﴿ف اقرأ ما تيسر من القرآن﴾. وقوله صلى الله عليه وسلم «لمن لم يحسن في صلاته اقرأ بما تيسر معك من القرآن». هذا لم يذكر الفاتحة فيهما، لكن جاءت الأحاديث على أن الفاتحة لا بد منها. ومن ذلك حديث عبادة بن الصامت في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». ومن الخطأ أن يؤخذ بعض الحديث ويترك بعضه، أو بعض الاستدلال ويترك الآخر. فالذي استدل بقول الله عز وجل: ﴿فاقرأ ما تيسر من القرآن﴾ لابد أن يقيد هذا الذي تيسر أولا بالفاتحة، تدخل فيه الفاتحة ضمنا ووجوبا. لأن النبي صلى الله عليه وسلم علق صلاة المرء بقراءة الفاتحة «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». فدل على أنه لا بد أن يقرأ بفاتحة الكتاب. وجاء في حديث أبي هريرة في مسلم «من صلى صلاة فلم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فصلاته خداج خداج خداج غير تمام». أن صلاة غير صحيحة حصل فيها خلل. فدل على أن الفاتحة لا بد منها في الصلاة. وذهب جمهور العلماء أيضا كالشافعي وأحمد على أن الفاتحة ركن في جميع الركعات، على أنها ركن في جميع الركعات. وذهب مالك على أنها تكفي ركعتين، عند مالك يكفي لو أتى بها في ركعتين. لكن عند أكثر العلماء منهم الشافعي وأحمد على أنها لابد أن تقرأ في كل ركعة. واستدلوا بحديث المسيء في صلاته، جاء في حديث المسيء في صلاته أو من لم يحسن صلاته في الصحيحين، قال له عليه الصلاة والسلام لما انتهى من الكلام على الصلاة فقال «افعل ذلك بصلاتك ثم افعل ذلك بصلاتك كلها». قد ذكر له «اقرأ بما تيسر معك من القرآن». جاء في رواية أنه قال له «اقرأ الفاتحة». عنده اختلاف، لكن الظاهر أنها شاذة. لكن قيدناها بالحديث التي جاءت حديث عبادة «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». فلابد من هذه القراءة في كل ركعة. في كل «اقرأ بما تيسر معك من القرآن»، ثم قال له «ثم افعل ذلك بصلاتك كلها». فدل على أن في كل صلاة قراءة. قال: فإن قطعها بذكر أو سكوت غير مشروعين وطال. إذا قرأ الفاتحة وقطعها، لم يصلها وأراد رحمه الله أن قراءة الفاتحة متوالية تعتبر ركن في الفاتحة. ركن في الفاتحة أن تقرأ متوالية، لا تقطع إلا أن كان قطعها بذكر مشروع، مثلا مثل الدعاء، فلو دعا في وقت الفاتحة «اهدنا الصراط المستقيم» قال «اللهم آمين» أو كذا، هذا جائز. لكن لو فعل صلاة صحيحة خاصة، يقول وطال إذا كان طال الفصل وأتى بشيء غير مشروع، فإنه يقول أنها تبطل هذه الفاتحة. أن الفاتحة غير صحيحة إذا قطعها بشيء غير مشروع أو سكوت طال، هذا السكوت. فجاء أنه معنى يقول أن هذه القراءة غير صحيحة، فلهذا يلزمه إعادتها. وقوله: «يلزم غير مأموم إعادتها». معنى إذا كان في الصلاة الجهرية عند الحنابلة، لأنه لا يقرأ. وإن كان في الصلاة السرية وحصل منه هذا، هل يقرأها مرة أخرى؟ فهنا كلام المؤلف أنه لا يقرأها مرة أخرى، ولو كان في السرية، ولو كان في السرية لأنه إذا قرأها مرة أخرى سيتأخر عن الإمام، فلهذا موافقة الإمام أوجب. والصحيح أنه إن كان حصل خلل عنده في الفاتحة، فلم يأت بها على وجهها صحيح، أو اختل شيء منها وترك بعض الآيات، فإنه يأتي بها يأتي بركعة أخرى. يأتي بركعة أخرى إذا بطلت هذه الفاتحة. قال: أو ترك منها تشديدة. هذه تشديدات التي في الفاتحة وهي سبعة أو أكثر، لابد أن يشددها لأن التشديد يعتبر حرفا مقررا. وإذا لم يشدد فمعنى أنه ترك حرفا من حروف الكلمة. ولا شك أنه غالبا يتغير المعنى. لهذا لو قال «إياك نا» بدون تشديد، فهو ترك التشديد والكلمة أيضا المعنى يختلف. فترك التشديد غالبا يغير المعنى، واتفق العلماء على أن تغير المعنى في الفاتحة يخرجها عن الصواب، أي أنه يبطل الفاتحة ويبطل الصلاة. فلهذا لابد أنه يأتي بالتشديدات التي فيها. قال: أو حرفا أو ترتيبا. لا عند جمهور العلماء أنه لا يجوز تنكيس الآيات. وجوز الحنفية تنكيس الآيات. معناه أنه يقرأ آية قبل آية، يقول «الحمد لله رب العالمين الرحمن» معنى «مالك يوم الدين الرحمن الرحيم». هذا التنكيس لا يجوز لأنه تغيير لمعنى القرآن أو تغيير لترتيب القرآن وإن لم يتغير المعنى. ولأن الترتيب الآيات جاء من النبي عليه الصلاة والسلام، فالتغيير فيه تغيير في القرآن في ترتيبه. بخلاف السور. وأما قراءة مثلا آيات من هنا وهنا، ما في شيء. لأنه يقرأ مثلا ولو كان في صلاة واحدة، لكنه غير معنى مخالف للسنة. مثلا يقرأ آيات من سورة البقرة من أولها، ثم يقرأ في نفس الركعة آيات من آخر سورة البقرة في نفس القراءة. فهذا جائز لكن مخالف للسنة، وخاصة إذا كان لا يغير المعنى. أما إذا كان يغير المعنى ويظهر معنى آخر، فهذا لا يجوز. لكن الفاتحة يشترط فيها الترتيب. قال: «يلزم غير مأموم إعادتها». قال: «ويجهر الكل بآمين في الجهرية». مسألة الجهر في القراءة والإسرار، عند الجمهور أنه يقرأ ويسمع نفسه. أن عندهم يسمع نفسه في القراءة أو صلاة السرية. وكذلك في الصلاة الجهرية إذا كان مأموما أو منفردا، يقولون أنه اشترط أن يسمع نفسه إن كان ليس هناك عارض.