الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 91، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يورد الشيخ حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه الذي يحدد أكبر الكبائر وهي الشرك بالله وقتل الأولاد خشية الإملاق والزنا بحليلة الجار. ويبين أن آية الفرقان نزلت تصديقاً لهذا الحديث، وأن مرتكب هذه الكبائر تحت مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له.
يشرح المقطع شدة عقاب المشركين الذين يتخذون لله أنداداً مستدلاً بآية الفرقان وحديث ابن مسعود أن أعظم الذنوب جعل ند لله. ويضرب مثلاً برجل في سفينة غارقة رفض دعاء الله وزعم أن دعاء المحضار أسرع نجاة مبيناً ظلم من يصرف العبادة لغير خالقها.
يروي المقطع قصة رجل نجا من الغرق بدعاء الله فأسلم، ثم يستعرض حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن أكبر الذنوب مبيناً أن انتهاك حرمة الجار يجعل الزنا أعظم إثماً. ويؤكد أن من لا يأمن جاره بوائقه لا إيمان له.
يختتم المتحدث الكلام في هذا المقام مشيراً إلى الاكتفاء بما تم ذكره من حديث ابن مسعود وآية الفرقان. ويختم بالتأكيد على علم الله تعالى بالغيب والمآل.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد: قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب: والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون، ومن يفعل ذلك يلقَ أثاماً». قال: «العقوبة، يلقَ أثاماً، أي: يلقى عقوبة». قال: «حدثنا مسدد، وهو ابن مسرهد، أبو الحسن البصري، وهو حافظ كبير». قال البخاري: «مسدد كاسمه»، أنا مسدد كاسمي، والمسدد هو الذي يأتي بالصواب. وقال يحيى بن سعيد القطان، وهو شيخه: «لو أتيت مسدداً إلى بيته لكان يستاهل». قال: «حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن سفيان». سفيان هو ابن سعيد الثوري. فإن يحيى أكثر روايتي عن سفيان الثوري، أقصد روايتي عن السفيانين، فأكثر روايتي عن سفيان الثوري، وقد روى عن ابن عيينة كذلك. قال: «حدثني منصور وسليمان». منصور هو ابن المعتمر، وسليمان هو الأعمش. قال: «حدثني منصور وسليمان عن بوائل». وهو شقيق بن سلمة، عن أبي ميسرة، وهو عمرو بن شراحيل، عن عبد الله رضي الله عنه. وعبد الله في الإسناد الكوفي: من ذكرنا هذا، فجاء عبد الله في الإسناد الكوفي فهو من عبد الله في الإسناد، أهل الكوفة يكون من هذا. لكم في إسناد أهل الكوفة: قلنا إذا كان في إسناد أهل الكوفة فهو عبد الله بن مسعود، وإذا كان في إسناد أهل المدينة فهو عبد الله بن عمر، وإذا كان في إسناد أهل مكة فهو عبد الله بن عباس، وإذا كان في إسناد أهل مصر فهو عبد الله بن عمرو، وأيضاً في أهل مكة أحياناً، وهل المدينة عبد الله بن الزبير؟ لكن غالباً هو عبد الله بن عمر إذا كان في المدينة، في الإسناد المكي عبد الله بن عباس. وهنا عبد الله بن مسعود. قال: «عن أبي ميسرة، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: سألت، أو سئل، رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أي الذنب عند الله أكبر؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك. قلت: ثم أي؟ قال: ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. قلت: ثم أي؟ قال: أن تزني بحليلة جارك». قال: «ونزلت هذه الآية تصديقاً لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾». فهذه الآية فيها إخبار الله عز وجل بهذه الكبائر العظيمة، أن من ارتكبها: فالذي يدعو مع الله إلهاً آخر فهو مشرك، وكذلك يستحق النار من قتل نفساً بغير حق أو زنى، فهو داخل، فهو مستحق النار، لكنه تحت المشيئة. آتي بكبير إلا أن يتوب إلى الله جل وعلا. لهذا قال: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾. أي: يخلد في ذلك العذاب، والمراد هنا المشرك يخلد خلوداً دائماً لا يخرج من النار، وغيره فإنه يخلد خلود مكث، يمكث طويلاً، والمراد هنا إهانته بهذا العذاب يخلد فيه مهاناً. أو يحمل على كما حمله بعض العلماء على المستحل الذي يستحل القتل والزنا، فإنه لا شك أنه كافر ويخلد في نار جهنم. وإن حمل على المعاصي فالمراد به هنا طول المكث، جمعاً بين الأدلة. فهنا قال مسعود: سألت النبي عليه الصلاة والسلام، أو سئل، وقلت: أي الذنب أعظم عند الله؟ أنا الذنب العظيم الذي لا أعظم منه ولا أكبر منه. فقال: أن تجعل لله نداً وهو خلقه. أعظم منه: هنا أعظم النبي عليه الصلاة والسلام أن اتخاذ الند ظلم من العبد، ظلم عظيم. كيف يتخذ نداً من دون الله عز وجل، والله عز وجل هو الذي خلقه؟ كيف يصرف العبادة لغيره وهو الذي خلقه ورزقه وسخر له ما في السماوات وما في الأرض؟ ثم بعد ذلك يصرف ما هو لله عز وجل، وما لا يستحقه إلا الله، يصرفه للعبد. بل إن من الظلم العظيم والخيانة الكبرى أن الإنسان ينصرف ويعرض عن الله عز وجل في الشدائد، ويدعو غيره، ويستغيث بغيره، وكأنه يقول بلسان حاله: إن هذا خير من الله، هذا الذي أدعوه سينقذني خير من الله. ولهذا كما يحكي بعض هؤلاء القبورية: أن أناساً غرقوا في البحر، فكانوا يقولون: يا الله، ورجل منهم ساكت. أن هذا الرجل كان يحكيها، يتكلم في مسجد، وكان يحكي مثل هذه القصة. انظروا إلى الظلم العظيم الذي بلغ به هؤلاء، فكان يقول: قال: غرقت سفينة، أو كادت تنتغرق، فكان أصحاب السفينة يقولون: يا الله يا الله، وهذا الرجل ساكت. فقال له: ادعُ. فقال لهم: أنتم الآن تدعون يا الله يا الله، لو قلتم يا محضار لرأيتم أنفسكم في البر، وأنا لو قلتم يا محضار ستنتقلون بسرعة وينقذكم المحضار إلى البر، أما الله فما سيفعل لكم شيئاً. أن هذا لسان حاله: أنتم الآن تقولون يا الله، الله ما سينقذكم، ما سينقذكم إلا المحضار. وهذا عكس ما فعله عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنهم، لما كانوا في السفينة، كما أخرج النسائي رحمه الله بإسناد صحيح: أن عكرمة لما هرب، لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة وفتح مكة، عارض عكرمة في الخندمة، في أسفل مكة، عارضه خالد بن الوليد، وكان عكرمة معه جماعة من الكفار أرادوا أن يعترضوا الجيش، فاعترضهم خالد وجيشه فكسروهم، فهرب عكرمة، وكان رجلاً شجاعاً لكن لم يستطع مجاهرة للإسلام، فعندهم الشجاعة وعندهم الإيمان، فهرب، فطلع في سفينة يريد الحبشة، فلما توسطت السفينة البحر جاءت الأمواج الكبيرة واعترضتها، وكادوا أن يهلكوا، فكانوا يدعون أصنامهم، فقال لهم: إن هؤلاء الذين تدعونهم لا ينفعون، لو دعوتم الله لنفعكم، فدعوا الله. ثم قال: والله، إذا نجاني الله عز وجل من هذا البحر لذهبت ووضعت يدي في يد محمد عليه الصلاة والسلام. فلما نجاه الله ذهب إلى المدينة وأسلم، وجاءت قصة أن زوجته هي التي ذهبت تبحث عنه حتى جاءت به إلى النبي عليه الصلاة والسلام. فانظروا إلى هؤلاء، مع أنهم كانوا على شرك، لكن عرفوا أنه لا يغيث المكروب إلا الله سبحانه وتعالى. قال الله عز وجل: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ﴾. فأما هؤلاء فقد جعلوا هؤلاء المقبورين الذين لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، أنهم يستطيعون أن يغيثوهم. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أكبر الذنب أن تجعل لله نداً وهو خلقك». قال: «قلت: ثم أي؟ قال: ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك». أنا خشية أن يشاركك في الطعام والشراب، فكانوا يقتلون أولادهم بسبب هذا. قال: «قلت: ثم أي؟ قال: أن تزني بحليلة جارك». أنا تزني بحليلة جارك، إما زوجته أو أمه أو أخته، أنا تزني بجارتك. وهذا أعظم كما جاء في السنن: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما الزنا عندكم؟» قالوا: حرام، حرمه الله ورسوله إلى يوم القيامة. وقال: «لأن يزني الرجل بعشرة أبيات خير له من أن يزني ببيت جاره». ثم قال: «ما السرقة عندكم؟» قالوا: حرام، حرمه الله ورسوله إلى يوم القيامة. قال: «لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات خير له من أن يسرق بيت جاره». كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. فهنا يعظم الإثم إذا زنى الرجل بحليلة الجار، فهو أعظم. لماذا؟ لأنه انتهك حرمة جاره، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن». قالوا: من يا رسول الله؟ قال: «الذي لا يأمن جاره بوائقه». ومن أعظم الشرور التي تكون من هذا الشخص لجاره أنه يزني بأحد بناته أو بزوجته أو بأحد ممن يتعلق بهذا الجار، فهذا من أعظم الزنا. فهذا الحديث فيه أن هذه الكبائر عظيمة، وهي أيضاً مراتب. فالرجل الذي يقتل ولده خشية أن يطعم معه، فإنه قتل ولده أولاً، قتل حرام، وأيضاً سخط بالله، سخط بالله، أنه يظن أنه إذا كان هذا الطفل معه ما يستطيع أن يطعمه، ما يستطيع أن يطعمه، فهذا أمر أعظم، جمع بين شرين عظيمين. وكذلك يظن هذا الزاني إذا زنى بحليلة جاره فهو أعظم، الزنا حرام، لكن إذا كان من أقرب الناس إليه وجاره فهو حرام عظيم. فهذا ما يذكر في هذا المقام، وهذا الحديث، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.