كتاب التفسير من صحيح البخاري 126

كتاب التفسير من صحيح البخاري 126

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 126، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

رواية حديث ضرب الملائكة بأجنحتها وسند سفيان بن عيينة

يسرد المقطع سند حديث النبي ﷺ عن ضرب الملائكة بأجنحتها خضوعاً لقضاء الله، مع وصف استراق السمع كسلسلة متتابعة. كما يوضح كيف تلقى سفيان بن عيينة الحديث من عمر بن دينار في صغره، وأصبح المفسر الوحيد لكلام شيخه عند كبره.

تلقي الملائكة للوحي وخضوعهم لكلام الله وتفسير رمي الشهب

يصف المقطع كيفية نزول الوحي عبر سلسلة من الملائكة حتى يصل إلى الأنبياء، وخضوعهم العظيم لكلام الله بوضع أجنحتهم كسلسلة على صفوان. ويفسر حديث النواس بن سمعان عن رمي الشهب بأنه تسبيح حملة العرش والملائكة عند قضاء الله الأمر، يبلغ سماء الدنيا.

تعظيم الملائكة لوحي الله واستراق الجن للسمع وتحذير النبي من الكهنة

تبين الآية والحديث كيف تسبح الملائكة عند سماع كلام الله فيبلغ التسبيح السماء الدنيا، فيسترق الجن السمع وينقلونه للكهان ممزوجاً بالكذب. وحذر النبي ﷺ من إتيان الكهان والعرافين لأن تصديقهم يبطل الصلاة أربعين يوماً، ووجوب تعظيم الله وحده.

تنزل الشياطين على الكذابين الأثمة وخاتمة الدرس

توضح الآيات أن الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم يلقى السمع، وأن أكثر ما يلقون كذب. ويختتم المتحدث بالقول إن هذا ما يذكر والله أعلم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد: قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب: حتى إذا فزع عن قلوبهم، قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، وهو العلي الكبير». قال رحمه الله: حدثنا الحميدي، وهو أبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي، وهو قرشي، وأيضًا مكي. قال: حدثنا سفيان، وهو ابن عيينة. وغالب حديث ابن عيينة في البخاري اعتمد فيه على رواية الحميدي، والحميدي له مسند مطبوع ومشهور. قال: حدثنا عمر، وهو ابن دينار. سفيان سمع من عمر وهو صغير، لقيه في الحرم، وكان معه حمارة، أي: عمر بن دينار. فقال له سفيان... فأوقف سفيان، وقال له: أريد أن أحضر مجلسك. فقال: أنت صغير. قال: أريد أن أحضر، أعطني حديثًا أو كذا. فأعطاه خمسة أحاديث، ثم قال له: هل حفظتها؟ قال: نعم. فسمع هذه الخمسة من الحديث. قال: إذا كنت كذلك فاحضر معنا. فحضر سفيان، ولازم عمر حتى أنه لما كبر عمر -أي ابن دينار- خرجت أسنانه، فكان لا يفهمه أحد غير سفيان. لما خرجت أسنانه كان أثقل، يبدل بعض الحروف، فكثير من المحدثين لا يعرف بعض الكلمات، تضيع عليه، وكان سفيان يفسرها لهم. قال سفيان: حدثنا عمر، قال: سَمَّى عكرمة. فعكرمة هنا هو ابن خالد، ليس عكرمة مولى ابن عباس، إنما عكرمة ابن خالد الدهني. قال: يقول: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول: إن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان». فإذا فزع عن قلوبهم، قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، وهو العلي الكبير. قال: فيستمعها مسترقو السمع، ومسترقو السمع هكذا بعضه فوق بعض، وصفه سفيان بكفه فحرفها وبدد بين أصابعه، كأنه كل واحد فوق الآخر، سلسلة على صفوان. معنى كل واحد متتابعين، كل واحد فوق الآخر، وسلسلة على الصفوان: معنى سلسلة على... لما، أو أقصد هذا في الملائكة. لكن مسترقو السمع كل واحد فوق الآخر حتى يصلون إلى السمع، وصف سفيان بكفه فحرفها وبدد بين أصابعه. فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها إلى لسان الساحر أو الكاهن. فربما أدرك الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مئة كذبة، فيقال: قد قال لنا يوم كذا وكذا كذا، فيصدق بتلك الكلمة التي سمع من السماء، أو التي سمع من السماء. هذا الباب في هذه الآية: حتى إذا فزع عن قلوبهم، قالوا: ماذا قال ربكم؟ وإذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا قضى الله الأمر في السماء»، كما جاء في الحديث الآخر، حديث النواس بن سمعان: «إذا تكلم الله بالوحي أخذت السماء رجفة شديدة من خوف الله»، وأيضًا الملائكة تخضع لربها جل وعلا وكلامه سبحانه وتعالى. وهذا يدل على تعظيم الملائكة لربها جل وعلا. ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا من الخضوع، على أنها تخضع لربها جل وعلا وتسكن وتضع أجنحتها. الله عز وجل جعل الملائكة أجنحة مثنى وثلاثة وربع، فلهذا فإن الملائكة عليهم السلام يخضعون لكلام رب العالمين سبحانه وتعالى. قال: «كأنه سلسلة على صفوان». سلسلة على صفوان: معنى السلسلة التي تكون على الحجر الملساء، إذا أتيت بسلسلة على صفوان، على حجر كبير ملساء، كلها تقع السلسلة، وهكذا الملائكة خضعان لربها جل وعلا. ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا، كأنه سلسلة على صفوان. فهذا خضوع لله عز وجل، معنى: تتكسر كلها الملائكة وتخضع وتجثو على ركبها خضعانًا لله جل وعلا. ولهذا جاء في صحيح مسلم أن رجالًا كانوا من الأنصار عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرمي بنجم فاستنار، استنار هذا النجم، معناه: هذا الشهاب. فقال لهم نبي عليه الصلاة والسلام: ما كنتم تقولون لهذا إذا رمي به في الجاهلية؟ قالوا: كنا نقول: مات عظيم أو يولد عظيم. فقال عليه الصلاة والسلام: «إنها لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته، ولكن إذا قضى الله عز وجل أمرًا، سبحت حملة العرش، ثم سبح للسماء الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح سماء الدنيا، ثم يقولون: حملة العرش، ماذا قال ربكم؟» وهذا الحديث يفسر هذا الحديث، يفسر هذه الآية. فالملائكة إذا سمعت وحملت العرش، إذا سمعت كلام الله عز وجل خضعت وجثت واستكانت بأجنحتها وسبحت لله عز وجل، حتى يبلغ التسبيح السماء التي تليها، ثم السماء التي تليها، وهكذا حتى يبلغ السماء الدنيا. وتأتي هؤلاء الجن، مسترقو السمع، يأخذون هذه الكلمة من ملائكة السماء الدنيا فيسمعونها، ثم بعد ذلك يرتصون، كل واحد يعطيها الآخر حتى لا يأتي الشهاب فيقتله ويحرقه. وكانوا لهم مقاعد قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم يسترقون السمع ولا يحرقهم شيء، فقال أو كما قال الله عز وجل على لسان الجن: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾. فلهذا عملوا هذه الطريقة، تناوبوا فيها الاستماع، وكذلك كل واحد يستمع للآخر أو يلقي كلمته إلى الآخر حتى يلقيها إلى صاحبه الجن، أو أقصد: الكاهن الساحر. ثم يخلط معها مئة كذبة، كما أخبر لذلك النبي عليه الصلاة والسلام. ثم يخبر الناس بشيء، مثلاً: ضاع أو شيء سيحصل، فتجد أن هذا أو هؤلاء الذين جاءوا إلى هذا الكاهن أو الساحر يأخذون هذه الكلمة، وأما بقية الكلام فيتركونها. فإذا قيل: شيء، قال: قد قال لنا كذا وكذا، ووقع هذا الشيء الذي قال، ثم لا ينظرون في الكلمات الأخرى التي كذب فيها، إلا أنهم يأخذون هذه التي صدق، وهذا لضلالهم. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من أتى كاهنًا أو عرافًا فسأله عن شيء، لم تقبل منه صلاة أربعين يومًا»، وجاء في رواية: «أربعين صباحًا»، لم يقبلها الله عز وجل منه الصلاة؛ لأنه صدق هؤلاء الكهنة والعرافين. فخلاصة ما يقال في هذا الحديث وهذه الآية: أن فيها تعظيم الملائكة لأمر ربها جل وعلا. وإذا كانت الملائكة تعظم هذا الأمر العظيم، فمن باب أولى أيضًا أن يعظمه كذلك بنو آدم، لأن الله عز وجل هو خالقهم وهو رازقهم، وأعطاهم أيضًا أشياء كثيرة، سخر لهم ما في السماوات وما في الأرض جميعًا منه. لهذا، أفلا يخضع هذا الإنسان لربه جل وعلا ويستكين كما تفعل الملائكة؟ فلا شك أنه واجب عليه أن يفعل كذلك، ويعظم الله جل وعلا، ولا يعظم أعداءه من الشياطين الذين يكذبون، والذين يدعون علم الغيب. ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾. فهذا إن شاء الله تعالى ما يذكر، والله تعالى أعلم. شكرًا.