الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 188، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
شرح دعاء عبد الله بن مسعود وأهمية إصلاح ذات البين والهداية إلى سبل الإسلام. يُظهر الدعاء أهمية التمسك بدين الإسلام والنجاة من الظلمات إلى النور.
أهمية الدعاء بالبركة والصلاح للنفس والذرية، وضرورة صلاح القلب لصلاح الجوارح. يشدد على أهمية الدعاء للزوجة والذرية بالصلاح.
ضرورة شكر نعم الله بقلبه ولسانه وجوارحه لدوامها، وتغيير الأحوال لتحسين الحياة يبدأ بتغيير النفس وتوبة العبد إلى الله.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه «الأدب المفرد»: حدثنا عمر بن حفص، وهو ابن غياث، قال: حدثنا أبي، وهو حفص بن غياث، قال: حدثنا الأعمش، وهو سليمان بن مهران، قال: حدثنا شقيق، وهو ابن سلمة أبو وائل الكوفي، أدرك النبي عليه الصلاة والسلام ولم يره، وقد روى عن جماعة كثيرة من الصحابة، ومنهم الخلفاء الأربعة، رضي الله تعالى عنهم، وهو أثبت الناس في عبد الله بن مسعود، رضي الله تعالى عنه. قال: كان عبد الله -يعني ابن مسعود- يكثر أن يدعو بهؤلاء الدعوات: «ربنا أصلح بيننا واهدنا سبل الإسلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، واصرف عنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا وأزواجنا وذرياتنا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين بها، قائلين بها، وأتممها علينا». وهذا الأثر صحيح، وقد صححه الشيخ الألباني رحمه الله. أورد الإمام البخاري رحمه الله هذا الأثر عن عبد الله بن مسعود، رضي الله تعالى عنه، في هذا الباب الذي عقده بعد باب «دعاء الأخ بظهر الغيب»، ذكر فيه جملة من الآثار والأحاديث في الدعاء. وهذا الدعاء كان يدعو به عبد الله بن مسعود، رضي الله تعالى عنه، فكان يقول: «ربنا أصلح بيننا»، وهذا دعاء لإصلاح ذات البين، أن يصلح الله سبحانه وتعالى بيننا، أي بين أهل الإسلام، بأن تدوم أخوتهم، ويصلح ذات بينهم، فلا تكون بينهم شحناء ولا بغضاء ولا عداوة ولا حسد، ولا غير ذلك مما يكون سببا في إفساد ذات البين. فإن صلاح ذات البين أمر عظيم، وقد حث عليه ربنا سبحانه وتعالى في مواضع كثيرة من القرآن: ﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾، ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾. فإصلاح ذات البين أمر عظيم، وفساد ذات البين شر عظيم، أن يقع بين أهل الإسلام الحسد والبغضاء والشحناء والعداوة، وأن يفسد ذات بينهم، فيأكل بعضهم بعضا، ويطعن بعضهم في بعض، وهكذا تحصل الانشقاقات، ويحصل الضعف والخور بسبب فساد ذات البين. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين»، تحلق الدين. فلذلك كان رضي الله تعالى عنه يدعو بهذا الدعاء: «ربنا أصلح بيننا». و«اهدنا سبل الإسلام»، أي طرقا تكون سببا في التمسك بهذا الدين والتمسك بالإسلام الحق، وذلك بأن يأخذ المرء الإسلام من جميع جوانبه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾، أي خذوا الدين من جميع جوانبه: عقيدة ومعاملة وأخلاقا وعبادة وغير ذلك. فكل ما يحتاج له المرء في هذه الدنيا في دينه ودنياه فقد جاء به الإسلام، فلا خير إلا فيما جاء بهذا الدين. ومن أراد أن يتمسك بهذا الدين فإنه يلزم كتاب الله عز وجل وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام، ويحذر من الشرك والبدع والمحدثات، فإنها تنافي دين الله سبحانه وتعالى. قال: «ونجنا من الظلمات إلى النور». كذلك يدعو بهذا الدعاء، يدعو الله عز وجل أن ينجيه من الظلمات إلى النور، فإن الذي بيده ذلك هو الله عز وجل، هو الذي بيده الهداية، وهو الذي عز وجل يوفق العبد إلى ما فيه مرضاته، وهو الذي ينجيه من الظلمات -من ظلمات الشرك وظلمات البدع وظلمات المعاصي- إلى النور -نور التوحيد والإيمان والسنة والطاعة-. فإنك تلجأ إلى الله عز وجل وتستعين بالله سبحانه وتعالى أن ينجيك من الظلمات إلى النور. وقلوب العباد كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء». فالمرء لا يأمن على نفسه مهما بلغ من الدين والعلم والاستقامة، فإنه فقير إلى الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. فنحن فقراء إلى الله عز وجل إلى رحمته وإلى هدايته سبحانه وتعالى، وإلى أن يوفقنا إلى طاعته، وكذلك أيضا أن يوفقنا للاستقامة على دينه وشرعه. ومن ذلك أن ينجينا من الظلمات إلى النور. قال: «واصرف عنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن». وهذا أيضا دعاء يا الله سبحانه وتعالى أن يصرف عنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن. والفواحش جمع فاحشة، والفاحشة كل مستفحشة وعظيمة من المعاصي، ككبائر الذنوب: كقتل النفس والزنا واللواط وغيرها من كبائر الذنوب. ويدخل في ذلك أيضا ما يتعلق باللسان، سواء كانت هذه الكبائر مما يصدر من البدن من الجوارح، أو كذلك مما كان يتعلق باللسان مما يفحش من القول، فهو كذلك داخل في معنى الفواحش: ما ظهر منها وما بطن. ما ظهر منها إما كان متعلقا بالبدن في ظاهر الإنسان، وما بطن ما كان يتعلق بالقلب من الحسد والكبر والبغضاء والشحناء إلى آخر ذلك من أمراض القلوب. فإنك تبعث الله سبحانه وتعالى أن يصرف عنك الفواحش ما ظهر منها وما بطن. والذي يصرفه عنك هو الله عز وجل، والذي يعينك على ذلك هو الله سبحانه وتعالى، فكل ذلك بتوفيق الله سبحانه وتعالى. قال: «وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا وأزواجنا وذرياتنا». وهذا دعاء من الله سبحانه وتعالى بأن يبارك في هذه الجوارح وهذه النعم. «بارك لنا في أسماعنا»، والبركة معناها ثبوت الخير، أي اجعل الخير في أسماعنا، وذلك بأنك لا تسمع إلا ما يرضي الله سبحانه وتعالى، فلا تسمع ما حرم الله عز وجل: كسماع الغيبة والنميمة، وكذلك الغناء وغير ذلك من المحرمات. وهكذا أيضا أن يبارك لك في بصرك، بأن لا تنظر إلا إلى ما يرضي الله سبحانه وتعالى وإلى ما يحب الله عز وجل، وذلك من توفيق الله عز وجل للعبد أن يسدده في جوارحه. وهذا إذا استعان على ذلك بطاعة الله سبحانه وتعالى، فإن العبد إذا أدى فرائض الله عز وجل ثم أتبع ذلك بنوافل الطاعات والعبادات كان ذلك سببا في تسديد الله عز وجل للعبد في جميع جوارحه. كما قال ربنا عز وجل في حديث القدس: «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها». ومعنى ذلك أن الله سبحانه وتعالى يسدده في هذه الجوارح: في سمعه وبصره ويده ورجله، فلا يستخدمها إلا فيما يرضي الله سبحانه وتعالى. قال: «وقلوبنا» كذلك أن يبارك الله عز وجل لك في قلبك، هذه النطفة العظيمة التي هي محركة لهذا البدن، فإذا صلحت صلح سائر الجوارح، وإذا فسدت فسدت جميع الجوارح. فبصلاح القلب تصلح جميع الجوارح، وإذا فسد القلب فسدت جميع الجوارح. فإذًا فإنك فقير يا الله عز وجل أن يصلح لك قلبك، وأن يبارك لك في قلبك بأن يجعله قلبا صالحا مؤمنا مستقيما على دين الله سبحانه وتعالى. قال: «وأزواجنا وذرياتنا» كذلك أن يبارك الله عز وجل في الأزواج بأن يكن صالحات، فإن المرأة إذا كانت صالحة كانت عونا لزوجها في طاعة الله سبحانه وتعالى. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة». فكم من امرأة ربما تكون سببا في هداية زوجها وفي استقامته، وكذلك أيضا في إدخال السعادة عليه وحصول الخير له بسبب صلاح هذه المرأة. وكذلك أيضا بالعكس، إذا كانت المرأة فاسدة كانت شوما على زوجها، وربما كانت سببا في تعاسته وإفساد بيته، وهكذا أيضا في إدخال الشر عليه. فلذلك أنت بحاجة عظيمة أن تدعو الله سبحانه وتعالى أن يصلح لك زوجك وذريتك. وهكذا أيضا «ذرياتنا»، أي الأولاد الذين يرزقهم الله عز وجل للعبد، فإنك بحاجة أن تدعو الله عز وجل أن يبارك فيهم وأن يصلحهم، أن يصلحهم ويوفقهم لطاعة الله سبحانه وتعالى، بأن يكونوا عبادا طائعين مستقيمين صالحين، فذلك من فضل الله سبحانه وتعالى. وقد ذكر الله عز وجل في القرآن عن أهل الإيمان أنهم يدعون الله عز وجل ويسألونه هذا الأمر العظيم، وهو صلاح الأزواج والذرية: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾. قال: «وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم». وهذا كذلك السؤال لله عز وجل بأن يتوب علينا، وأن يغفر لنا ذنوبنا. «وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم»، فالتوبة بيد الله سبحانه وتعالى. وأنت مهما أذنبت ومهما أخطأت فإنه بشر يصيب ويخطئ، وغير معصوم من الخطأ والزلل والذنوب. لكن الواجب هو أن يبادر بالتوبة والاستغفار إذا وقع منه الذنب، ووقع منه المعصية، فلا يصر عليها، بل يبادر بالتوبة إلى الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾، ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. فهذا الواجب على العبد أنه يبادر بالتوبة من ذنوبه، ويعلم أن الله عز وجل هو التواب الرحيم، مهما أذنب ومهما أخطأ ومهما فعل ما فعل من معاصيه، فإن الله عز وجل يغفر للعبد إذا تاب وأناب إلى الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. وهكذا قوله: «واجعلنا شاكرين لنعمتك»، هذا أيضا دعاء إلى الله سبحانه وتعالى أن يوفق العبد لشكر نعمه، فإن الله عز وجل أنعم على العبد بنعم لا تعد ولا تحصى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾، نعم عظيمة في الدين وفي الدنيا. فهذه النعم تحتاج إلى شَسْكُرُهَا وَمَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُؤَدِّيَ شُكْرَهَا﴾، فالتقصير لا بد أن يحصل. ومع ذلك فهو يستعين بالله عز وجل على قدر طاقته واستطاعته أن يشكر نعم الله سبحانه وتعالى. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لو أن الله عز وجل عذب أهل سماواته وأرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم؛ لأنهم مهما فعلوا من طاعات وعبادات ما استطاعوا أن يؤدوا شكر هذه النعم التي أنعم الله سبحانه وتعالى بها عليهم». ومع ذلك فشكر النعم واجب، تشكر نعمة الله سبحانه وتعالى بقلبك ولسانك وجوارحك. ولهذا قال: «مثنين بها»، أي تثني على نعم الله سبحانه وتعالى بلسانك: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾، تحدث بنعمة الله سبحانه وتعالى، وما أنعم الله سبحانه وتعالى به عليك مهما قل أو كثر، فأنت في نعمة، فأنت في نعمة. وسواء كان في المأكل أو المشرب أو الملبس أو المسكن أو المركب أو الصحة أو العافية أو غير ذلك، فأنت في نعمة ينبغي أن تشكر نعمة الله سبحانه وتعالى، وأن تثني على نعم الله عز وجل. وكذلك أن تنظر في هذه النعم إلى من هو دونك، فإن ذلك مما يعينك على شكر نعم الله سبحانه وتعالى. بعض الناس ربما ينظر إلى من هو أفضل منه -إلى من هو أفضل منه- فيزدري نعمة الله سبحانه وتعالى، يرى أنه ليس عنده شيء وأنه لم يؤت شيئا من النعم؛ لأنه يرى ذاك الذي هو أفضل منه. وهذا خطأ، الذي ينبغي أن تنظر إلى من هو دونك: ﴿انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. فإنك حينئذ ترى نعمة الله سبحانه وتعالى عليك. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخلق فلينظر إلى من هو دونه؛ فإن ذلك أجدر ألا يزدري نعمة الله عليه». إذا نظرت إلى من هو دونك فإنك ستعرف أنك في نعمة. ولكن إذا نظرت إلى من هو أرفع منك فإنك حينئذ تزدري نعمة الله وترى أنك لم تؤت شيئا من النعم، فتكفر بنعمة الله سبحانه وتعالى. والله عز وجل يقول: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾. قال: «قائلين بها»، أي قائمين بهذه النعم بالشكر. وهذا كذلك من تمام شكر نعم الله سبحانه وتعالى، ليس شكر النعم باللسان فقط، أن تقول: «الحمد لله»، والشكر لله، ثم أنت تصرف هذه النعم في معصية الله سبحانه وتعالى، فليس هذا من شكر النعم. فإن من شكر النعم أن تسخرها فيما يرضي الله عز وجل، أن تسخرها فيما يرضي الله سبحانه وتعالى، سواء كان نعمة المال أو نعمة الجوارح أو غير ذلك من النعم. فإن من شكرها ألا تستخدمها إلا في طاعة الله سبحانه وتعالى. وذلك سبب في دوام هذه النعم واستمرارها. وإذا سخرت في المعاصي والذنوب كان ذلك سببا في ذهابها وزوالها. والله عز وجل يقول: ﴿وَلَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾. إذا كنت في نعمة فرعها، فإن المعاصي تزيل النعم فحطها بطاعة رب العباد، فرب العباد شديد النقام. فالمعاصي سبب لزوال النعم وذهابها، والطاعات سبب لاستمرار النعم وكثرتها. وأنت بحاجة إلى دوام هذه النعمة، فعليك بشكرها لله سبحانه وتعالى: «قائلين بها»، «وأتممها علينا»، يعني اجعلها مستمرة ودائمة وغير منقطعة. وهذا يكون بشكر هذه النعم وتسخيرها في طاعة الله سبحانه وتعالى. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾، لا يغير الله عز وجل ما بقوم -يعني من أحوالهم- حتى يغيروا ما بأنفسهم. فإذا كانوا في حالهم الأول على خير واستقامة وطاعة، أدام الله سبحانه وتعالى عليهم النعم. وإذا غيروا من ذلك الحال الذي كانوا عليه إلى معاصي وذنوب وكفران لنعم الله سبحانه وتعالى، زالت عنهم النعم. وهكذا إذا أراد العبد أن يغير الله عز وجل من أحواله، وأن يحسن من حاله، فينبغي أن يغيروا من أحوالهم. فإن كانوا مقصرين في طاعة الله سبحانه وتعالى، فينبغي أن يجبر هذا التقصير، وأن يلجأوا إلى الله سبحانه وتعالى بالتوبة والإنابة، والله عز وجل يغير من أحوالهم كما وعد سبحانه وتعالى. فهذا الأثر العظيم فيه هذا الدعاء العظيم الذي كان يدعو به عبد الله بن مسعود، رضي الله تعالى عنه، وقد شمل هذه المعاني العظيمة. إلهنا والله تعالى أعلم.