كتاب التفسير من صحيح البخاري 147

كتاب التفسير من صحيح البخاري 147

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 147، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

شرح رجال إسناد حديث سورة فصلت وتاريخ التشيع بالكوفة

يستعرض المقطع سلسلة رواة حديث تفسير آية الاستتار في صحيح البخاري مع ترجيح حفظ منصور بن المعتمر على الأعمش. ثم يفصل في نشأة التشيع بالكوفة مبيناً أنه كان مقتصراً على التفضيل لا السب، ويوضح انحراف الفرق اللاحقة إلى تكفير الصحابة والطعن في القرآن مستدلاً بأقوال السلف.

تفسير آية الاستتار ومنزلة مجاهد بن جبر في التفسير

يبيّن المقطع أن تفضيل علي على عثمان ليس موجبًا للتبديع بل اجتهاد، لكن الطعن في خلافة عثمان إزراء بالصحابة. ثم يستعرض مكانة مجاهد بن جبر إمامًا في التفسير والقراءة، ويسرد سبب نزول آية الاستتار في قوم ظنوا أن الله لا يسمع سرائرهم.

حقيقة حسن الظن بالله والفرق بينه وبين الغرور

يبيّن المقطع أن حسن الظن الحقيقي بالله يقترن بالطاعة والتوبة، أما من يصر على المعاصي مدعياً حسن الظن بعفو الله فهو مخدوع ومغرور. يستدل بأقوال السلف وآيات القرآن والأحاديث النبوية التي تربط حسن الظن بحسن العمل.

ظن المشركين بجهل الله بأعمالهم ونزول آية التكذيب

يوضح المقطع أن بعض المشركين ظنوا أن الله لا يطلع على أعمالهم، فنزلت آية الاستتار تكذيباً لهم، مبينة أن السمع والبصر والجلود تشهد عليهم. ويشير المتحدث إلى أن تفسير هذه الآية سيُذكر بالتفصيل في مواضع أخرى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والى، أما بعد. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب ﴿ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ ﴾. قال رحمه الله: حدثنا الصلت بن محمد، وهو بصري ثقة، قال: حدثنا يزيد بن زريع، وهو أبو معاوية البصري، حافظ من حفاظ البصريين، قال: عن روح بن القاسم، وهو أيضًا بصري، قال: عن منصور. منصور هو ابن المعتمر، وهو كوفي من حفاظ الكوفة، هو قرين الأعمش، لكن منصور أحفظ، وقيل: إن الأعمش أحفظ، ومنصور أعلم بالسنة، وكذلك أيضًا طريقته أفضل من طريقة الأعمش، وكلهم أئمة، لكن الأعمش عنده شيء من التشيع بخلاف منصور، لأن أهل الكوفة سرى فيهم التشيع والإرجاء، وخاصة التشيع انتشر، وإن كان التشيع ليس كتشيع الآن، أن تشيعهم إنما هو التفضيل غالبًا، الذي انتشر في الكوفة هو مذهب التفضيل، أن يفضلون عليًا على الشيخين، لكن لا يتكلمون على الشيخين ولا يلمزونهم ولا شيء من هذا. وأما الآن الروافض أخزاهم الله، فهم يكفرون أئمة الخلفاء إلا عليًا، ويعتقدون أنهم ارتدوا، وهذا أيضًا قول الجارودية من الزيدية، وهم الحوثية، أي يمثلهم الحوثيون الآن، قد صرح أئمتهم بهذا، صرح بدر الدين الحوثي بأن أبا بكر وعمر كفار مرتدون، وهذا يدل على كفرهم، على أنهم ليسوا من أهل الإسلام، أي هؤلاء الحوثة الجارودية، وقد كفرهم أكثر السلف، وخاصة هؤلاء الجارودية، لأنهم يعتقدون باعتقادات، ألا إن الاثنى عشرية يختلفون فقط معهم في بعض الأشياء اليسيرة، وإلا فالجارودية أصلًا اثنى عشرية وليسوا زيدية، لكن هم تمسكوا بالزيدية، وإنما يتمسكون بزيد رحمه الله، زيد بن علي بن الحسين، وإلا فهم أكثر مذاهبهم مأخوذة من الاثنى عشرية، والاثنى عشرية تتبرأ من غلات الروافض الذين كفرهم السلف، بل كفرهم محقق، لا شك في كفر الاثنى عشرية لأنهم يطعنون في القرآن، بل أيضًا كذلك عندهم غلو في مسألة الأولياء، ويجعلون أئمتهم ومن يعظمونه مثل الآلهة، وكذلك أيضًا يكفرون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتهمون عائشة رضي الله عنها بما برأها الله منه، كل ذلك أو أحد هذه الأشياء كفر، فما بالك إذا اجتمعت؟ لهذا يقول الشيخ عبد اللطيف في بعض رسائله: أن هؤلاء الاثنى عشر خاصة في أوقاتنا هذه الأزمان لا يشك في كفرهم، لا يشك في كفرهم، فلهذا انتشر كما قلنا مذهب الشيعة في الكوفة، لكن التشيع الذي يذكر عنه ليس كتشيع الاثنى عشرية، ولا حتى كتشيع الزيدية الآن، الزيدية الآن أصبح بعضهم يكفر بعض الصحابة كمعاوية وغيره، ويدعي أنه زيدي، فلهذا فهم تطورت مذاهبهم، تطورت مذاهبهم، وإلا كما قلنا: الشيعة كان في الكوفة أكثرهم، أو المذهب الذي انتشر هو مذهب التفضيل، يفضلون عليًا على الشيخين. وأما من فضل عليًا على عثمان فهذه مسألة حصلت بين أهل السنة، وإن كان أكثر القائلين بها من أهل الكوفة، ورجع بعضهم كسفيان الثوري وغيره، واستقر مذهب أهل السنة على تفضيل عثمان على علي. وأما من قال: إن عليًا كان حقًا بالخلافة من عثمان، وطعن في خلافة عثمان، فهذا كما قال شيخ الإسلام: أضل من حمار أهله، هذا ضال. وأما من فضل عليًا على عثمان وقد وجد عند أهل السنة، لهذا قال شيخ الإسلام وغيره: إن هذه المسألة ليست من مسألة التبديع، وإنما فيها اجتهاد، لكن من طعن في خلافة عثمان، أو فضل عليًا على عثمان، فهذا إزراء بالمهاجرين والأنصار، كما قال سفيان الثوري: «من قدم عليًا على عثمان، أي في الخلافة، فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار». قال: عن منصور، عن مجاهد. مجاهد بن جبر، أبو عبد الله المكي، كان مولى لبعض نساء قريش، كان عبدًا ثم أعتق، صار مولى. قال بعض السلف، ظاهر أنه ابن جريج، ينقل عن شخص من السلف قال: «لولا الأسودان لضاع فقه الحجاز والعلم في الحجاز». قال: سماهم الأسودين، وأراد بهم مجاهدًا وعطاءً، مجاهد وعطاء كانوا من بشرتهم سوداء، لكنهما كانا أئمة عظامًا. مجاهد رحمه الله عرض التفسير على ابن عباس ثلاث مرات، قال: أوقفه في كل آية، قال: أوقفه في كل آية، ولهذا كان من أفضل المفسرين. مجاهد رحمه الله، كان سفيان الثوري يقول: «إذا جاءك التفسير من مجاهد فحسبك به». مجاهد بن جبر وهو أيضًا مقرئ أهل مكة. قال: عن مجاهد، عن نبي معمر، وهو عبد الله بن سخبرة الكوفي. وهذا الحديث قد رواه البخاري عن عدة من أصحاب عبد الله بن سخبرة، عن نبي معمر، وعلقمة، وعبد الرحمن بن يزيد، وأبوه الأسود، وغيرهم من أصحاب عبد الله بن سخبرة، عن عبد الله بن سخبرة رضي الله عنه، في قول الله جل وعلا: ﴿ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ ﴾، الآية. قال: كان رجلان من قريش، وختن لهما من ثقيف، خطب لهم، أي متزوج على أختهم، أنا متزوج على امرأة منهم. قال: رجلان من ثقيف، وختن لهما من قريش. وجاء في بعض الروايات أن ابن مسعود قال: كنت مختبئًا في أستار الكعبة، فدخل رجلان قرشيان ومعهم ثقفي، أو ثقفيان ومعهم قرشي، وقد ذكر بعضهم أسماء هؤلاء، لكن جاءت من طرق ضعيفة، أن القرشي هو الأخنس بن شريق، قال: وختن لهما من قريش في بيت، فقال بعضهم لبعض: أترون أن الله يسمع حديثنا؟ قال بعضهم: يسمع بعضه، وقال بعضهم: إن كان يسمع بعضه لقد يسمع كله، لماذا سيسمع بعضه وبعضه لم يسمع؟ وجاء في رواية أنه قال: إن جهرنا سمع جهرنا، وإن سررنا لم يسمع، فقال له الآخر: إن سمع جهرنا فهو سيسمع سرنا، أن إذا كان يسمع الجهر الذي نجهر به، فلا شك أنه سيسمع سرنا، فالجهر يكون له مثل السر، يكون له مثل الجهر. فأنزل الله عز وجل: ﴿ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ فَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾. فهذا الظن هو الذي أوقعهم في هذا الأمر، أنهم ظنوا بالله عز وجل أنه لا يسمعهم، وليس مطلعًا معهم بأفعالهم وبأقوالهم، فلهذا هذا ظن السوء، هذا من ظن السوء بالله جل وعلا، وكل من جاهر الله عز وجل بالسوء فظنه بالله سوء، وإن أظهر خلاف هذا. وهذا الذي قرره الإمام ابن القيم في تفسير هذه الآية، وبيّن كلام السلف عن الحسن وغيره، لأن بعض الناس فهم حديثًا وهو مختلف فيه: «أنا عند ظن عبدي فليظن بي ما شاء»، أنا هذه الزيادة: «فليظن بما شاء»، فظن بعضهم أنه إن فعل ما فعل، وظنه حسن بالله، فإنه ينجيه ظنه الحسن، وهذا اغترار بعفو الله وكرمه، وهذا لا ينفعهم، لا ينفعهم هذا، كما بيّن الإمام ابن القيم رحمه الله في الجواب الكافي وفي غيره، لأن هذا ليس حسن ظن، الذي يجاهر الله عز وجل بالمعاصي، والذي أيضًا يتحدى الله بهذه المعاصي، كيف يحسن الظن بالله؟ هذا كذب، كما قال الحسن: «إن قومًا أساءوا - أو قال: إن قومًا أساءوا العمل - فقالوا: نحسن الظن بالله، قال: كذبوا». يقول الحسن: وكذبوا، لو أحسنوا الظن بالله لأحسنوا العمل، لو أحسنوا الظن بالله لأحسنوا العمل، فإنما يحسن الظن بالله الذي يفعل الطاعات، ويحسن الظن بالله أنه يتقبلها منه، هذا حسن الظن. أما الذي يجاهر الله عز وجل بالمعاصي والكبائر، ويعارض حكم الله، وكذا، ثم يقول: أنا أحسن الظن بالله، مثل ما يفعل كثير من الناس الآن، حتى مما يعجب منه أنهم أنكروا على امرأة من الممثلات وغيرهم أنها تتعرى في بعض المواضع وكذا، فأنكروا عليها وشنوا عليها حملة، فقالت: هؤلاء ما يعلمون أن الله عز وجل غفور رحيم، نحن نعامل الله الكريم، كيف تعاملين الله الكريم وأنت تفعلين هذا؟ وأيضًا تعارضين الله عز وجل مثل هذه الأمور، فهذا من الغرور الذي يغتر به بعض الناس، ولهذا نبه الإمام ابن القيم رحمه الله والشيخ الإسلام على أن هذا يعتبر من الغرور الذي يزينه الشيطان على أصحابه، يغويهم بذلك، فيتمسكون بعفو الله وكرمه، ويظنون أن هذا سينجيهم. ولهذا ربنا جل وعلا يقول: ﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ ﴾، فلهذا فالظن الذي يكون معه إساءة العمل هو ظن سوء، وليس ظن حسن، وإنما الذي يظن بالله عز وجل الظن الحسن هو الذي يفعل الطاعات، أو إن فعل شيئًا من المعاصي تاب ورجع إلى الله، فهذا يحسن الظن بالله جل وعلا. وهذا أيضًا يتمثل به الحديث: «أنا عند ظن عبدي فليظن بي ما شاء»، وأيضًا حديث جابر الذي أخرجه الإمام مسلم، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله»، «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله»، فيدعو الله، يستغفر الله على ما حصل منه، إن كان معنى، سواء كان من المعاصي أو من التقصير، فهذا إحسان الظن بالله. أما إنسان مهموم في المعاصي يقول: الله غفور رحيم، فهذا خطأ، كما قال الله عز وجل: ﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ ﴾، نسوا هذا، نسوا هذه المواثيق التي أعطاهم الله عز وجل وعاهدهم ربنا سبحانه وتعالى، نسوا هذا، وتمسكوا بعفو الله ومغفرته، فلم ينفعهم، لم ينفعهم ذلك، لم ينفعهم ذلك. فلهذا فهذا الظن: ﴿ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ ﴾، فقال: إن كان يسمع بعضهم لقد يسمع كله، فأنزلت: ﴿ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ ﴾ الآية، وهذا نزلت في هؤلاء الذين ظنوا أن الله عز وجل لا يسمع ما يفعلون، ولا يطلع على ما يفعلون، وسيأتي إن شاء الله تعالى معنا في الأبواب الأخرى أيضًا ذكر هذا الحديث، وأيضًا نذكر تفسير هذه الآية على ما ذكره العلماء رحمهم الله، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.