الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 157، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع رجال إسناد حديث الدخان مبيناً حال الرواة عبدان وأبي حمزة السكري، وينقل عن ابن المبارك تعريف الجماعة الحقيقية بأنها لزوم الحق ولو كان المرء وحده. كما ينتقد منهج جمع الناس على غير حق معتبراً إياه فرقة لا جماعة.
يقارن الشيخ بين الأعمش والزهري من حيث الحفظ والزهد والقرب من السلطان، مبرزاً تميز الأعمش بترك عمل السلاطين. ثم يسرد سلسلة السند المتصل إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في إخباره عن خمس آيات قد مضت.
يفسر المقطع قول ابن مسعود إن الآيات الخمس في سورة الدخان قد وقعت وانتهت، مفصلاً كل آية: الدخان في مكة، وغلبة الفرس للروم، وانشقاق القمر، والبطشة يوم بدر، واللزام العذاب اللازم للكفار. ويؤكد أن هذه آيات ماضية وليست آتية.
يختتم المتحدث الدرس بالاكتفاء بما ذُكر وتفويض العلم لله تعالى، مقدماً الشكر الجزيل للمترجمة نانسي قنقر على جهدها في الترجمة. ويقف المقطع عند هذا الحد خاتماً المجلس العلمي.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين». قال: «فارتقب» أي فانتظر. وفي بعض النسخ: قال قتادة: «فارتقب» فانتظر. قال: حدثنا عبدان، وعبدان هو عبد الله بن عثمان بن جبلة بن رواد المروزي، أبو عبد الرحمن المروزي. له أخ محدث اسمه عبد العزيز بن عثمان، وهما سبطاء إمام أهل مكة وشيخهم عبد العزيز بن أبي رواد. ما معنى السبط؟ ابن البنت يسمى سبط، وابن الابن يسمى حفيد. إذا كان ابن الابن يسمى حفيد، وإذا كان ابن البنت يسمى سبط. فهما سبطاء عبد العزيز بن عبد المجيد بن أبي رواد. ويقال: إنه سُمّي عبدان، كما ذكر الإمام ابن عساكر في بعض رحلاته أنه دخل خُسر جرد، وهي من بلاد خراسان، فكان في مسجدها يكتب. قال: فجاءني رجل رأيته بذّة، ثيابه بذّة وسخة. قال: فرآني أكتب، فرآني أكتب «عبدان»، فقال: أتعلم لِمَ قيل له عبدان؟ قال: لا، أفدني. فقال: قيل له عبدان لأن اسمه عبد الله وكنيته أبو عبد الرحمن، فاجتمع في كنيته واسمه «عبدان». وهو من أخص أصحاب عبد الله بن المبارك. قال: حدثنا عبدان، قال: عن أبي حمزة. وأبو حمزة هو محمد بن ميمون الكوفي، الأعمى، أبو حمزة السكري، مشهور بأبي حمزة السكري. قيل لابن المبارك: من هم الجماعة؟ أو: من هم الجماعة؟ قال: أبو بكر وعمر. فقال: قد ماتوا. فقال: فلان وفلان، أي من التابعين. قال: فقيل له: قد ماتوا. قال: أبو حمزة السكري جماعة. أبو حمزة السكري جماعة. يريد أن يبين الإمام أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك أن الجماعة ليس المراد اجتماع الناس، وإنما المراد اجتماعهم على الحق، ولو كان الرجل وحده فهو على الجماعة مادام أنه على الحق. كما جاء فيه عن عمر بن ميمون أنه نقل عن عبد الله بن مسعود أنه قال: «الجماعة ما دمت على الحق، ولو كنت وحدك». الجماعة ما دمت على الحق، ولو كنت وحدك. لهذا قال عبد الله بن المبارك: أبو حمزة السكري جماعة. فالاجتماع على الباطل باطل، والاجتماع على الباطل فرقة، ولو كان اجتماعًا، لكنه تعتبر فرقة في دين الله. فاللفلفة هذه التي يفعلها الإخوان المسلمون وأمثالهم، هذه من الباطل، ليس اجتماعًا؛ لأنهم يدخلون معهم كل من هبّ ودبّ، بل حتى وُجد يقينًا أنهم أدخلوا بعض النصارى، أن بعض النصارى من الكفار أدخلوهم في تنظيم الإخوان المسلمين. بل كان حسن البنا يزور قبر السيد سرجس وهو نصراني. وهذا من التخبطات التي عند هؤلاء، أهمهم هو الاجتماع فقط، ولو كان على باطل. والاجتماع على الباطل فرقة، والاجتماع على الحق، ولو كان ظاهره فرقة، فهو اجتماع. قال: عن أبي حمزة، وهو السكري، وقيل له السكري لأن كلامه كالسكر، أي كلامه حلو، معنى أنه اختار العبارات الطيبة، وكان واعظًا. قال: عن الأعمش، وهو سليمان بن مهران الأعمش، الحافظ الكبير المقرئ. كان شعبة يسميه المصحف. إذا ذكر عنده الأعمش قال: ذاك المصحف، ذاك المصحف. وكان رحمه الله حافظًا كبيرًا، كما قال قاسم بن محمد: إذا أراد أحد حديث عبد الله بن مسعود فعنده الأعمش. قال: ما رأيت أحدًا أحفظ لحديث عبد الله بن مسعود من الأعمش. قيل لابن معين: هل الأعمش مثل الزهري؟ قال: برئت أن يكون الأعمش مثل الزهري، أو قال: برئت من الأعمش أن كان مثل الزهري. الزهري عنده عرض وإجازات، ويعمل للسلطان. وأما الأعمش فكان فقيرًا صبورًا، وكان حافظًا وعاملًا بالقرآن. يريد أن الأعمش لم يدخل عمل السلاطين، بل صبر على فقره وعلم الناس. وأما الزهري فكان يدخل، وكان يعتبر من وزراء بني أمية، لكنه كان محافظًا على العلم وناشرًا للعلم، رحمة الله عليهم أجمعين. قال: عن الأعمش، أن مسلمًا، مسلم هو ابن صبيح الكوفي. لعم أبي الضحى، هو همدان. وليس في البخاري ومسلم، بل وليس في الكتب الستة من يقال له همدان أو همدان. لأن الهمداني هذه نسبة إلى همدان، وهي من قرى خراسان. همدان يعني بسكون الميم وبالدال المهملة. هو قبيلة همدان، قبيلة همدان التي هي أصلها في اليمن، يعتبرون من الأزد. ولهذا كما قلنا: أكثر الرواة الذين هم من همدان، وليس هناك همدان خاصة، خاصة في البخاري ومسلم. همدان، همدان، همدان، همدان، همدان، همدان. اقرؤها بإسكان الميم وبدال المهملة: همدان، همدان. وقد روى الذين من همدان كثير، منهم هذا مسلم بن صبيح، وكذلك شيخه مسروق. قال: عن مسروق، وهو بن الأجدع، الوادعي الهمداني، الوادعي الهمداني، أبو عائشة. وهو أيضًا مولى لعائشة زوجة النبي عليه الصلاة والسلام. قال: عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. وقال هنا: «عن عبد الله». ومعلوم أنه في الإسناد الكوفي يكون عبد الله بن مسعود. إذا كان في الإسناد الكوفي فهو عبد الله بن مسعود. وإذا كان في الإسناد المدني فهو عبد الله بن عمر. إذا كان في الإسناد المدني عبد الله بن عمر. وإذا كان في البصري أو المكي عبد الله بن عباس. إذا كان في المصري إسناد المسند عبد الله بن عمر، عبد الله بن عمر؛ لأنه جلس في مصر مع بي لما كان أميرًا على مصر. طيب. قال: عن مسروق، عن عبد الله قال: مضت خمس. يقول عبد الله بن مسعود: مضت خمس: الدخان، والروم، والقمر، والبطشة، واللزام. هذه يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنها أنها قد مرت. أولاً: الدخان. وسيأتي بالحديث الذي بعده، وهو نفس الحديث، بوب عليه الإمام البخاري هنا: «باب يغشى الناس هذا عذاب أليم». فقال: حدثنا يحيى، قال: حدثنا أبو معاوية. والظاهر يحيى هنا ابن معين. قال: حدثنا أبو معاوية، وهو محمد بن خازم الضرير. يعني: عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، قال: قال عبد الله: إنما كان هذا عن هذا الدخان، لأن قريشًا لما استعصوا على النبي عليه الصلاة والسلام، دعا عليهم بسنين كسنين يوسف، فأصابهم طحط وجهد، حتى أكلوا العظام. في رواية: حتى أكلوا الميتة والعظام. فجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان، أي من الجهد. ما بلغ بهم الجهد والجوع حتى الإنسان ينظر إلى السماء فيرى مثل الدخان. قال: فأنزل الله عز وجل: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. يقول: لما قال عبد الله بن مسعود أن هذا الدخان الذي حصل لأهل مكة، هل هو دخان مرتقب مرتقب لهذه الأمة؟ الله أعلم. لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر، كما في حديث حذيفة بن اليمان وغيره، أن هناك أيضًا من الآيات التي تكون قرب الساعة الدخان. وهل هو هذا الدخان الذي عناه في هذه الآية؟ فابن مسعود يقول: لا، إنما الدخان هذا قد مضى. وقد يكون نفسه، وقد يكون غيره. لكن نؤمن بأنه سيأتي دخان قرب يوم القيامة، ولم تأتِ صفة هذا الدخان عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال: فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل له: يا رسول الله، استسق الله لمضر، فإنها قد هلكت. قال: لمضر؟ إنك لجريء. فاستسقى فسقوا. فنزلت: ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾. فلما أصابتهم الرفاهية عادوا إلى حَالِم. أي: إن النبي صلى الله عليه وسلم استسقى لمضر، لقريش، معنى قريش ومن حولها، لما أصابهم الجوع. فاستسقى لهم فسقوا. وقال: «إنك لجريء»، عن كيف أستسقي لهم وهم يحاربون الإسلام؟ لكن من رحمة النبي عليه الصلاة والسلام استسقى لهم فسقوا. فنزلت: ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾، عنهم أنهم سيعودون على بغيهم وكفرهم وعنادهم ومحاربتهم للإسلام. قال: فلما أصابتهم الرفاهية عادوا إلى حَالِم. حين أصابتهم الرفاهية، معنى: لما رأوا الجوع ورأوا القحط، جاءوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام حتى يدعو لهم، لأنهم علموا أن هذا من النبي، لأنه كان يدعو عليهم: «اللهم اجعلها عليهم سنين كسنين يوسف»، حتى أجدبت الأرض، أجدبت مكة وأجدبت ما حولها، فلم يسقوا. فاشتكوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فدعا ربه جل وعلا، فأجاب دعاه وسقاهم. فلما رجعت حالهم، وذهب ذلك الجوع، وذهب ذلك القحط، أصابتهم الرفاهية، أن أصابتهم الرفاهية جاءهم المال، وجاءهم أيضًا الزرع والحبوب وغيرها. فحين أصابتهم الرفاهية، أنزل الله عز وجل: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾. يعني يوم بدر. وأما الروم، فهذه قد مرت. هذا الدخان، وأما الروم فهو غلبة الروم على الفرس، معنى هزيمة الفرس، غلبتهم الروم، كما أخبر الله عز وجل بذلك. والقمر أيضًا قد مرت. انشقاق القمر، قد جاء في الصحيحين: أن قريشًا طلبوا آية من النبي عليه الصلاة والسلام، فأراهم انشقاق القمر. معنى: القمر انفلق نصفين، نصف في المشرق ونصف في المغرب. قال: والبطشة، فسرها ابن مسعود أنها يوم بدر. ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾. وهذه بدر، انتقم الله عز وجل لأهل الإسلام، وانتقم من هؤلاء الكفار من أهل قريش الذين أخذوا أموالهم، وأخرجوهم من بلادهم. فانتقم الله عز وجل منهم في بدر، فأصيب منهم قادتهم، قادة قريش وكبار قريش أصيبوا في بدر، وأولهم أبو جهل. وأما اللزام، أي لزام العذاب، فسوف يكون لزاما، أي في سورة الفرقان: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾، أي العذاب على هؤلاء الذين، معناه: قاتلوا النبي عليه الصلاة والسلام، وأخرجوه من مكة، واعتدوا على أهل الإسلام. فإن العذاب عليهم سيكون لزاما. فهذه الخمس التي ذكرها ابن مسعود رضي الله عنه أنها قد مضت: الدخان، والروم، والقمر، والبطشة، واللزام. طيب، إن شاء الله تعالى. نكتفي بهذا. والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر. شكرًا.