الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 158، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول المقطع سيرة وكيع بن الجراح الرؤاسي أحد حفاظ الكوفة الكبار ومكانته في الحفظ والإتقان، مع دفاع علماء كابن معين وأحمد عنه رغم تهمة ملازمته للحسن بن صالح. كما يروي قصة وقوعه في محنة بمكة حين روى حديثاً منكراً كاد يُقتل بسببه، فشفع له سفيان بن عيينة عند الأمير فنجا وأُمر بمغادرة مكة.
يحذر النص من رواية الأحاديث الضعيفة في مجامع العامة لئلا تثير فتنة، مستشهداً بمحن وكيع والنسائي وابن تيمية مع الجهلة. ويؤكد على أدب العالم في قول "الله أعلم" فيما لا يعلم، مستدلاً بقول ابن مسعود وفعل السلف الذين كانوا يمتنعون عن الإجابة في غير تخصصهم.
يتناول المقطع آداب الفتوى عند السلف الصالح، مبيناً تواضع العلماء مثل عبد الله بن المبارك وإحالتهم العلم إلى أهله، وتحذيرهم من التجرؤ على الفتوى بلا علم. كما يسرد قصة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم على قريش بالسنين السبع، واستجابة الله، ثم كفرهم بعد كشف العذاب، وانتقام الله منهم يوم بدر.
أشار المتحدث إلى أن الموضوع قد تم تناوله في الدرس السابق، واكتفى بما ذُكر مع تفويض العلم لله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب {ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون}. قال: حدثنا يحيى، وهو كما قلنا الظاهر أنه يحيى بن معين. وهذا الحديث عاده سندا ومتنا، وهذا قل ما يفعله الإمام البخاري؛ قل ما يفعله الإمام البخاري أن يعيد الأسانيد ويعيد المتون، وإنما غالبا أنه يذكر المتن ويذكره بإسناد آخر، أو يكون مثلا فيه شيء من التغيير في المتن. قال: لكن في هذا الحديث ذكره بإسناده متنا. قال: حدثنا يحيى، قال: حدثنا وكيع، وهو ابن جراح أبو سفيان الرؤاسي الحافظ، وهو من حفاظ الكوفة. جلس بعد سفيان الثوري في مجلسه، ولما مات سفيان جلس في مكانه وكيع بن جراح. قال: حدثنا، قال: عن الأعمش، هو وكيع سمع من الأعمش وهو صغير، وشفع له أن أباه كان على الديوان؛ كان الجراح بن مليح الرؤاسي كان على ديوان أهل الكوفة، فلذلك لما جاء وكيع إلى الأعمش فقال له: حدثني، فقال: وتحدثك وأنت صغير؟ قال: نعم، حدثني. قال: ابن من أنت؟ قال: أنا ابن الجراح الرؤاسي. فقال له: أحدثك لكن تأتي بعطيتي كل مرة، أنا بدل أن أذهب وألاقي مشقة في الذهاب تأتي بها من أبيك. فقال له: علي ذلك. فكان يحدثه في اليوم خمسة أحاديث، وكان وكيع يحفظها. وكان وكيع حفظه طبعا؛ أن إذا حفظ شيئا لا ينساه. ومعلوم أن وكيعا تكلم فيه بعض العلماء كعفان وغيره بسبب ملازمته للحسن بن حيان، أو الحسن بن صالح بن حيان. والحسن بن صالح كان يرى الخروج على ولاة الأمر الظلمة، يرى رأي الخوارج. لكن وكيع ما كان يرى ذلك، لكن تُهم بملازمته لشيخه. حتى لما ذُكر إلى أسباط بن محمد، أو يوسف بن عسباط، ذُكر له وكيع، قال: ذاك يشبه شيخه. فقال له رجل: قد اغتبته. قال: والله لأنا أفضل لهم من أبيهم وأمهم، أنا عندما أحذر منهم لأجل أن أنقذهم من هذا الضلال. لكن وكيع ما كان مثل شيخه، ولهذا لما كتب عفان بن مسلم وكيعا في ورقة، كتب فيها أهل البدع، من كان متلبسا ببدع كتب فيها في ورقة، فرآها يحيى بن معين، رأى هؤلاء البدع ثم رأى معهم وكيعا، فقال يحيى لعفان: وكيع خير منك. قال: وكيع خير منك؟ أنا كيف تكتب وكيعا في مثل مع هؤلاء؟ فوكيع صاحب سنة وصاحب حفظ. قال أحمد رحمه الله: ما رأيت بالكوفة مثل وكيع في الحفظ. وقال للهيثم بن جميل: ما كان عندكم إسماعيل بن عياش؟ قال: كان عندنا حافظا يسرد عشرة آلاف حديث، يسرد عشرة آلاف حديث معنا غيبا، سردها في مجلس واحد. فقال: هذا مثل وكيع عندنا، أنا بالعراق. يقول أحمد: أنا لما ذكر له الهيثم بن جميل أن إسماعيل بن عياش يسرد عشرة آلاف حديث، فقال: هذا مثل وكيع عندنا. وكيع حافظ كبير يسرد هذا العدد في مجلس واحد. وهذا مما دخرهم الله عز وجل وسخرهم لهذه الأمة، أن حفظوا حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذا مصداق قول الله عز وجل: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾. فحفظ الله عز وجل هذا الحديث وهذا الدين بهؤلاء الرجال، كما قال سفيان الثوري رحمه الله: الملائكة حراس السماء، وأهل الحديث حراس الأرض، ويحرسون دين الله عز وجل. فهؤلاء سخرهم الله عز وجل لهذا الدين، حفظوا الحديث ولم ينسوه، حتى أنهمحيانا يتضررون بهذا الحفظ. وكيع حفظ حديثا تضرر به، كاد أن يقتل، ولا يدري من أين حفظه. لما خرج إلى مكة، ذكر هذا الحديث، وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام... وهذا خطأ سمعه، حدث به على أن النبي عليه الصلاة والسلام ورمت بطنه، أو نتن بطنه بعدما مات. هذا كلام باطل، فالأنبياء لا تأكل أجسادهم الأرض، فكيف بغير ذلك؟ ولم يذكر أحد هذا، واختلفوا في هذا الحديث، وهذا الحديث أصله باطل أو مرسل. فلذلك وكيع حفظ هذا الحديث، ولما سئل عنه في مكة أتى به، فكان صاحب مكة، فبلغ بعضهم أمير مكة، لأن وكيعا يقول كذا وكذا، فحبس وكيع، وحكم عليه القضاء أنه يقتل، حكم عليه القضاء أنه يقتل لأنه افترى على النبي عليه الصلاة والسلام، هكذا زعموا. فدخل أبو محمد سفيان بن عيينة عند الأمير، وقال: أصلح الله الأمير، أتعرف من هذا؟ قال: من هو؟ قال: وكيع، وهو ابن الجراح الرؤاسي. وهذا الحديث الذي ذكره مشهور عند الناس، مشهور عند الناس. هكذا قال سفيان. قال: ولم أكن سمعته، لكن ثقة بوكيع. أنا أراد أن ينقذ وكيعا من هذه الورطة. فقال سفيان لأمير مكة: قال له: هذا الحديث مشهور عند الناس، ووكيع حافظ وعالم، فقد يكون سمعه من بعض الناس وحدث به، فكيف تقتل رجلا من العلماء؟ فشفع له سفيان، فأخرج. ولكن قال: تذهب إلى الكوفة ولا تجلس في مكة. فأحيانا الإنسان يعرض لفتن والبلاء بكلام يخرجه. هذا وكيع كان أراد أن يحدث بهذا الحديث، لكنه أخطأ في التحديث بهذا الحديث؛ أولا: أن الحديث باطل، وثانيا: أنه حدث به في مكة، ومكة يرد فيها الناس من هنا وهناك، ليس أهل العلم. أنا أقصد: لما يحدث، ما يحدث أهل العلم، بخلاف ما يكون في مجالس العلم. لو حدث بهذا الحديث في مجلس علم لاحتمل، أنا إذا كان حدث بهذا الحديث في الكوفة والبصرة في مجالس العلم لاحتمله الناس، لأنهم يعرفون أنه ناقل، وليس أراد عيب النبي عليه الصلاة والسلام، ويعرفون كيف يعظم حديث النبي عليه الصلاة والسلام. مثل ما حصل لأبي بكر بن أبي داود، لما حدث بذلك الحديث في دم علي رضي الله عنه، سمعه وحدث به، فكان يكاد أن يقتل بسبب ذلك. وزد على ذلك أنه حدث به في خراسان، وكان أهل خراسان المتعصبون، أو حدث به أقصد في البصرة، وكان يتعصبون لعلي رضي الله عنه، أنه كان شيعة كثير. فلذلك لما سمعوا من وكيع مثل هذا الحديث استعظموه، وكادوا يقتلونه. وهؤلاء غالبا الغوغاء لا يعرفون قيمة للعلم. فهذا الإمام النسائي، إمام الدنيا في وقته، قتله هؤلاء الجهلة. حدث بخصائص علي وفضائل العترة في خراسان، فقال بعضهم للنسائي: لما لم تحدث بفضائل معاوية؟ أنت الآن حدثت بفضائل علي، طيب حدث بفضائل معاوية. قال: ما أجد إلا قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا أشبع الله بطنه». فقاموا عليه ورفسوه، حتى رفسوه في خصيتيه، ومات منها. قتل، رضي الله عنه ورحمه الله، من ذلك الأمر. وهذا يدلك على أن العامة لا يعرفون قيمة العلماء، لا يعرفون قيمة العلماء. وأيضا يدلك على أن الإنسان لا يحدث بكل شيء في كل مكان. ولهذا قال ابن مسعود: ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة. وقال علي رضي الله عنه أيضا: «أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟ حدثوا الناس بما يعرفون». فلذلك قد يحدث الشخص أو العالم بحديث يكون عليه فتنة أو مسألة. فهذا شيخ الإسلام سجن وكاد يقتل في مسألة الطلاق، بل مات وهو في السجن رحمه الله، مات والسجن بسبب مسألة فقهية أفتى فيها، لم تكن، لم يؤيده أحد من فقهاء ذلك الزمان. فلذلك كما قلنا هذه المصائب قد تصيب العلماء ويبتلون بها، أنا بتبليغ العلم يبتلون. لكن الله عز وجل ينجيهم أو يرفع شأنهم، ولو بعد موتهم، ولو بعد موتهم. وهذا من النصر، ليس النصر أنك ترفع في وقتك، أو أن العالم يرفع في وقته، بل أن النصر أن دعوتك ترتفع، التي تدعو إليها، ويعرف الناس علمه. وهذا نصر من الله عز وجل: ﴿إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد﴾. قال: حدثنا وكيع، عن الأعمش، وهو سليمان بن مهران أبو محمد الكاهلي الكوفي، ويقال له أيضا لعم، لكنه كان به عمش، ليس عمى عمش، وغالبا يغطي عينيه القذى، فيرى لكن يرى قليلا. قال: عن الأعمش، عن أبي الضحى، وهو مسلم بن صبيح الكوفي الهمداني، عن مسروق بن الأجدع الوادعي الهمداني، قال: دخلت على عبد الله، أي ابن مسعود، فقال: إن من العلم أن تقول لما لا تعلم: الله أعلم. وهذه الفائدة لم تكن موجودة في ما تقدم في هذا الحديث الذي ذكره قبل، مع أن الإسناد واحد. قال: إن من العلم أن تقول لما لا تعلم: الله أعلم. هذا من العلم، ومن فقه العالم أنه يقول لما لا يعلم: الله أعلم. فكما قال أحمد وغيره: لا يجيب أحد على كل سؤال إلا رجل مجنون، أنا كل سؤال يرده يجيب عليه. فهذا قال: إلا رجل مجنون، أنا لأنه لا أحد يعلم كل العلم، لا أحد يعلم كل العلم. فلذلك لا بد أنه سيأتي عليه السؤال الذي لا يعرفه، فلا ينبغي له أن يتكلم بما لا يعلم، أو يأتي عليه سؤال ليس فيما تخصص فيه، أو أن هذا العلم لم يتقن. مثلا جاء عنده في الفقه والاعتقاد وكذا، لكن ما عنده في الأصول، فجاء سؤال في الحديث عنده، لكن درس مبادئ الحديث ولم يدرس هذا العلم كتقصص. وهنا لا ينبغي له أن يتكلم في ذلك أيضا. حتى مسائل الفقه، ليس الإنسان يلم بها كلها، لا بد أنه هناك مسائل لا يستطيع أن يجيب عليها، أو يقل علمه فيها، أو لا يتقن هذه المسائل. لهذا بعض العلماء، بعض السلف، كان لا يجيب في بعض المسائل، أو بعض العلوم. كان عطاء يقول: لا تسألوني في التفسير. وهكذا جاء عن بعض السلف أنهم امتنعوا أن يجيبوا في الفقه، كما كان يفعل الأعمش. وهكذا أيضا كثير من هؤلاء السلف رحمهم الله كانوا يتقون الإجابة في بعض المسائل. بل الصحابة رضي الله عنهم كان يحيل بعضهم إلى بعض. في البخاري في حديث عمران بن حصين، أنه قال: سألت عائشة عن لباس الحرير، فقال: فقالت: سل عبد الله بن عمر. فسألت عبد الله بن عمر، قال: سل ابن عباس. قال: فسألت ابن عباس، فحدثني عن عمر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة». وهذا الحديث في البخاري. فهذا يدلك على أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا مع علمهم... عائشة رضي الله عنها كان علمها واسع، إلا أنها كانت تحيل إلى الصحابة. لما سألها الرجل عن المسح على الخفين، قالت: سل علي بن أبي طالب، فإنه كان أكثر ما يكون مع النبي صلى الله عليه وسلم في أسفاره. أنا عرفت أن هذا الأمر يحتاج إلى من يسافر مع النبي عليه الصلاة والسلام وينظر إلى فعله. فقالت: سل علي بن أبي طالب، فإنه كان يخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم في أسفاره. فلذلك رد العلم إلى عالمه، كان عند السلف. بل كان بعض السلف لا يتكلم في المسائل وفي من هو أعلم منه. لما أمر سفيان بن عيينة عبد الله المبارك أن يتكلم، لم يتكلم عبد الله المبارك، قال: كيف أتكلم وشيخي موجود؟ حتى أذن له وأمره أن يتكلم، وحثه أن يتكلم. وكذلك فعل مع حماد بن زيد، لما جاء إلى حماد بن زيد، قال لعبد الله المبارك: حدث يا أبا عبد الرحمن. قال: كيف أحدث وأنت موجود؟ قال: حدث. حتى لحق علي، فكان يقول: حدثني حماد بن زيد، ويسرد أحاديث حماد بن زيد، ما جاء بغيره. وهذا من الأدب العظيم الذي كان يتخلق به هذا العالم، هذا العالم الكبير أبو عبد الرحمن عبد الله المبارك رحمه الله. فقال ابن مسعود رضي الله عنه: إن من العلم أن تقول لما لا تعلم: الله أعلم. لا يجوز الإنسان يتجرأ في دين الله عز وجل ويتكلم بما لا علم له، وهذا من التكلف. فقال عبد الله بن مسعود: إن الله عز وجل قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين﴾. أنا لا أتكلف الإجابة. وكما قال بعض السلف: أن العالم أو المفتي لا ينظر... لا ينظر إلى تخليص السائل، وإنما ينظر إلى تخليص نفسه. أنا لا ينظر أنه يريد أن يخلص السائل من هذا السؤال أو هذا الإشكال، لا، إنما يخلص نفسه، أنا كيف يخلص نفسه عند الله عز وجل؟ لأنه الآن كما قال الإمام ابن القيم: يوقع عن رب العالمين. ولهذا سمى الإمام ابن القيم كتابه «إعلام الموقعين عن رب العالمين»، وكان أكثر كلامه في الفتوى. فقال: إعلام الموقعين عن رب العالمين. وذكر الذين كانوا يفتون من الصحابة، وذكر فتوى النبي عليه الصلاة والسلام أولا، ثم ذكر من كان يفتي من الصحابة في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، ثم ذكر من كان يفتي من الصحابة بعد زمن النبي عليه الصلاة والسلام، وذكر من عرف من الصحابة بالفتوى. وهكذا ذكر من يفتي من التابعين، وهكذا تسلل ورتب كتابه، وأكثره في آداب الفتوى وما يتعلق بها. فلذلك سماه إعلام الموقعين عن رب العالمين. فالذي يفتي فهو يوقع عن رب العالمين. ولهذا كان السلف يقولون: أكثركم فتيا، أجرأكم إلى النار، أو كما كانوا يقولون: أجرأكم إلى النار، أجرأكم فتيا. فلذلك لا يتكلم الإنسان في دين الله عز وجل إلا بما تعلم، بما تعلم. ومن سئل عن علم وكتمه ألجم بلجام من النار. سئل عن علم هو عنده، وعنده يقين به. إن كان هناك يوجد من هو أفضل منه وأعلم منه في هذا الباب، يحيل إليه. وإن كان مثلا يعرف أنه يعرف هذه المسألة جيدا ويتقنها، فلا بأس أنه يتكلم فيها. ﴿قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين﴾. ثم قال رضي الله عنه: إن قريشا لما غلبوا النبي عليه الصلاة والسلام، استعصوا عليه، أي لم يستجيبوا له عليه الصلاة والسلام، فقال: «اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف». فأخذتهم سنة، سنة، أي قحط وجوع. قال: فأخذتهم سنة، أكلوا فيها العظام والميتة من الجهد. معنى: لم يأتيهم شيء من الحبوب، لم يأتيهم شيء من الطعام. معنى: الله عز وجل أمسك المطر فلم تنبت الأرض، فصاروا في جهد. قال: حتى جعل أحدهم يرى ما بينه وبين السماء هيئة الدخان من الجوع. قالوا: ﴿ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون﴾. وجاء في اللفظ الذي تقدم أنهم جاءوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام وسألوه، وسألوه أي استشفعوا به عليه الصلاة والسلام، أنهم يدعوا الله عز وجل أن يكشف عنهم العذاب. فكيف دعا النبي عليه الصلاة والسلام ربه أن يكشف عنهم العذاب؟ قالوا: ﴿ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون﴾. فقيل له: إن كشفنا عنهم عادوا. فدعا ربه فكشف عنهم، فعادوا. أنا بعدما رأوا الرفاهية وجاءت الأرض بالزرع والثمار، عادوا إلى ما كانوا عليه من معادة الإسلام والإعراض عن دين الله عز وجل. قال: فانتقم الله منهم يوم بدر. فذلك قوله تعالى: ﴿يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾ إلى قوله جل ذكره: ﴿إنا منتقمون﴾. وهذا قد تكلمنا عليه في الدرس الذي مضى، فإن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.