كتاب التفسير من صحيح البخاري 201

كتاب التفسير من صحيح البخاري 201

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 201، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

شرح باب انشقاق القمر وتحليل رجال الإسناد

يستهل الشارح بشرح باب "وانشق القمر" موضحاً اقتطاع البخاري لجزء من الآية للشاهد، ثم يفصل في رجال الإسناد كمسدد بن مسرهد ويحيى بن سعيد القطان وسفيان الثوري والأعمش، مبيناً أوصافهم ومنازلهم في الرواية والجرح والتعديل.

روايات انشقاق القمر وأساندها المتعددة

يسرد المقطع عدة أسانيد لحديث انشقاق القمر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم عبر رواة كإبراهيم النخعي والأعمش ومنصور وسفيان بن عيينة ومجاهد، مع توضيح مقاماتهم في الحفظ والفقه وكيفية وقوع الانشقاق فرقتين فوق الجبل ودونه.

انقسام القمر آية لقريش وتكذيبهم بها

يروي المقطع أحاديث صحيحة عن انشقاق القمر بطلب من كفار قريش آية، فلما رأوها انشقت فرقتين قالوا: سحر مستمر، وأصروا على الكفر والعناد رغم علمهم بصدقه، مشبهاً حالهم بقوم ثمود مع ناقة صالح، ومستعرضاً رد فعلهم المعرض عن الإيمان.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب: وانشق القمر، وإن يروا آية يعرضوا». قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا يحيى. والإمام البخاري رحمه اللهحيانًا يأتي ببعض الآية، وهي يريد بها وجه الشاهد الذي سيذكره في الحديث، لهذا غالبًا لا يكمل الآيات، أو يأتي بشطر، أو بالآية أحيانًا كلها، وأحيانًا يأتي ببعضها عن وجه الشاهد. هنا ذكر: «باب: وانشق القمر، وإن يروا آية يعرضوا»، يريد أن يبين أن الحديث الذي جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في انشقاق القمر، وكيف أعرض عنه الكفار، أو عن هذه الآية مع أنها آية عظيمة، إلا أنهم أعرضوا. قال: حدثنا مسدد، وهو ابن مسرهد، أبو الحسن البصري، وكما قال البخاري: «مسدد كاسمه»، أي: مسدد أي أنه مسدد في قوله، فهو مسدد من عند الله جل وعلا. قال: حدثنا يحيى، وهو ابن سعيد القطان، العالم، الجبل. قال الإمام محمد: «ما رأيت أحدًا أعلم من يحيى بن سعيد القطان». وقال: «ما رأى نفسه أحد أعلم بالحديث من يحيى بن سعيد القطان». ولعل يحيى بن سعيد هو أول من تكلم في علوم الحديث من ناحية العلل، ومن ناحية كذلك التضعيف. صحيح أن شيخه شعبة تكلم، لكن شعبة ليس مكثرًا من هذا الشيء، لكن أخذه عنه يحيى بن سعيد، وأكثر في الكلام على الرجال، وكذلك في الكلام على علل الأحاديث. ولهذا يقال: إن ليحيى بن سعيد كتابًا في العلل. ذكر الحافظ ابن رجب عن بعضهم أنه نقل عن يحيى بن سعيد، كيعقوب بن شيبة وغيره، وكان علي بن المديني رضي الله عنه ينقل عنه. قالوا: عن شعبة وسفيان. عن شعبة وسفيان، سفيان من هنا؟ سفيان الثوري. سفيان الثوري، أنا عرفناه بيحيى، فهو أكثر رواية عن سفيان الثوري، وأيضًا مسدد إذا روى عن سفيان ما يحتاج لأن يروي عن يحيى، لأنه قد سمع منه، أي: عن سفيان بن عيينة، قد سمع منه كثيرًا. قال: عن شعبة وسفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم. الأعمش: أبو عبد الله سليمان بن مهران، أو أقصد: أبو محمد، الكوفي، وقيل له: أعمش؛ لأنه به عمش في عينيه. والعمش هو شيء مثل ما يسمونه: المغال، يخرج في العينين فيغطي كثيرًا من العين، حتى أن الإنسان إذا مشى، أو هذا الأعمش إذا مشى، يرى قليلًا، يرى قليلًا. لهذا مما يذكر عن إبراهيم النخعي أنه قال للأعمش، وكانوا سيمرون على بعض الشباب من أهل الكوفة، فقال: «هل نمر عندهم؟» فإذا مررنا يقول إبراهيم للأعمش وهو شيخه: «إذا مررنا فسيقولون: أعمش يقود مكفوفًا». عن إبراهيم كان أعمى، فيقول: «أن أعمش يقود مكفوفًا». فقال: «فقال: لو هل نمر عندهم أو نمر في مكان آخر؟» قال: «بل نمر عندهم، فإن تكلموا أثبوا». فقال له: «بل نسلم ويسلمون، أننا نحن نسلم من كلامهم، وهم يسلمون من الإثم في كلامنا». قال: عن الأعمش، عن إبراهيم، وهو ابن يزيد النخعي. واختلف العلماء: من أحفظ الناس لحديث إبراهيم؟ هل هو الأعمش أو منصور؟ لكن منصور أقعد عن إبراهيم الحديث، وكذلك أخذ الفقه، ومنصور فقيه، منصور بن المعتمر. وأما الأعمش فما كان يتكلم في الفقه، لكنه مقرئ، فاعتبر من مقرئي أهل الكوفة، وإن كان هو من القراءات الشاذة، لكن قد أخذ القراءة عن كثير من أهل الكوفة، ومنهم عاصم. قال: عن إبراهيم، عن أبي معمر، وهو عبد الله بن أبي الصرح، صاحب عبد الله بن مسعود. قال: عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم، فرقتين: فرقة فوق الجبل، وفرقة دونه، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم: اشهدوا، اشهدوا على هذه الآية». صار القمر فرقتين: فرقة فوق الجبل، وفرقة دون الجبل، معنى يرونها دون الجبل، فصار بينهما فراغ، بين الجزء هذا وهذا، بينهما فراغ، فهذا هو انشقاق القمر. قال: وحدثنا علي بن عبد الله، هو ابن المديني، قال: حدثنا سفيان. من سفيان هنا؟ سفيان بن عيينة، وعرفناه بعلي بن عبد الله بن المديني؛ لأن علي بن عبد الله لم يروِ عن سفيان الثوري. قال: حدثنا سفيان، وهو ابن عيينة، أبو محمد الهلالي، قال: أخبرنا ابن أبي نجيح، وهو عبد الله بن أبي نجيح المكي، وهو مرجع، لكنه من حفاظ الحديث، وكان يهتم بالتفسير أكثر، فأخذ التفسير عن مجاهد وغيره. قال: عن مجاهد، عن أبي معمر، عن عبد الله، قال: «انشق القمر». مجاهد هو ابن جبر، إمام أهل مكة، قال: «انشق القمر، ونحن مع النبي عليه الصلاة والسلام، فصار فرقتين، فقال لنا: اشهدوا، اشهدوا». قال: وحدثنا يحيى بن بكير، وهو يحيى بن عبد الله بن بكير، ينسب إلى جده، قال: حدثني بكر، وظاهر أنه بكر أيضًا، بكر بن مضر المصري. قال: عن جعفر، وهو ابن ربيعة، عن عروة بن مالك. عروة مدني. قال: عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وكان عبيد الله كما قال الزهري: «آية في الحديث»، قال: «ما جئته يومًا إلا وسمعت منه حديثًا لم أسمعه منه قبل». وهذا يدل على كثرة الحديث عنده. أي: يقول للزهري: «ما جئته يومًا إلا وحدثني بحديث لم يحدثني من قبل بهذا الحديث». وعبيد الله، وأن جده عمه، ابن مسعود. قال: عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن مسعود، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: «انشق القمر في زمان النبي عليه الصلاة والسلام». قال: وحدثنا عبد الله بن محمد. من هذا عبد الله بن محمد؟ أنا هذا دائمًا نأتي به من عبد الله بن محمد، قلنا: يا أبا بكر بن شيبة. عبد الله بن محمد، لكن قلنا: إذا أطلقه البخاري فمن هو؟ لا، إذا المسند الجعفي البخاري، إذا أطلقه عبد الله بن محمد فهو المسند الجعفي البخاري. قال: حدثنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا يونس بن محمد، وهو المؤدب، قال: حدثنا شيبان، وهو ابن عبد الرحمن، النحوي البصري، عن قتادة، عن أنس رضي الله عنه، قال: «سأَل أهل مكة أن يريهم آية، فأراهم انشقاق القمر». قالوا: حدثنا مسدد، قال: حدثنا يحيى، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس. وشعبة أحفظ الناس لحديث قتادة، وحفظ أصحاب قتادة ثلاثة: شعبة، وسعيد بن أبي عروبة، وهشام بن أبي عبد الله الدستوائي. قال: عن قتادة، عن أنس رضي الله عنه، قال: «انشق القمر فرقتين». فهذه الأحاديث كلها في انشقاق القمر في زمن رسول الله صلى الله عليه وعلى، وقد طلب كفار قريش أو بعضهم آية من النبي عليه الصلاة والسلام، وكان هذا، وكان ذلك في مكة، فأراهم انشقاق القمر، فصار فرقتين، فقال: «اشهدوا، اشهدوا»، أي: اشهدوا على هذه الآية. لكن قريشًا أعرضوا، وقالوا: «هذا سحر مستمر»، هذا يتابع السحر، أو يتابع السحرة، وليس أنها آية من الله. وهذا يدل على عنادهم وكفرهم. فهم أولًا يعلمون صدق رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم، ويعلمون أنه لا يكذب، لكنهم يعاندون، كما قال الله عز وجل: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾. فهم لكفرهم بالله عز وجل بآياته يأتون بمثل هذا العناد. فطلبوا من النبي عليه الصلاة والسلام آية، مثل أصحاب صالح، فطلبوا من صالح عليه الصلاة والسلام أن يأتي لهم بآية، فأنزل الله عز وجل عليه الناقة، أخرجها من صخرة، وكانت هذه الناقة آية من آيات الله جل وعلا، لكنهم أعرضوا، وقتلوا، وعقروا الناقة، وعتوا عن أمر ربهم. وهؤلاء أيضًا كفار قريش فعلوا مثل ما فعل أولئك، طلبوا من النبي عليه الصلاة والسلام آية، فجاء لهم بهذه الآية العظيمة، وهي انشقاق القمر، لكنهم عاندوا، وقالوا: «هذا سحر مستمر»، وأعرضوا عن هذه الآية. وهذا حال الكفار مع أنبيائهم، إلا من أدخل الله عز وجل في قلبه الإسلام. فهذا ما يذكر به هذه الأحاديث، والله تعالى أعلم. من أدخل الله عز وجل... من أدخل الله عز وجل... ترجمة نانسي قنقر