كتاب التفسير من صحيح البخاري 220

كتاب التفسير من صحيح البخاري 220

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 220، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير آية الأنصار وبيان إيثارهم للمهاجرين

استهل الشيخ بشرح قوله تعالى «والذين تبوؤوا الدار والإيمان» مبيناً مكانة الأنصار في حبهم للمهاجرين وإيثارهم بالمال والنفس، وضرب مثلاً بقصة سعد بن الربيع مع عبد الرحمن بن عوف، ثم أشار إلى إيراد البخاري لهذا الأثر في موطنه من التفسير.

سند رواية عمر بن ميمون وقصة رجم القردة

انتقل الحديث إلى بيان سند رواية عمر بن ميمون المخضرم عن وصية عمر بن الخطاب، مع توثيق حال الراوي أبي بكر بن عياش وحفظه، وساق قصة رجم القردة في الجاهلية التي رواها عمر بن ميمون شاهداً على صدقه.

الشورى السداسية وبيعة عثمان وتفاصيل الوصية

فصل الشيخ في آلية اختيار عمر لستة من العشرة المبشرين للتشاور في الخلافة، وما آلت إليه المبايعة لعثمان بن عفان بتأييد المهاجرين والأنصار، ثم بيّن وصية الخليفة بمراعاة حقوق السابقين الأولين وقبول إحسانهم والعفو عن إساءاتهم في التعازير دون الحدود.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب: والذين تبوؤوا الدار والإيمان»، أي الأنصار، رضي الله عنهم. «الذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة». والظاهر أنه أراد المهاجرون والأنصار، أن قوله: «والذين تبوؤوا» هنا تابعة لما قبل هذه الآية، وهي آية في المهاجرين: «للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون». فهؤلاء صدقوا في خروجهم، أي المهاجرون صدقوا في خروجهم من أراضيهم، فتركوا أموالهم وتركوا بيوتهم لأجل الله جل وعلا، وبقوا على الفقر ورضوا بذلك، بقوا في المدينة على الفقر وهم راضون بذلك. وأيضًا الأنصار رضي الله عنهم تلقوا هؤلاء المهاجرين، وهم يحبونهم ويحبون النزول عندهم، وعطوهم أو ناصفوهم في أموالهم، وضربوا كما يقال أروع الأمثلة في البذل والإيثار بين الإخوة. وآخى النبي عليه الصلاة والسلام بينهم، فكان أحدهم في بداية الأمر حتى أنه يرث أخاه، ومن ثم بعد ذلك نهى الله عز وجل عن ذلك، جعلهم كل واحد ينتسب إلى أبيه، وأيضًا يرثه أهله. وكذلك أيضًا صارت هذه الأخوة أخوة عظيمة، حتى أن الرجل يشاطر، أو الرجل من الأنصار يشاطر ويناصف الرجل المهاجر حتى في أهله، كما قال سعد بن الربيع لعبد الرحمن بن عوف: «إن معي أهلين، أنا زوجتان، إن معي زوجتين، اختر إحداهما فأطلقها فتتزوجها، وإني لأكثر الأنصار مالا فأشاطرك فيه». فقال عبد الرحمن: «بارك الله لك في مالك وأهلك، دلني على السوق». فكانت كما قال الله عز وجل عنهم: ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾، أن يؤثرون غيرهم على أنفسهم، أن يؤثرون المهاجرين بأموالهم وبغيرها، ولو كانوا أحوج لها. بل جاءوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقالوا: «يا رسول الله، نناصف إخواننا في أموالنا». فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تشركوهم في المؤنة، أو قال: يكفونكم المؤنة وتشركوهم في العجر». يكفونكم المؤنة، يكفونكم المؤنة أن يعملون معكم، وتشركوهم في العجر. قال البخاري رحمه الله: «حدثنا أحمد بن يونس». وأحمد بن يونس هو أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعي، نسب إلى جده، وهو من الحفاظ الأثبات. قال: «حدثنا أبو بكر»، يعني ابن عياش. أبو بكر بن عياش قرشي أصله، لكن في معنى موطنه الكوفة. وأبو بكر بن عياش كان حافظًا من حفاظ الحديث، إلا أن حصلت له أوهام، حتى أن بعض أهل العلم تكلم في حفظه، لكن أخرج له البخاري، وأما مسلم فلم يخرج له في الأصول. وأبو بكر بن عياش هو الذي قال له شعبة في القراءات، وإنما سُمِّيَ شعبة -يقال أن سفيان الثوري هو الذي سماه شعبة- فكان ينتظره مع أخيه، فقال: «ألم يأتِ شعبة؟» وإنما كان يشبهه في الحفظ بشعبة بن الحجاج، فلقبه بشعبة. وأخذ القراءة عن الأعمش وعن غيره، وأقصد عن عاصم، وقراءة عاصم من طريقه معنا من السبع، وأما قراءة الأعمش فهي من الشواذ؛ لأنه قرأ بأحرف لم يُقرأ بها غيرُه. قال: «حدثنا أبو بكر»، يعني ابن عياش، «عن حصين». حصين هو ابن عبد الرحمن الكوفي. قال: «عن عمر بن ميمون». وعمر بن ميمون مخضرم، حضر الجاهلية وحضر الإسلام، وأسلم بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام، وهو الذي روى ما حصل للقردة في الجاهلية. قال: «رأيت قردًا زنى بقردة في الجاهلية، فاجتمع عليه القرود ورجموهما». أن الزنى عند القردة عندهم كبيرة وعظيمة، فلهذا لما زنى قرد بقردة اجتمعوا عليهما القرود ورجموهما بالحجارة حتى قتلوهما. قال عمر بن ميمون رحمه الله: قال عمر رضي الله عنه: «أوصي الخليفة بالمهاجرين الأولين أن يعرف لهم حقهم، وأوصي الخليفة بالأنصار الذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبل أن يهاجر النبي عليه الصلاة والسلام، أن يقبل من محسنهم ويعفو عن مسيئهم». فهذا الحديث، أو هذا الأثر عن عمر رضي الله عنه، وفيه هذا الأثر رواه عمر بن ميمون في مقتل أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه، لما طعنه ذاك الخبيث أبو لؤلؤة المجوسي، وكان هذا في فراش موته، وكان يوصي الناس ويذكرهم رضي الله تعالى عنه. ومن ذلك قال هذه العبارات العظيمة: «أوصي الخليفة بالمهاجرين الأولين»، أي الخليفة من بعده. وقد اختار عمر رضي الله عنه ستة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وتوفي النبي عليه الصلاة والسلام وهو عنهم راضٍ: عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، والزبير، وطلحة، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد... هو عبد الرحمن، أقصد بن عوف. ولم يختر ابن عمه سعيد بن زيد، وإنما اختار هؤلاء الستة، وقال: «وليس لعبد الله بن عمر شيء». أنا حتى يعرفوا أن هذه ليست أمورًا تتتابع عليها الأسرة الواحدة، وإنما هذه الخلافة هي أمر عام، يأخذها من هو أهل لها. فاختار عمر رضي الله عنه ستة من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، توفي عنهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو راضٍ، وهم من العشرة المبشرين بالجنة: عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف. فتنازل بعد ذلك عبد الرحمن بن عوف، وسعد، وطلحة، والزبير، تنازلوا لعلي وعثمان. ثم خير عبد الرحمن بن عوف بين علي وعثمان، فاختار الناس عثمان، اختار المهاجرون والأنصار عثمان رضي الله عنه، وكلهم ممن رضي الله عز وجل عنه وبشرهم نبي صلى الله عليه وسلم بالجنة. ولهذا كان سفيان الثوري يقول: «من قدم عليًا على عثمان في الخلافة فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار»، أن خالف رأيهم وعارض رأيهم، فهم الذين قدموا عثمان رضي الله عنه في الخلافة. كانت خلافته خلافة عظيمة راشدة. وعنه، وعن... وعن... وعن... لهذا كان بعض الأئمة، كالشيخ الإسلام، يقول: «من قدم عليًا على عثمان في الخلافة... أنا أقول أن خلافة علي أولى من خلافة عثمان، قال: فهو أضل من حمار أهله». فقال عمر: «أوصي الخليفة بالمهاجرين الأولين»، عن السابقين الذين سبقوا في الإسلام، لأن الله عز وجل قدمهم، والنبي عليه الصلاة والسلام كان أيضًا يقدمهم. فقال: «أن يعرف لهم حقهم، وأوصي الخليفة بالأنصار الذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبل أن يهاجر النبي عليه الصلاة والسلام». ولا شك أن الخليفة الذي كان من بعده أخذ بهذه الوصية، بل كذلك كل من أخذ هذه الخلافة قام بذلك، حتى معاوية وأبناؤه، كانوا يعرفون للمهاجرين حقهم، وكذلك الأنصار. إذن ما ضاعت الحقوق بعد ذلك. فقال: «أن يقبل من محسنهم ويعفو عن مسيئهم». والمراد أن هذه الأمور تكون في التصرفات التي تكون بين الناس، أما في الحدود فليس مراد عمر رضي الله عنه، ليس المراد أنه يعفو عنهم في مسألة الحدود أو الجنايات، فإن هذا لا يُعفى فيه عن أحد. لهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها». وإنما هذا من باب الأمور التي تعامل فيها بين الناس، من مسألة المدينة وغيرها، التي قد يخطئ فيها الشخص من هؤلاء الفضلاء، فإن الخليفة يعفو عن هذا الذي أساء. وأيضًا كذلك يقبل من محسنهم. فهذا ما يذكر بهذا الأثر، ذكره هنا الإمام البخاري عند هذه الآية، وفيها كما قلنا الثناء على المهاجرين والأنصار. نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.