كتاب التفسير من صحيح البخاري 269

كتاب التفسير من صحيح البخاري 269

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 269، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير ألفاظ سورة الإنسان: قراءات «سلاسل» و«سلاسلا» ومعنى «مستطيرة» و«القمطرير»

يشرح المقطع اختلاف القراء في قراءة كلمة «سلاسل» بالتنوين أو بدونه، ويبين معنى «مستطيرة» بأنها اتساع الشر وشدته. كما يوضح أن «القمطرير» يوم شديد على الكافرين بينما المؤمنون آمنون من الخوف والحزن بفضل تلقي الله لهم بالبشرى والنعيم.

نعيم أهل الجنة: النظر إلى الله والأرائك وسهولة قطف الثمار

يفسر المقطع آيات النعيم في الجنة موضحاً أن أهلها ينعمون بالنظر إلى وجه الله الكريم وسرور القلوب، ويتكئون على أرائك في جو معتدل. كما يبين سهولة تناول الثمار حيث تتدلى الأغصان لهم كيفما كانوا قياماً أو قعوداً أو مضطجعين دون مشقة أو شوك.

تفسير مصطلحي «سلسبيل» و«وشددنا أسرهم» في القرآن الكريم

يفسر المقطع معنى «سلسبيل» بأنها عين في الجنة يجري ماؤها بسرعة وسهولة، ويوضح أن «وشددنا أسرهم» تعني إحكام الله لخلق الإنسان وتقوية بنيته. يستشهد المقطع بأقوال المفسرين كقتادة ومجاهد ومعمر لتأكيد المعاني.

كلمات الإمام البخاري في سورة الإنسان

يذكر المؤلف بعض الكلمات التي أوردها الإمام البخاري في هذه السورة، مشيراً إلى أن الله تعالى هو المترجم لها. يؤكد المقطع مكانة هذه الكلمات في خدمة تفسير آيات السورة الكريمة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى في كلامه على ألفاظ سورة الإنسان: «ويقال: سلاسل وأغلال، ولم يجر بعضهم». وقلنا: «ولم يجر بعضهم»، أي: أو لم يجر بعضهم، أي: التنوين. يريد التنوين أن بعضهم، أي: بعض القراء قرأ «سلاسل» وهم أكثرهم، أن الجمهور قرأها بهذا: «سلاسل». وهذه كما ذكر العلماء أنها قراءة عشرية، وقد قرأ بها أكثر أهل الكوفة. وبعضهم قرأ بالتنوين، قرأ بعضهم بالتنوين كالكسائي ونافع قارئ أهل المدينة، قال: «سلاسلا وأغلالا». لكن أكثر القراء قرأوا بالوقف على «سلاسلا». قال: ثم قال: «مستطيرة»، أي: ممتد البلاء. «مستطيرة»: استطار الصدع في القارورة وشبهها، واستطال. قال: «شره كان مستطيرة»، «مستطيرة»: أي كثير شره كان مستطيرة، استطار حتى قال قتادة: «استطار»، والله شره حتى ملأ السماء والأرض. «شره كان مستطيرة»: أي هذا اليوم العظيم فيه شر على أهل الشر، شره كان مستطيرة. قال: قوله: ﴿ والقمطرير ﴾ الشديد، أيضاً ﴿ يوما قمطرير ﴾ يوم شديد وعبوس، على كما قال جل وعلا: ﴿ على الكافرين غير يسير ﴾. قال: إنه هذا اليوم شديد جداً على الكفار، بل حتى على أهل الإسلام، إلا أن الله عز وجل قال سبحانه وتعالى: ﴿ فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾. «لا خوف عليهم»: أي من تلك الأهوال العظيمة التي تكون في ذلك اليوم الشديد وهو يوم القيامة، «ولا هم يحزنون»: أيضاً لا يصيبهم الحزن، لأنهم، لأن الله عز وجل يتلقاهم بالبشرى والخير، وكذلك بالنعمة وأيضاً النعيم، فلذلك لا يجدون الخوف، وإلا فهي أهوال عظيمة تمر عليهم من الحساب والمرور بالصراط وغيرها من الأهوال العظيمة التي تكون في ذلك اليوم، كذلك في نشر الدواوين ونشر الصحائف ونشر الكتب، فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله. وقال الحسن: «النظرة في الوجه والسرور في القلب»، «نظرة وسروراً»: أي أهل الجنة فيهم نظرة ونعيم. يعني: الله عز وجل يزين أجسادهم، وكذلك يفرح قلوبهم لما يتحصلون عليه من النعيم العظيم. قال: وقوله: ﴿ الأرائك ﴾: السرر. ﴿ متكئين على الأرائك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا ﴾: أي على الأرائك، على السرر، عندهم سرر عظيمة وكبيرة يتكئون عليها، وهذه السرر أيضاً سرر يجد الواحد الراحة فيها، وكذلك أيضاً لا يجدون حراً فيها ولا شدة برد، بل جو معتدل يحب الإنسان أن يكون في ذلك الجو العظيم. وقال ابن عباس: «الأرائك: السرر». وقال البراء: «وذلك قطوفها يقطفون كيف شاءوا وذللت قطوفها»: أي تدللت لهم، فإذا كانوا على الأرائك أو كانوا جلوساً تدلى الغصن حتى يأخذ هذا العبد الذي هو من أهل الجنة يأخذ الفاكهة التي يريدها، فليس هناك من يقرب له، بل تتدل الأغصان، يتدل الغصن ويأتي عنده فيقطف ما شاء من الفاكهة، وهذا من أعظم النعمة التي يجدها الإنسان في تلك الدار الآخرة، أي في جنة الله جل وعلا. فقال الله عز وجل: ﴿ وذللت قطوفها تذليلا ﴾: أي أنهم يأكلون في أي حالة كانت، وهم قيام وهم قعود وهم مضطجعون، في كل حالة يأكلون من الثمار على أي حالة شاءوا، وإنما إذا اشتهوا تدلى ذلك الغصن بالفاكهة فيأخذها هذا العبد ويأكلها. وهذا الذي جاء عن البراء بن عازب رضي الله عنه أنه قال: ﴿ وذللت قطوفها تذليلا ﴾، قال: «إن أهل الجنة يأكلون من ثمار الجنة قياماً وقعوداً ومضطجعين وعلى أي حال شاءوا». وذكر مجاهد بن جبر إمام أهل التفسير في زمن التابعين، قال في تفسير هذه الآية: «إن أهل الجنة إن قاموا ارتفعت هذه الأغصال، وإن قعدوا تذللت عندهم حتى لأجل أن يأخذوا منها ما شاءوا». وذكر قتادة: «أنه لا ترد أيديهم شوك ولا بعد، لا يوجد هناك شوك حتى مثلاً يعترضهم، ولا يوجد أيضاً بعد، بل متى ما شاءوا أخذوا، وذللت قطوفها تذليلا». وقال معمر، أو قال مجاهد: «سلسبيل: حديد الجرية». وقول هنا: «سلسبيل»، أي: حديد الجرية. حديد الجرية، معنى: في الجرية التي تجري فيها، فيها سلسبيل. سلسبيل: معنى أنه بسرعة يجري، يجري هذه العين التي هي من الخمر التي فيها لذة عظيمة، وفيها أيضاً زنجبيل، رائحتها رائحة الزنجبيل. سلسبيل: معنى فيها عيناً تسمى سلسبيلا لشدة جريها. وقال معمر: «أسرهم، أسرهم»: أي شدة الخلق، كل شيء شددته من قتب وغبيط فهو معسور عنا. قال: ﴿ وشددنا أسرهم ﴾، فأسرهم: شدة الخلق، والمراد بأسرهم: أي لم نجعل لهم شيئاً يتساقط منهم. معنى أن جسم الإنسان الله عز وجل خلقه وشد خلقه، وشد خلقه، معنى أنه لم يجعل شيئاً من الإنسان يتساقط من نفسه، بل أحكم ذلك ربنا جل وعلا، فهذه الأسنان مثبتة في الفم، وهذه العيون أيضاً مثبتة في الوجه، وهكذا، فكل شيء في الإنسان خلقه الله عز وجل وأسره، أي: شده وجعله خلقاً شديداً يقوم بنفسه. قال رحمه الله: «أسرهم: شدة خلقهم، ويقال للفرس: شديد الأسر، أي: شديد الخلق، وكل شيء هكذا يقول». فالله عز وجل يمن على الإنسان أنه خلقه: ﴿ إنا خلقناهم وشددنا أسرهم ﴾، ﴿ وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا ﴾. فقوله جل وعلا: «أسرهم»، أي: شد خلقهم وجعلهم على أحسن صورة، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿ يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك ﴾، قال: جعلك في صورة عظيمة ومن أكمل الصور. قال: ﴿ وشددنا أسرهم ﴾، قال قتادة: «خلقهم»، فهذا معنى شدة الأسر. فقال: «أسرهم: شدة الخلق، وكل شيء شددته من قتب وغبيض فهو مأسور». والقتب: هو التنور وغيره، فإذا شددته يسمى معسور، وكذلك الأسير الرجل الذي يؤسر يشد بالحبال فيسمى مأسور. فـ ﴿ وشددنا أسرهم ﴾: أي شددنا خلقهم، جعلناهم في شدة، فليس هناك شيء يفلت من الإنسان ويخرج بلا سبب، بل خلقه متكامل وخلقه كذلك شديد، وهذا المراد من هذه الكلمة. فهذه بعض الكلمات التي ذكرها الإمام البخاري في هذه السورة، والله تعالى المترجمات.