الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 268، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
تذكر السورة بأسماء متعددة ك"الإنسان" و"هل أتى" و"الأمشاج" و"الأبرار"، والثابت عن السلف تسميتها بالإنسان أو "هل أتى". اختلف العلماء في كونها مكية أو مدنية، ورجح الطابع المكي لأسلوبها بينما استدل القائلون بالمدنية بآية إطعام الأسير.
نوقش معنى "الأسير" في آية {ويطعمون الطعام} هل هو أسير حرب أم مملوك، ورجح بعضهم أنه يشير إلى عتق الرقبة كما في سورة البلد. ذُكر سبب نزول آيات فك الرقبة في الصديق أبي بكر، وفسر البخاري "هل أتى على الإنسان" بوصفه خبراً أو إنكاراً.
استدل الله بخلق الإنسان من العدم دليلاً على قدرته على البعث والإعادة، مستشهداً بآيات النشأة الأولى. فُسِّر "الأمشاج" لغةً واصطلاحاً بأنها اختلاط ماء الرجل وماء المرأة مع الدم، وعرضت أقوال المفسرين في مراحل تكوين الجنين من النطفة إلى العلقة والمضغة.
نُقل خلاف في قراءة ﴿وَأَغْلَالًا﴾ فمن قرأ "لم يجرِ" بمعنى لم تُصرف، ومن قرأ "لم يجز" بمعنى لم تُصرف أيضاً، مستدلين بالقراءة ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَال﴾ بغير تنوين.
الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله: سورة ﴿ هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ ﴾، بسم الله الرحمن الرحيم. وهذه سورة ﴿ هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ ﴾، سُميت هكذا ﴿ هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ ﴾، كما جاء في حديث ابن عباس وأبي هريرة في قراءة النبي عليه الصلاة والسلام في فجر الجمعة: كان يقرأ عليه الصلاة والسلام ﴿ تَنزِيلُ السَّجْدَةِ ﴾ و ﴿ هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ ﴾. وتسمى أيضاً سورة الإنسان. وذكر السيوطي رحمه الله في تسميتها أنها تسمى الإنسان، ولم يذكرها القرطبي. وذكر بعضهم، بعض من ألف في أسماء السور، أنها تسمى أيضاً بالأمشاج؛ لأن الأمشاج لم تذكر إلا في هذه السورة. وهذا لم يذكر عن أحد من السلف أنها كانت تسمى بالأمشاج. والأصل أن مثل هذه التسميات إما أن تكون في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، أو يذكرها أحد الصحابة بما يدل على أن هذه التسمية موجودة. وأحياناً تجد بعض العلماء يستنبط، يستنبط من بعض الآيات اسماً لهذه السورة، مثل كما ذكرنا هنا، فبعض من ألف في التسميات، في تسميات السور، قال: إنها تسمى بالأمشاج؛ لأن هذه الكلمة لم تذكر إلا في هذه السورة. ولكن هذا ممكن يقبل، وممكن لا؛ لأجل أنه لم يأت عن السلف في تسمية هذه السورة. وأيضاً ما ذكره الطبرسي في أسماء السور أنها تسمى بسورة الأبرار، هذا أيضاً مما تفرد به. والثابت عن السلف أنها تسمى الإنسان أو ﴿ هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ ﴾. وهذه السورة اختلف العلماء: هل هي مكية أو مدنية؟ فمنهم من قال: إنها مكية كلها، ومنهم من قال: إنها مدنية كلها، ومنهم من قال: إن فيها مكياً وفيها مدنياً. والأصل أن أسلوب هذه السورة من أساليب السور المكية؛ لأنه يتكلم في خلق الإنسان وبدأه وبعثه، وغيرها من هذه المواضيع التي غالباً تتكلم عليها السور المكية. لكن هناك من العلماء من قال: إن بعض السور أسلوبها أسلوب المدني، ومن ذلك مثلاً قول الله جل وعلا: ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ﴾. فقالوا: أغلب الآيات التي في الصدقة نزلت في المدينة. وأيضاً ما جعلهم يقولون: إن هذه الآية مدنية؛ لأن فيها ذكر الأسير: ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ﴾. ففسروا الأسير هنا بأسير الحرب، والحرب لم تكن، أو مسألة الأسير لم تكن إلا في المدينة، لما أسر جماعة من الصحابة في غزوة أحد. لكن المراد - وبعضهم فسر الأسير المراد به العبد - ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ﴾، الأسير بمعنى المملوك إذا فك رقبته. وهذا موجود في السورة المكية: ﴿ فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ ﴾، أو إطعام في يوم ذي مسغبة. ففك الرقبة موجود في السورة المكية، وهو أن يدفع مالاً لأجل عتق المماليك، كما كان يفعل الصديق رضي الله عنه. ولهذا قال بعض السلف: إن هذه الآية نزلت في الصديق، وهي قوله: ﴿ فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ ﴾. فكان الصديق رضي الله عنه يفك الرقاب ويعتق العبيد الذين أسلموا، ومنهم بلال. ولهذا قال له أبوه أبو قحافة: قال لأبي بكر: «لما تعتق قوماً ليس لهم قوة، لما لا تعتق قوماً لهم قوة حتى يكونوا معك؟» فقال الصديق رضي الله عنه لأبيه: «يا أبتِ، إنما أريد ما أريد، أنا إنما أعتقهم لأجل أنهم من أهل الإسلام، ليس لأجل شيء». ولهذا أيضاً قال: إنها نزلت أيضاً قول الله جل وعلا: ﴿ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَىٰ * وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ ﴾. فجاء أيضاً عن ابن عباس وغيره أنها نزلت في الصديق رضي الله عنه. فالصحيح في هذه السورة أن أكثر آياتها على أسلوب السورة المكية. وأما هذه الآية ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ ﴾، فممكن أن يكون الأسير هنا المراد به أسير العبد، قد فسرها جماعة من العلماء على ذلك، فلذا فلا إشكال فيها إذا فسرت على أن المراد عتق العبد، عتق الرقبة. وهذه السورة اتفق القراء بأنها 31 آية. قال رحمه الله: يُقال معناه: أتى على الإنسان، وهل تكون جحداً وتكون خبراً؟ وهذا من الخبر: يقول: كان شيئاً فلم يكن مذكوراً، وذلك من حين خلقه من طين إلى أن ينفخ فيه الروح. فهنا الآن يفسر الإمام البخاري رحمه الله ما معنى ﴿ هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ ﴾، وذكر أن «هل» هنا ممكن تكون خبراً، ممكن تكون إنكاراً. معنى ﴿ هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ ﴾: أي لم يأت على الإنسان، أو أنه من باب الإنكار، أنه أنكر ذلك، أي: هذا الإنسان ينكر أنه خُلق، أو أنه لم يكن شيئاً مذكوراً من قبل. ويقال: إنه خبر، ﴿ هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ ﴾، أي: يخبر الله عز وجل أنه قد جاء عن الإنسان أنه كان في العدم قبل أن يخلقه الله: ﴿ هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا ﴾. فالذي أنشأه بعد أن لم يكن قادر على إعادته، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَىٰ فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ ﴾، أي: أنكم تعلمون من أنشأ قادر على أن يعيد. وكما قال الله عز وجل: ﴿ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ﴾. فالذي أنشأها أول مرة قادر على أن يعيدها، والذي خلقها من العدم قادر على أن يخلقها أو أن ينشئها بعد أن كانت شيئاً. فلهذا يستدل الله عز وجل بخلق الإنسان، أو بالبعث على خلقه، استدل بالبعث على خلقه للناس وأول خلقه. فلهذا قال: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَىٰ فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ ﴾. معنى هذه النشأة الأولى: وهي أن خلق الله عز وجل الإنسان بعد أن لم يكن شيئاً، فهذه تذكر لكم، تذكركم أن الله عز وجل يستطيع وقادر سبحانه وتعالى على أن يعيد هذا الخلق؛ لأن إنشاءه أول مرة، أو من لا شيء، أعظم من إنشائه وقد كان شيئاً. فلهذا قال المؤلف رحمه الله: وذلك حين خلقه من طين إلى أن ينفخ فيه الروح. ثم قال: أمشاج، أي الأخلاط: ماء المرأة وماء الرجل، الدم والعلقة. ويقال: إذا خلط مشج، كقولك: خليط، وممشوج مثل مخلوط. فهذه أيضاً يتكلم على كلمة أمشاج. فالله عز وجل ذكر أنه خلق الإنسان أمشاجاً، أي مخلوطاً من ماء الرجل ومن ماء المرأة. وقال: والدم والعلقة، عن المراد به ما يتكون منه الإنسان: الدم والعلقة. الدم الذي يجري، والعلقة الذي يتجلط ويكون قطعة من دم، وهي العلقة، ثم تصير المضغة، وهي القطعة من اللحم. وقال: قيل، بعض ذكر عن عكرمة أنه فسر الأمشاج بأنه: من الرجل الجلد والعظم، ومن المرأة الشعر والدم. وجاء عن الحسن أنه قال: من نطفة مشجت بدم، وهو دم الحيض، يريد أنه حصل ذلك الاختلاط في رحم المرأة؛ فإنها تختلط هذه الأشياء من الدم، وكذلك الماء: ماء الرجل وماء المرأة، حتى يتكون هذا المخلوق. فالأمشاج هو مختلط، كما ذكر الإمام البخاري رحمه الله: مختلط من الماء والدم، ثم كان علقة، ثم كان مضغة. وقول هنا: سلاسل وأغلال. هنا قال الإمام البخاري: ويقال سلاسل وأغلال، ولم يجرِ بعضهم معناه، أنه لم يجرِ أيضاً جعله منصوباً. قال: ولم يجرِ بعضهم معناه، لم يجرِ الكلمة. وقال بعضهم: لم يجز، كما ذكر هنا عن القاضي عياض: لم يجز، أي لم يصرفها. وقيل: لم يجرِ، لم يجرِ معناه لم يصرف هذه الكلمة؛ لأنها تقرأ هكذا: ﴿ وَأَغْلَالًا ﴾، ﴿ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَال