كتاب التفسير من صحيح البخاري 303

كتاب التفسير من صحيح البخاري 303

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 303، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أسماء سورة البينة وخلاف العلماء في نزولها وتفسير مطلعها

تتعدد أسماء سورة البينة بين (لم يكن) و(القيمة) و(الانفكاك)، ويختلف العلماء في كونها مكية أو مدنية مع ترجيح القول بمدنيتها. يشرح المقطع معنى (لم يكن الذين كفروا منفكين) ويبين اختلاف المفسرين في تفسير مفردتي (منفكين) و(القيمة).

الفرق بين مقاتل بن حيان ومقاتل بن سليمان ومنهج أهل السنة في الصفات

يميز المقطع بين مقاتل بن حيان السني ومقاتل بن سليمان المبتدع من المشبهة، وينقل ذم ابن المبارك لرأييهما. يؤكد منهج أهل السنة في إثبات الصفات بلا تشبيه ولا تعطيل، ويسرد أسانيد قراءة النبي ﷺ سورة «لم يكن الذين كفروا» على أبي بن كعب مع اختلاف الرواة في تصريح قتادة باسم السورة.

فضل أبي بن كعب والفرق بين المشركين وأهل الكتاب في الكفر والأحكام

يتناول المقطع حديث قراءة النبي صلى الله عليه وسلم سورة «لم يكن الذين كفروا» على أبي بن كعب مبيناً فضله وتسميته سيد القراء. يوضح أن المشركين وأهل الكتاب كلهم كفار لكن أهل الكتاب أخف كفراً ولهم أحكام مخالفة في الذبائح والنكاح، بينما ذبيحة المرتد حرام عند جمهور العلماء.

جزاء أهل الإيمان والثابتين على العمل الصالح

يذكر المقطع جزاء المؤمنين الذين آمنوا بالله ورسوله وثبتوا وعملوا الصالحات، وهو دخول الجنة خالدين فيها. كما يشير إلى رضا الله عنهم ورضاهم عنه، وذلك جزاء من خشي ربه واتقاه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: سورة «لم يكن». بسم الله الرحمن الرحيم. أنا سماها البخاري هنا «لم يكن»؛ هكذا سماها جماعة، منها السمع، وأكثر المفسرين على تسميتها «البينة»، ومنهم من سماها «القيمة»، ومنهم من سماها «لم يكن الذين كفروا» على ما جاء في الحديث. وأيضًا سُميت بـ «الانفكاك»، سورة الانفكاك، بقوله «منفكين». وذكرها الإمام السيوطي في «الإتقان» من السور التي اختلف في اسمها. وأيضًا اختلف كذلك في نزولها: هل هي مكية أم مدنية؟ في «الإتقان» وغيره أنه نسب قول الجمهور إلى أنها مكية، والقرطبي نسب إلى قوله مدنية، مدنية هو قول الجمهور. ورجح كثير من المحققين المفسرين كالحافظ ابن كثير والقرطبي وغيرهم أنها مدنية؛ لأن ظاهر آياتها مدنية، وغالبًا أن الله عز وجل لم يذم أهل الكتاب إلا في السور المدنية. السور المدنية ذم الله عز وجل أهل الكتاب، وأما السور المكية فغالبًا ما يذكرهم فقط. وكان النبي عليه الصلاة والسلام في بداية أمره يحب موافقة أهل الكتاب، ثم أمر بمخالفتهم. أما كان في مكة فكان يخالف المشركين ويوافق أهل الكتاب، لهذا حتى كان في هيئته صلى الله عليه وسلم، بل حتى في مشطته. فلما كان في مكة كان يسدل مثل ما يفعل أهل الكتاب، ولما تحول المدينة فرق رأسه كفعل أهل مكة، كفعل قريش، مخالفة لأهل الكتاب؛ لأن اليهود كان يسدلون، يسدلون شعورهم، ما يفرقون، ففرق النبي عليه الصلاة والسلام مخالفة لأهل الكتاب. فهذا الظاهر يرجح أن السورة مدنية. قال «منفكين»: أي زائلين، زائلين. وقال أبو عبيدة: «لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة». «منفكين»، «منفكين»: قال زائلين، أي أنهم لا ينفكون عن الكفر، أو أنهم لازموا الكفر ولم يزولوا عنه حتى جاءتهم البينة. قد جاءتهم البينة. قيل: إنهم لما جاءتهم البينة عرفوا. وقيل: إنه حتى لما جاءتهم البينة لم يتركوا الكفر ولم يتركوا الشرك. «لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة: رسول من الله». هذه البينة. فهذه الآية يقول: نقل بعض العلماء عن الوحدي في «الوسيط» أنها من أصعب الآيات تفسيرًا، معنى تفسيرها من أصعب الآيات. وذكر كثير منهم أن المراد من هذه الآية كما ذكر الحافظ ابن كثير وغيره: أنهم أن الكفار والمشركين لا ينفكون عن كفرهم وعن شركهم، وعن شركهم حتى عندما تأتيهم البينة. وعندما جاءهم الرسول وبَيَّن لهم فلم ينفكوا عن ذلك الكفر والشرك، بل بقوا عليه، بقوا على ذلك الكفر والشرك. ومنهم من قال غير ذلك، لكن هذا ظاهر الآية كما قال بعض المفسرين كصاحب كتاب «التحرير والتنوير»؛ فجمع بين أقوال أهل العلم، وذكر أن أكثر المفسرين على هذا التفسير. فقال: «منفكين حتى تأتيهم البينة»: أي لا ينفكون، بل «منفكين»: أي مقيمين عليه، ولا زالوا على ذلك، أي على ذلك الكفر والشرك. قال «قيمة»: أي القائمة. «ودين القيمة»: أضاف الدين إلى المؤنث. له هذا كما قال الحافظ، هو قول أبي عبيدة. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال: «القيمة»: الحساب المبين. هناك في التفسير يذكر عن اثنين ممن يسمى بمقاتل: هذا مقاتل بن حيان، ومقاتل بن سليمان. هذا مقاتل بن حيان سني، وأما مقاتل بن سليمان فهو من أصحاب النظام، من أصحاب هشام بن الحكم، ممن يسمى بالمشبهة الذين يمثلون الله عز وجل بخلقه، وهو مبتدع. قال ابن المبارك: جاءنا من المشرق رأيين خبيثين: رأي جهم، ورأي سليمان - مقاتل بن سليمان. رأي جهم: أي بالنفي، نفي الصفات، تعطيلها. ومقاتل بن سليمان يشبه الله عز وجل بخلقه. وكلاهما على باطل. وأهل السنة يصفون الله عز وجل بما وصف به نفسه وبما يليق بجلاله وعظمته سبحانه وتعالى، لا يشبهون الله بخلقه ولا بصفات المخلوقين، وإن كان الاسم نفسه، لكن صفة الله عز وجل تليق بجلاله وعظمته سبحانه وتعالى، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. قال: باب. حدثنا محمد بن بشار، وهو الذي قال له بندار. بندار هو الذي جمع الحفظ، أن الحفظ الشديد المجمع يقال له بندار. قيل: لأنه جمع حديث الناس. وسبحان الله! معنى: بن بشار لم يخرج من بلده، لم يخرج من البصرة طاعة لأمه، لكن جمع الله عز وجل له ما لم يجمعه لغيره، فكان من أكثر الناس حديثًا، وأيضًا من أكثر الناس تلاميذ. كان الناس يأتونه كثيرًا، حتى أنه كما يقال أنه سمع منه خمس طبقات، بل كان من هو أكبر منه كالإمام أحمد وغيره قد سمع منه واحتاجوا إلى حديث. وكان أيضًا صاحبه، وأيضًا معه محمد بن المثنى، أبو موسى العنزي، كانوا في البصرة معه، كانوا كفرسي رهان، وكان بينهما شيء، إلا أنهما كانا مجتهدين في بث الحديث ونشره. قال: حدثنا محمد بن بشار. ومات ابن بشار قبل ابن المثنى بأربعة أشهر. فلما مات ابن بشار جاء رجل يبشر محمد بن المثنى، جاء يبشره بموت ابن بشار، قال: «تبشرني بذلك؟ والله ما حدثت بعده أبدًا». فلم يحدث أربعة أشهر حتى مات، رحمة الله عليهما. قال: حدثنا غندر، وهو محمد بن جعفر، أبو عبد الله البغدادي، رحمة الله عليه. كان ربيب شعبة، شعبة زوج أمه. قال: حدثنا شعبة، هو بالحجاج، أبو بسطام العتكي، الورد، أمير المؤمنين في الحديث. قال: سمعت قتادة بن دعامة بن الخطاب السدوسي، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام لأبي: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك: لم يكن الذين كفروا». قال: «وسماني؟» قال: «نعم». فبكى، أي أبي رضي الله عنه. قال: حدثنا حسان بن حسان، قال: حدثنا همام. وحسان بن حسان بصري فقيه. قال: حدثنا همام، وهو ابن يحيى العوذي البصري، قال: عن قتادة، عن أنس رضي الله تعالى عنه، قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام لأبي: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن». قال أبي: «آه، الله سماني لك؟» قال: «الله سماني لي». فجعل أبي يبكي. قال قتادة: فأُنبئت أنه قرأ عليه «لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب». وفي رواية شعبة التصريح بأنه قرأ عليه «لم يكن الذين كفروا»، أي سورة البينة. وظاهر حديث همام أن قتادة لم يحفظ السورة، لم يحفظ السورة، فلذلك قال: قال قتادة: «فأُنبئت أنه قرأ عليه: لم يكن الذين كفروا». وجاء في رواية سعيد أنه لم يذكر هذه السورة التي قرأها، لكن يحمل هذا المطلق على المقيد، وأن هذه السورة التي قرأها النبي صلى الله عليه وسلم على أبي هي هذه: «لم يكن الذين كفروا». وهذا الحديث فيه قراءة الفاضل على المفضول، هي قراءة الفاضل على المفضول. وفيها أيضًا كذلك فضل أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه من عدة وجوه: أولاً: أن الله عز وجل أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقرأ على أبيه هذه السورة. والأمر الثاني: أن الله عز وجل سما أبيه لرسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم. والأمر الثالث: قراءة النبي عليه الصلاة والسلام على أبيه. وغيرها من الأوجه العظيمة التي تبين فضل أبيه. ولهذا سُمّي سيد القراء، سُمّي أبي رضي الله تعالى عنه سيد القراء؛ لأن هذا الفضل الذي رفعه حتى أن الله عز وجل أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقرأ عليه هذا القرآن. وأما أيضًا في هذا الحديث فيه أن هذه الآية أو هذه السورة فيها بيان لأهل الإيمان، وأنهم لا بد أن يفارقوا دين المشركين، أن يفارقوا دين المشركين. فلذلك في هذه السورة بدأ ربنا جل وعلا ببيان كفر المشركين وأهل الكتاب. وهل هناك فرق بين المشركين وأهل الكتاب؟ ليس هناك فرق من ناحية الكفر، من ناحية الكفر هم كلهم كفار. لكن هؤلاء أخف كفرًا من المشركين، أهل الكتاب أخف كفرًا من المشركين في العموم. وهل هم مشركون؟ أي أهل الكتاب: لا شك أنهم مشركون، لكن عاملهم معاملة أخرى عن المشركين. وإلا كان عبد الله بن عمر يقول: «وأي شرك؟ وأي شرك؟» أن يقول العبد أو أن يقول الشخص أو الإنسان: «إن الله أن فلان ابن الله». أنا أقول: كيف تقولون أن اليهود والنصارى ليسوا بمشركين، وهم يقولون: إن النصارى تقول: المسيح بن الله، واليهود تقول: عزير بن الله؟ فهذا شرك. لكن عاملهم الله عز وجل معاملة أخرى، قد يكون لأجل أنهم يعبدون الله، يتعبدون الله بالعبادات الأخرى، وإن كانوا يشركون. فلذلك عاملهم الله، أو أمر بمعاملتهم على خلاف معاملة غيرهم. ولأن أيضًا عندهم كتاب، فلذلك حل الله عز وجل لنا ذبائحهم وأطعمتهم، وكذلك أحل الله لنا أن ننكح نساءهم. أحل الله عز وجل أيضًا نكاح نساء أهل الكتاب، ولم يحل أن ننكح نساء المشركين، ولا أيضًا أكل ذبائحهم. فلذلك ذبيحة الكتاب حلال، أكثر من بل معنى: ذبيحة الكتاب حلال، وذبيحة المرتد ليست حلال عند أكثر أهل العلم، البعض يذكر إجماعًا. إذا كان ارتد العبد وهو قد كان مسلمًا ثم ارتد، فذبيحته تعتبر حرامًا، بخلاف الكتابي فإن ذبيحته تعتبر حلالًا. فلذلك يفتي العلماء الذين يقولون بأن تارك الصلاة كافر، فإنه يفتون أيضًا بعدم أكل ذبيحة تارك الصلاة، أن ذبيحته لا تؤكل لأنه كافر مشرك. فلذلك فهناك فرق من ناحية الأحكام، وإلا من ناحية أنهم كفار فكلهم كفار. وكان أهل الشرك أو هؤلاء من أهل الكتاب. ولهذا هنا ضمهم الله عز وجل في هذه السورة في ثلاث مواضع، ذكر أهل الشرك وأهل الكتاب، وبين أيضًا أنهم شر البرية: «إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها، أولئك هم شر البرية». ثم ذكر جزاء أهل الإيمان الذين آمنوا بالله وبرسوله، وأيضًا ثبتوا على ذلك وعملوا الصالحات، فهؤلاء أهل الإيمان، فجزاؤهم الجنة: «جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا». بل وأيضًا الله عز وجل رضي عنهم: «رضي الله عنهم ورضوا عنه، ذلك لمن خشي ربه»، خاف الله عز وجل واتقاه. فهذا ما يذكر في هذا الباب، والله تعالى أعلم وشكرا.