كتاب التفسير من صحيح البخاري 304

كتاب التفسير من صحيح البخاري 304

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 304، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير سورة الزلزلة ومعاني الوحي

يستعرض المقطع تفسير الإمام البخاري لسورة الزلزلة موضحاً أن الزلزلة هي حركة الأرض الشديدة يوم القيامة التي تخرج كنوزها. كما يبين معاني كلمة 'أوحى' في اللغة والشرع والفرق بين الوحي النبوي والإلهام العام.

تصنيف الخيل في الحديث النبوي وأجر المرابط

يسرد المقطع حديثاً نبوياً يقسم الخيل إلى ثلاثة أنواع: خيل أجر، وخيل ستر، وخيل وزر. ويؤكد أن الخيل المربوطة في سبيل الله يكتب لصاحبها الأجر في حركاتها وأعلافها وروثها.

أحكام استعمال الخيل والحمر في الطاعة والمعصية

يذكر المقطع ثلاثة أصناف في ربط الخيل مبيناً حكم كل منها من أجر أو وزر حسب النية والاستعمال. ثم يبين حكم الحمر بأن أجرها أو وزرها تابع لنية المستعمل وعمله مستدلاً بالآية الكريمة.

شمولية الكتاب الإلهي في إحصاء الأعمال

يشير المقطع إلى أن الكتاب الإلهي لا يغفل صغيرة ولا كبيرة بل يحصيها جميعاً حتى يعترف بذلك أهل الإجرام. ويؤكد المتحدث أن هذا المعنى ثابت في الوحي مع التوكل على الله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: سورة «إذا زلزلت الأرض زلزلة». بسم الله الرحمن الرحيم. قال: باب قوله: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره﴾. يقال: أوحى لها، وأوحى إليها، ووحى لها، ووحى إليها، واحد. وهذه السورة -أي تفسير بعض هذه السورة- وهي سورة سمية المصاحف: الزلزلة. ويقال: إذا زلزلت الأرض زلزلة. ومعنى زلزلت: أي تحركت حركة شديدة. وهي على قول أكثر المفسرين أنها يوم القيامة، وبعضهم يقول: إن هذه الزلزلة تكون قرب القيامة عندما تخرج الأرض فلذات أكبادها، أصناف الذهب والفضة، كما جاء في صحيح مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الأرض تخرج فلذات أكبادها من الذهب والفضة، فيجتمع إليها الناس، يقولون: تخرج هذه كنوزها، هذه الأرض تخرج من الذهب والفضة أصوانا، وأصوانة مثل السارية ذهبا وفضة، فيجتمع إليها الناس، فيقول أحدهم: في هذا قطعة رحمي، ويقول الآخر: في هذا قتلت، ويقول الآخر: في هذا سرقت. قال: ثم يتركونه، فلا يأخذ أحد منهم شيئا، فيتركون هذا الذهب والفضة بعد أن يتندموا أن هذا الذي أوقعهم فيما أوقعهم فيه. وهذا يحصل لهم حين يرون هذه الزلزلة الشديدة فيخافون، فلذلك لا يعبأون بالمال ولا يبالون به، فيتركونه ولا يأخذون منه شيئا. قال: باب قوله: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾. أي ما جاء في هذه الآية. ثم قال: يقال: أوحى لها، وأوحى إليها، ووحى لها، ووحى إليها، واحد. والوحي هو الإعلام بصوت خفي، الإعلام بصوت خفي، سُمّي وحيا. والمراد به شرعا: إرسال الله عز وجل الملك للنبي من أنبياء الله جل وعلا ليلقي إليه شيئا مما يكون من كلام الله جل وعلا ومن أوامره ونواهيه. ويستعمل أيضا كلمة الوحي في القرآن بمعنى الإلهام، كما هو في قول الله جل وعلا: ﴿وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه﴾، أي ألهمناها ذلك، وليس معنى ذلك أنه أرسل إليها ملكا. قال: وحدثنا إسماعيل بن عبد الله وهو الأويسي، قال: حدثنا مالك. ومالك يعتبر خال إسماعيل بن عبد الله. قال: عن زيد بن أسلم. ومالك له ابن لكنه لم يطلب العلم، وهذا موجود في المحدثين، وموجود في العلم: تجد بعضهم أبناؤهم لم يطلبوا العلم، ومنهم من أبنائهم من طلب العلم، بل بعضهم كلهم تجد أبناءهم كلهم يطلبون العلم، ومنهم جماعات تجدهم لا يطلب العلم أحد منهم، وهكذا، فهذا هداية من الله وهو أمر الله جل وعلا. فهذا مالك عنده أبناء أخته يطلبون العلم، وأما ابنه فلم يوفق للعلم. قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الله، قال: حدثنا مالك، عن زيد بن أسلم، وأسلم هو مولى عمر، وزيد ابنه فقيه من فقهاء أهل المدينة، عن أبي صالح السمان، هو ذكوان السمان، يقال: سمان، ويقال: زيات، لبيعه السمن أو الزيت. قال: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «الخيل لثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، ولرجل وزر». فأما الذي له أجر: فرجل ربطها في سبيل الله، فأطال لها في مرج أو روضة، المرج: المكان الذي يكون فيه عشب. فما أصابت في طيلها ذلك في المرج والروضة كان له حسنات. ولو أنها قطعت طيلها فاستنت شرفا أو شرفين كانت آثارها وأرواثها حسنات له، حتى مشيها وطلوعها الشرف، وكان المرتفع كل ذلك حسنات له لأنه ربطها في سبيل الله، أي أوقفها في سبيل الله جل وعلا، فيتحصل على الأجر في كل ذلك. قال: «ولو أنها مرت بنهر فشربت منه ولم يرد أن يسقيها كان ذلك حسنات له». فهي لذلك الرجل أجر، كله أجر، حتى لو شربت، ولو مشت، ولو طلعت شرفا، ولو أكلت من ذلك المرج أو من ذلك البستان، فكل ذلك يعود أجرا له، حتى ولو لم يكن في نيته ذلك، حتى لو لم ينو أنها تأكل من هذا المرج أو أنها تشرب من هذا الماء، فيتحصل على أجر شربها، وأيضا آثارها، حتى أرواثها حسنات له، أرواث هذه الخيل حسنات. قال عليه الصلاة والسلام هذا. قال: «ورجل ربطها تغنيا وتعففا، ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها، فهي له ستر». الرجل الأول أوقفها في سبيل الله، فكل ما تفعل هذه الخيل يكون له أجر، يعود له أجر. والرجل الآخر لم يربطها وقفا، لم يوقفها في سبيل الله، لكنه يستعملها في الخير، يستعملها في الخير، ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها، فهي له ستر، قد يكون ستر من النار، وقد أيضا يكون له ستر، أي في أنه لا إثم عليه، لكن الظاهر أنه ستر من النار. قال: «ورجل ربطها فخرا ورياء ونواء، فهي على ذلك وزر». يفاخر الناس بهذه الخيل، ويبطر بها، ويستعملها في الحرام، فهذه عليه وزر، مع أن الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، لكن من استعملها لمثل هذه الأمور فإنها عليه وزر. قال: وسُئل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الخمر، قال: «ما أنزل علي فيها إلا هذه الآية الفاذة الجامعة». أو عن الحمر، أقصد: سُئل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الحمر، معنى: هل هي مثل الخيل في هذا الأجر؟ قال: «ما أنزل علي فيها إلا هذه الآية الفاذة الجامعة: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾». فإذا استعملها في خير فإنها تكتب له أجر، وإن استعملها في شر تكتب عليه وزر. هذا معنى ما أنزل علي فيها إلا هذه الآية الفاذة الجامعة، سواء كان في الحمر أو في غيره. فمن استعملها في الخير فهي له أجر، لو أن إنسانا مثلا استعمل هذه الحمر أو هذا الحمار، استعمله في إتيان الماء أو مثلا جلب طعام الأغنام أو غيره من هذه الأشياء التي هي مباحة وقد يكون فيها أجر، فهذا يتحصل على هذا الأجر. وأما إن كان جعلها في أشياء محرمة فإنه فعليه وزر. ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾. ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾. فقال ابن عباس: حتى أنه لا يجد الضحكة عندما يضحكها الإنسان ويريد بها شيئا، فإن كانت يريد بها الابتسامة وأيضا الخير فيتحصل على أجرها، وإن كان يريد بها استهزاء وسخرية وغير ذلك فيتحصل على وزرها. فقال: حتى أن أهل الإجرام قالوا: ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، كل شيء مكتوب. فهذا ما يذكر في هذا الحديث أو هذه الآية، ونكتفي بهذا، وهذا والله تعالى أعلم.