الدرس في كتاب العتق 1، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يستهل الشيخ شرح كتاب العتق ببيان معناه لغةً وشرعاً، مستدلاً على مشروعيته بالقرآن والسنة والإجماع، ومبيناً فضله العظيم في تكفير السيئات والعتق من النار. ثم يذكر أركان العتق الثلاثة (المعتق، المعتق، الصيغة) وشروط صحته كبلوغ المعتق وعقله واختياره وملكه للرقبة.
يبيّن المقطع شروط صحة العتق كخلو العبد من الحقوق المتعلقة (رهن، دين، جناية) ووجوب الصيغة الصريحة، ويجوز الاشتراك في ملك العبد وإعتاق النصيب مع وجوب استكمال العتق على الميسور. كما يوضح أحكام الولاء للمعتق، وكفارة ظلم المملوك بالإعتاق، وحكم المكاتبة وآداب معاملة المماليك مستدلاً بأحاديث نبوية ووقائع الصحابة.
يوضح المقطع حكم المكاتب في أداء قيمته دون مشقة، ويبين جواز بيع العبد المدبر كما فعل النبي ﷺ مع غلام الأنصاري لسداد دينه، ويستعرض أحكام وطء المملوكة وزوال حق السيد بتزويجها. ويختتم بشرح كتاب العتق من عمدة الأحكام.
يحتوي المقطع على دعاء «سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك»، ويذكر اسم المترجمة نانسي قنقر بشكل متكرر. يشكل هذا الدعاء خاتمة روحية للدرس.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمةً للعالمين بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا. أما بعد، مواصلةً أيها الأحبة في الله مع أحاديث عمدة الأحكام للإمام الحافظ أبي محمد عبد الغني ابن عبد الواحد ابن علي ابن سرور المقدسي رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. وها نحن ذا قد أتينا على مسك الختام وخاتمة هذه المجالس الفقهية المتعلقة بهذا الكتاب النافع. وقد ختم المصنف رحمه الله تعالى عمدة الأحكام بكتاب العتق، والعلماء صنيع كثير منهم أن يختموا بكتاب العتق، وهذا من باب التفاؤل بأن يكون هذا العمل سببًا للعتق من النار والدخول في رحمة العزيز الغفار سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: «كتاب العتق». وقولهم: العتق، بكسر العين وسكون القاف، هذا معناه في اللغة: الحرية والخلوص، أن يتحرر الشخص ويتخلص من عبودية البشر، وهو مشتق من قولهم: عتق الفرس إذا سبق، وهكذا عتق الطير إذا طار واستقل وخلص. وأما في الشرع فالمقصود بالعتق: تحرير الرقبة وتخليصها من الرق وإزالة الملك عنها، وبذلك تثبت لها الحرية. وقد دل على مشروعية العتق آيات القرآن وأحاديث السنة، وهكذا أيضًا إجماع المسلمين على مشروعيته. فمن القرآن: قوله عز وجل في سورة البلد: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ﴾، أي: تخليصها من الرق وإثبات الحرية لها. وهكذا قوله عز وجل في كفارة الظهار: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾. وأما من السنة فأحاديث كثيرة، منها أحاديث الباب، وهكذا قوله عليه الصلاة والسلام: «مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهِ مِنَ النَّارِ». من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها، أي: من هذه الرقبة عضوًا من أعضائه من النار. قال مؤكدًا لذلك: «حَتَّى فَرْجَهَا بِفَرْجِهِ، حَتَّى فَرْجَهَا بِفَرْجِهِ».كذا جاء في حديث أبي هريرة المتفق عليه. وقد أجمعت الأمة على صحة العتق ومشروعيته، وأنه يعتبر من الأعمال العظيمة التي يتقرب بها المسلم إلى ربه عز وجل. وقد جاء في فضل العتق في كتاب الله عز وجل وسنة النبي صلى الله عليه وسلم شيء كثير في ذلك، وأنه يعتبر من أفضل العبادات وأجل الطاعات التي يتقرب بها العبد إلى ربه عز وجل، وسيأتي معنا في أحاديث الباب شيء مما يدل على ذلك. وقد ذكر العلماء أن عتق الرجل أفضل من عتق المرأة، وأن الرقبة الأغلى ثمنًا والأنفس عند أهلها أفضل من غيرها. شرع العتق في الإسلام لغايات نبيلة وحكم بليغة، فمن ذلك - يا إخوان - أن فيه تخليصًا للآدمي من ضرر الرق. جاء الإسلام يا إخوان وقد بلغ الرق مبلغًا كبيرًا جدًا، منتشرًا في أوساط الناس، حتى أنه تقام أسواق خاصة بالرقيق يباع فيها الرجال وتباع فيها النساء. فجاء الإسلام ورغب في عتق العبيد وتحريرهم، وأن في ذلك أجورًا عظيمة عند الله عز وجل. جاء الإسلام بمجموعة من الكفارات وجعل فيها تحرير رقبة. انظروا إلى ما كان قبل ما يزيد على ألف وأربعمائة سنة بُعث فيها النبي صلى الله عليه وسلم، والرق يقل ويتناقص حتى بلغ الآن أنه لا يكاد يوجد على وجه الأرض مملوك ورقيق. وربنا عز وجل لما ذكر في كفارة الظهار: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾، قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾. وهكذا أيضًا ينبغي أن نعلم أن العتق له ثلاثة أركان: الركن الأول: معتق، والركن الثاني: معتق، والركن الثالث: الصيغة، أي الألفاظ التي يقع بها العتق. فأما المعتق فالمراد به: من المعتق يا عبد العزيز؟ المعتق يا أبا سعيد؟ المعتق عندنا معتق، وعندنا معتق، فمن هو المعتق؟ أحسن: الذي يقوم بالعتق، السيد الذي يقوم بالعتق. طيب، والمعتق يا أبا صالح؟ المعتق أحسن: العبد المملوك الذي يعتق ويخلص من الرق. وعندنا صيغة، وهذه الصيغة هي اللفظ الذي يقع به العتق، وهو ما كان بمعنى العتق أو كان بمعنى التحرير، وهكذا ما تصرف منهما. فإذا قال السيد لعبده: «أعتقتك، أعتقتك»، فماذا يعتبر؟ حرًا. أو قال له: «أنت حر»، أو «حررتك»، فيعتبر بذلك حرًا، يعتبر بذلك حرًا. وإذا أتى بعبارة ليست صريحة في العتق، كأن يقول: «خلّيت سبيلك»، فإن أراد بها العتق وقع العتق، وإذا أراد بها غير ذلك، يعني: خففت عليك ورحمتك، فلا يقع العتق بذلك، لا يقع العتق بذلك. وقد ذكر العلماء أيضًا فيما يتعلق بالعتق أن العتق يصح إذا توفرت فيه هذه الشروط، منها: قالوا أن يكون المعتق جائز التصرف. ومن هو يا إخوان جائز التصرف؟ إذا قلنا جائز التصرف يا أبا فواز، من هو جائز التصرف؟ الذي إذا تصرف تصرفًا كان تصرفه صحيحًا. من هو جائز التصرف؟ البالغ العاقل، قد جاوز التمييز، بالغ عاقل. ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ﴾. إذا ماذا لا بد أن يكون؟ أحسن: رشيدًا، أن يكون رشيدًا، ليس بسفيه. السفيه يا إخوان الذي لا يحسن التصرف في المال، هذا يحجر عليه، يمنع من التصرف في المال. أيضًا هناك شرط آخر: أن يكون مختارًا غير مكره. فإذا أكره، أتى العبد إلى سيده وقام بتقييد يد السيد، وآتى له بسكين ووضعها على عنقه وقال: «يا الله تعتقني الآن وإلا هذه آخر ساعة تعيشها من الدنيا». قال: «يا ولد الحلال أنا ما قصرت معك ولا أكلفك فوق طاقتي». قال: «ما في قل، أنت حر وإلا قتلتك». قال: «أنت حر». فلا يقع العتق بذلك لأن هذا إكراه، و﴿رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ﴾. وكذلك أيضًا من هذه الشروط لصحة العتق: قالوا أن يكون المعتق يملك هذا الرقيق، يملك هذا المملوك. وأما إذا لم يكن مالكًا له ولا مأذونًا له في التصرف فيه، وجد عبدًا قال: «يا غلام لمن أنت؟ من سيدك؟» قال: «سيدي جارك فلان، تعرفه». قال: «نعم أعرفه». قال: «خلاص، دمامة أنت ملك لجاري فلان، أنت حر». لا، لا يقع العتق إلا إذا كان يملك، أو أن يكون وكيلًا للمالك جائز التصرف. وهكذا أيضًا من هذه الشروط: قالوا أن لا يتعلق بالعتق حق لازم يمنع عتقه، كأن يكون هذا العبد رهينًا عند شخص، أو مطلوبًا في دين، أو جناية جناها، فلا يصح عتقه حتى يؤدى الدين، وهكذا تدفع - ماذا تدفع؟ - دية الجناية، وهكذا حتى يفك الرهن الذي رهن به هذا العبد المملوك. ثم كذلك أيضًا لا بد أن يكون العتق بلفظ وصيغة صريحة، أو صيغة تدل على معنى العتق، تدل على معنى العتق. أما لو كان مجرد نية في نيته أن فلانًا أصبح حرًا، ما يكفي، لا بد أن يقول قولًا يبين فيه أنه أعتق هذا الشخص، أعتق هذا الشخص. ويجوز يا إخوان الاشتراك في العبد، وهكذا الاشتراك في الأمة في الملك. مثلًا يأتي إلى سوق العبيد: «بكم هذا؟» قال: «هذا بخمسة مليون ريال يمني». كانوا يا إخوان إلى سنوات قريبة، من وقع في كفارة فيها عتق رقبة، هناك مؤسسات مثلًا في المملكة وغيرها تدفع لها أموال وترسل إلى بعض البلاد الإفريقية مثل موريتانيا، فيشترى عبيد ويحررون. هذا إلى سنوات ليست عنا ببعيدة. فيجوز أن يشترك اثنان في شراء عبد أو امتلاك أمة، فيجوز ذلك، فيجوز ذلك. وهكذا أيضًا يجوز لمن كان يملكه أكثر من شخص أن يقوم أحد الأشخاص بالتنازل عن حقه فيعتق من هذا العبد بقدر نصيبه. اثنان اشتركا في امتلاك عبد، فأحدهما يقول: «نصيبي فيه ماذا؟ نصيبي فيه حر لوجه الله عز وجل». فيصبح نصف حر. لكن انتبهوا: الذي أعتق نصفه، قالوا: إذا كان ميسور الحال يلزم بأن يشتري من صاحبه النصف الآخر ثم يعتقه كاملًا، وإذا كان معسرًا وليس ميسور الحال فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وإلا ما آتاها، فيبقى نصف حر والنصف الآخر يكون عبدًا، وله أن يكاتب صاحبه، يقول: «باقي نصف لك يا فلان، ما رأيك تعطيني فرصة أذهب أشتغل وأجمع لك مالًا؟» قال: «كم ستجمع؟» قال: «الذي تريد». قال: «أريد عشر مليون ريال يمني». يذهب يشتغل يعمل، فماذا؟ فإذا جمع هذا المبلغ كاملًا ودفعه لصاحبه أصبح حرًا، أصبح حرًا، وإلا فإنه لا يزال عبدًا. قال ربنا عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾. الخير يعني: أن يكون عندهم صلاح، عندهم طاعة، عندهم أمانة. كاتبه، ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾. لما جاء سلمان الخير، سلمان الفارسي، إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكان عبدًا، فقال له: «كاتب يا سلمان»، أي: اجعل كتابًا بينك وبين أسيادك. «كاتب يا سلمان». ثم قال للصحابة: «وَأَعِينُوا أَخَاكُمْ، وَأَعِينُوا أَخَاكُمْ». أيضًا من هذه الأحكام المتعلقة بالعتق: أن الشخص إذا أعتق عبدًا فإنه يكون له حق الولاء، والولاء لمن أعتق، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، وكما قال الرحبي: «أَسْبَابُ مِيرَاثِ الْوَرَثَةِ ثَلَاثَةٌ كُلٌّ يُفِيدُ رَبَّهُ الْوِرَاثَةَ: نِكَاحٌ وَوَلَاءٌ وَنَسَبٌ، مَا بَعْدَهُنَّ فِي الْمَوَارِيثِ سَبَبٌ: نِكَاحٌ وَوَلَاءٌ». إذا مات العبد الذي أعتق وأصبح حرًا وعنده مال، ينظر يا إخوان: هل له وارث من النسب أو وارث من المصاهرة؟ فإن لم يكن هناك وارث فيرثه المولى، السيد. طيب، إذا مات السيد، هل العتيق هذا يرث من أعتقه؟ الجواب: لا، لا يرث من أعتقه. ولماذا؟ المعتق السيد يرث الرقيق لأنه من عليه باء العتق، وكما قيل: «وَلَيْسَ فِي النِّسَاءِ ثَرًا عَصَبَةٌ إِلَّا الَّتِي مَنْ بِعِتْقِي الرَّقَبَةِ». أيضًا من هذه الأحكام: أن من ظلم مملوكًا، كأن يضربه ضربًا مبرحًا يكسر فيه عظمًا أو يجرح فيه لحمًا، أو أنه - ماذا - أفسد فيه عضوًا، قطع منه شيء، إلى غير ذلك من صور الظلم، فهنا يجب عليه أن يعتقه. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ ضَرَبَ غُلَامًا حَدًّا لَمْ يَأْتِهِ أَوْ لَطَمَهُ» - لاحظ: «أَوْ لَطَمَهُ» - قال: «فَإِنَّ كَفَّارَتَهُ أَنْ يُعْتِقَهُ». معاوية بن الحكم السلمي رضي الله تعالى عنه قال: «كُنْتُ - أَوْ كَانَتْ لِي جَارِيَةٌ - تَرْعَى غَنَمًا لِي جِهَةَ أَحَدٍ، فَذَهَبَ الذِّئْبُ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهَا - أَيْ غَنَمِهِ - قَالَ: وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي آدَمَ آسِفٌ كَمَا يَأْسَفُونَ». ماذا معنى «آسف» يا أبا ناظم؟ «آسف كما يأسفون»، ما معنى آسف؟ أي: لو أخذ الذئب شاة من غنمك ماذا ستفعل؟ تضحك؟ لا، وإنما تغضب. أغضب كما يغضبون. قال: «وَلَكِنِّي سَكَّتَهَا» - سَكَّة: ضربها ضربة شديدة - فندم على ذلك، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم يستشيره في عتقها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهذه الجارية: «أَيْنَ اللَّهُ؟» قالت: «فِي السَّمَاءِ». قال: «مَنْ أَنَا؟» قالت: «أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ». قال: «أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ، أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ». أبو مسعود، عقبة بن عمرو - أو بن عامر - البدري الأنصاري، الأنصاري، يذكر أنه كان معه مملوك يضربه ويضربه، فبينما هو كذلك إذ سمع صوتًا من خلفه يقول: «أَبَا مَسْعُودَ». قال: فالتفت فإذا به - من - فإذا به من عندك - فإذا به - نعم، يا أبا مريم، رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَبَا مَسْعُودَ، اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هَذَا، يَا وَيْلَكَ، اللَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هَذَا». فقال أبو مسعود: «هُوَ حُرٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، خَلَاصٌ هُوَ حُرٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ». قال: «إِنْ لَمْ تَفْعَلْ لَفَحَتْكَ النَّارُ، لَا لَفَحَتْكَ النَّارُ». فهذا يعتبر من الأحكام المتعلقة بالعتق. قال: قال رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ». ومعنى «شركًا»: أي نصيبًا له من عبد. قال: «فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ فَأُعْطِيَ شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ، وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ». وهذا معناه ما سبق: أن من أعتق جزءًا من عبد فإنه إذا كان ميسور الحال يطالب بأن يشتري ما بقي من العبد ثم يعتقه فيكون الولاء له، وإذا كان لا يملك فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، ويكون العبد مملوكًا ما بقي وحرًا ما أعتقه ذلك الشخص. قال: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا مِنْ مَمْلُوكٍ». والشقص كما سبق يا إخوان: المقصود به النصيب والقسم. قال: «مِنْ مَمْلُوكٍ، فَعَلَيْهِ خَلَاصُهُ كُلُّهُ فِي مَالِهِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ قُوِّمَ الْمَمْلُوكُ قِيمَةَ عَدْلٍ، ثُمَّ ثُمَّ اسْتُسْعِيَ الْعَبْدُ غَيْرَ مُشَقَّقٍ عَلَيْهِ». إذا لم يكن عند من أعتق بعض هذا العبد مال، قال: «والله يا جماعة الخير، يا الله، جمعت هذا المبلغ واشتريت به العبد والآن أعتقت نصيبي منه، ما عندي ما أشتري الباقي». يقال لمن كان له ملك باقي في هذا العبد: بقي نصف في هذا العبد مملوك، ما رأيك تكاتبه على أن يجمع لك مالًا معينًا أو يعمل لك عملًا معينًا؟ فإذا قام بذلك العمل أو جمع ذلك المال يكون حرًا. قال: «ثُمَّ اسْتُسْعِيَ الْعَبْدُ»، أي: ذهب يتكسب ويعمل لكي ماذا؟ يجمع قيمة ما بقي فيه من الرق. قال: «غَيْرَ مُشَقَّقٍ عَلَيْهِ»، أي: لا يكلف فوق طاقته. يأتي السيد الثاني يقول: «النصف حقي المتبقي، أريد عشر كيلو جرام ذهب، أعاقب أنت». قال: «غَيْرَ مُشَقَّقٍ عَلَيْهِ»، لا تشق على العبد، حاول ماذا؟ أن تتلطف معه وأن تيسر الأمر له. وأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يحث على إعانة المماليك والرقيق وماذا؟ ومساعدتهم في ذلك. ثم ختم كتاب العتق بباب بيع المدبر، وذكر فيه حديثًا واحدًا هو آخر الأحاديث في عمدة الأحكام. قال رحمه الله تعالى: «بَابُ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ». والمدبر: المقصود به، المقصود به من يكون موعودًا بعتقه بعد موت صاحبه، يقول: «إِذَا مِتَّ فَأَنْتَ حُرٌّ»، أو «أَنْتَ حُرٌّ عَنْ دُبُرٍ»، يعني: إذا أدبرت وفارقت الحياة، فيكون هذا العبد حرًا، يكون حرًا. قال رحمه الله تعالى: قال: عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «دَبَّرَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ غُلَامًا لَهُ»، أي: جعله حرًا بعد موته. قال: «وَفِي لَفْظٍ: بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ». فماذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: «فَبَاعَهُ بِثَمَانِ مِائَةِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ أَرْسَلَ ثَمَنَهُ إِلَيْهِ». النبي صلى الله عليه وسلم رأى أن ذلك الرجل ليس معه مال إلا هذا العبد، وجعله حرًا بعد موته. طيب، ماذا أبقي لورثتك؟ وماذا تركت؟ فالنبي صلى الله عليه وسلم باع العبد بثمان مئة درهم، والدراهم فضة، والدنانير ذهب، والدنانير ذهب. ثمان مئة درهم، ثم أرسل بي - ثم أرسل بي الدراهم إلى صاحبها. وهذا فيه جواز بيع العبد المدبر، إذا وعد العبد أنه سيعتقه أو يكون حرًا بعد موته، يجوز له أن يتراجع فيبيع العبد، ويجوز له أن يتراجع فيهدي العبد، يهدي هذا العبد المملوك لزوجته أو لصديقه أو لغيرهم من الناس، أو لغيرهم من الناس. وقد ذكر العلماء فيما يتعلق بأحكام بيع - أو أحكام العبد المدبر - قالوا: يجوز بيع العبد مطلقًا للحاجة، وأجاز بعض أهل العلم بيعه مطلقًا للحاجة أو لغير الحاجة، أو لغير الحاجة، واستدلوا بحديث جابر السابق الذي هو حديث الباب. أيضًا قالوا: المدبر يعتق في الثلث، يعني: يجوز للمالك أن يتصرف في حدود الثلث، فإذا لم يترك إلا عبدًا وأعتقه عن دبر، فماذا؟ يقع تصرفه في الثلث فقط، والثلث كثير أو كبير، كما مر معنا في الوصية، كما مر معنا في الوصية أيضًا. قالوا: يجوز للسيد أن يهبه لغيره، يهديه لغيره، هذا مما يجوز، هذا مما يجوز. قال تعالى: أو - ماذا - هذا مما يجوز لأنه إذا كان جاز البيع فالهبة من باب أولى. أيضًا إذا كان العبد أمة، والأمة المملوكة يا إخوان كما سبق معنا، يجوز لسيدها أن يطأها، أي: يجامعها، إذا لم تكن متزوجة. اشتراها متزوجة أم عازبة؟ قالت: «لا، متزوجة». قال: «خلاص، قدر الله وما شاء فعل». فإذا اشتراها متزوجة لا يجوز له أن يطأها لأن معها زوج. طيب، لا، اشتراها غير متزوجة، فتستبرأ بحيضة واحدة، ثم بعدها يجوز له أن يجامعها. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾. طيب، إذا كان اشترك اثنان في شرائها، كل واحد دفع خمسة مليون، واشتروا أمة، فمن الذي يجوز له أن يجامع؟ لا أحد، لا هذا ولا ذاك، إلا إذا وهب أحدهما نصيبه للآخر، جاز للآخر أن يجامع. طيب، إذا كانت أمة مملوكة غير متزوجة، أتى شخص يطلب الزواج بها، فإذا رخص السيد قال: «خلاص، تريدها؟ زَوَّجَهَا». قال: «نعم، يلا، زوجناك إياها». فإذا تزوجها شخص بعدها لا يجوز للسيد أن يأتي ويقول: «كيف؟ أنا لخمس سنوات وأنا أجامعها». يقال: «خلاص، أنت قد زوجتها، فبتزويجك لها تنازلت عن حقك في وطئها». واضح يا إخوان؟ فهذا كذلك من الأمور التي تتعلق بهذا الباب، تتعلق بهذا الباب. والكلام حول هذه الأبواب، وإن كانت ليست واقعة الآن لانتهاء الرق، لكن نعلم بذلك يا إخوان: سماحة الإسلام، وعدل الإسلام، وفضل الإسلام، ليس على أهله فقط، وإنما كذلك أيضًا على غيره من الناس والجان، بل وعلى جميع الحيوان. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَةَ وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ﴾. وبهذا أيها الأحبة في الله نكون قد أتينا على خاتمة ونهاية هذا الكتاب الحافل المبارك النافع، كتاب عمدة الأحكام، من كلام خيري الأنام صلى الله عليه وسلم، للإمام الحافظ أبي محمد عبد الغني ابن عبد الواحد ابن علي ابن سرور المقدسي رحمه الله تعالى. فنحمد الله عز وجل أولًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا، الذي بنعمته تتم الصالحات، وأسأله عز وجل أن يرزقنا جميعًا علمًا نافعًا وعملًا صالحًا، ونعوذ به من علم لا ينفع، ومن نفس لا تشبع، ومن قلب لا يخشع، ومن دعوة لا يستجاب لها. وكان الفراغ من القراءة والتعليق على عمدة الأحكام في يوم الأحد الرابع والعشرين من شهر شعبان لعام ألف وأربعمائة وست وأربعين من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم. فما كان من صواب فمن الله وحده له الفضل والمنة، وما كان من خطأ فمن نفسي ومن الشيطان، وأسأل المولى عز وجل أن يغفر لنا وأن يرحمنا وأن يتجاوز عن تقصيرنا وإساءتنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. صلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر