كتاب الفرائض 4

كتاب الفرائض 4

الدرس في كتاب الفرائض 4، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تعريف الخشوع في الصلاة وحقيقته عند العلماء

يستعرض المحور تعريف الخشوع لغةً واصطلاحًا بوصفه الخضوع والسكون القلبي والبدني، وينقل عن ابن القيم أن جماعه التذل للأمر والانقياد للحق. كما يبين خلاف العلماء في اقتصاره على عمل القلب أو شمول الجوارح، مع ذكر مثال عمر بن الخطاب دليلًا على جواز تدبير الأمور الدنيوية مع حضور القلب.

مكانة الخشوع في القلب وحكم وجوبه في الصلاة

يوضح المحور أن الخشوع الحقيقي هو خشوع القلب لا مجرد سكون الجوارح، وأن تفكر الدنيا ينافيه بخلاف تفكر الآخرة، مستعرضًا أحاديث تدل على تبعية الجوارح للقلب. ثم يناقش خلاف الفقهاء في وجوبه حيث ذهب الجمهور إلى استحبابه وعدم وجوبه، وأن عدمه ينقص الأجر دون إبطال الصلاة.

وسائل تحصيل الخشوع وعلاقة سكون الجوارح بخشوع القلب

يسرد المحور الوسائل المعينة على الخشوع كالتعوذ من الشيطان، وتدبر القراءة، واستحضار عظمة الله، مبينًا أن العبد يكتب له من صلاته بقدر ما عقل وخشع. ويختتم ببيان أن سكون الأعضاء دليل على خشوع القلب أو معين عليه، مكتفيًا بهذا القدر من البيان.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. بعد ذلك: قال المؤلف رحمه الله تعالى: «باب الحدث على الخشوع في الصلاة». قال في القاموس: الخشوع: الخضوع، أو قريب من الخضوع، أو هو في البدن منها، أي: من خضع إذا كان في البدن. وقد أثنى الله تعالى على الخاشعين، فقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾. وبعضهم يقول: هو السكون، ومنهم من يقول: إنه التذل لله بالقلب والجوارح. وذكر الإمام ابن القيم رحمه الله أن جماع الخشوع هو: التذل للأمر، والاستسلام للحكم، والانقياد للحق. قال: «جماع الخشوع هو التذل للأمر، والاستسلام للحكم، والانقياد للحق». ومعنى التذل للأمر، والانقياد للحق، والاستسلام للحكم: أي بلا معارضة ولا رأي. وأما الانقياد للحق: فمعناه أن قلبه ينكسر لنظر الرب إلى قلبه وجوارحه، فينقاد إلى الحق. واختلف العلماء: هل الخشوع من أعمال القلب فقط، أو من أعمال القلب والجوارح؟ ورجح أكثر العلم أنه معنى يفيد الأمرين معًا: معنى من أعمال القلب، وكذلك من أعمال الجوارح. فالسكون في الصلاة يعتبر خشوعًا، معنى السكون وعدم الحركة في الصلاة يعتبر خشوعًا. وأيضًا ما يكون في الصلاة من تذكر وتدبر الآيات، فهذا أيضًا خشوع. وجماعه -كما ذكر الإمام ابن القيم في كتابه في الصلاة- أنه لا يفكر في الدنيا. فإذا انشغل في أمور الآخرة فهو لا يزال فيه خشوع. ولو انصرف مثلًا عن القراءة، أو انصرف عن الصلاة، لكن قلبه معلق مثلًا في أمور الآخرة، يفكر في أمور الآخرة، أو يفكر في مسائل العلم، يفكر في بعض المسائل العلمية. لهذا استدل الإمام ابن القيم بفعل عمر، قال: «إني لا أجهز الجيش وأنا في الصلاة». فقال الإمام ابن القيم: وهذا من جمع عبادتين معًا، وهذا لا يفعله إلا أذكى الناس، يجمع عبادتين معًا في عبادة واحدة، فهمه يكون همه الآخرة. لهذا قال العلماء: أن الخشوع... لو كان معنى الخشوع هو التفكر في الدنيا، كلما يكون فيه تفكر في أمور الدنيا وأمور العادية، التي مثلًا يفكر فيها: سأذهب هنا، وذهبت هناك، وأتيت بكذا، وسأأتي بكذا، هذه الأشياء هي عدم الخشوع. وأما إن كان يفكر في ما يكون من أمور الآخرة، فهذا يعتبر لا يزال في الخشوع، ولو صرف عن بعض الصلاة. قال: «والخشوع في الصوت والبصر والسكون والتذل». قال: الخشوع يكون في الجوارح وفي القلب. وإذا انصرفت الجوارح غالبًا ينصرف القلب. قد جاء عن سعيد بن المسيب أنه رأى رجلًا يعبث بجوارحه في الصلاة، فقال: «لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه». ويذكره بعضهم مرفوعًا، ولا يصح، حتى في نسبته إلى سعيد أيضًا فيه شيء، لكنه كلام صحيح: «لو خشع قلبه لخشعت جوارحه». قالوا في الشرح: الخضوع تارة يكون في القلب، وتارة يكون من قبل البدن، كالسكوت. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أسكن في الصلاة». وقيل: لا بد من اعتباره، ما حكاه الفخر الرازي في تفسيره من اعتبار القلب والجوارح. وقالوا: ويدل على أنه من عمل القلب حديث علي عليه السلام: «الخشوع في القلب»، أخرجه الحاكم، لكنه لا يصح. قلت: ويدل له حديث: «لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه»، ذكرنا أنه لا يصح. وحديث الدعاء في الاستعاذة: «أعوذ بك من قلب لا يخشع»، وهذا حديث صحيح، حديث زيد بن أرقم في صحيح مسلم، وجاء أيضًا من حديث أبي هريرة وعن جماعة. فالنبي صلى الله عليه وسلم استعاذ من القلب الذي لا يخشع، فيدل هذا على أن الخشوع خشوع القلب. ولكن ليس معنى ذلك أن الجوارح لا تخشع، بل الجوارح أيضًا تخشع وتسكن، فإذا خشع القلب خشعت الجوارح، وإذا التهى القلب التهت الجوارح. قال: وقد اختلف في وجوب الخشوع في الصلاة، فالجمهور على عدم وجوبه. وقد أطال الغزالي في الإحياء الكلام في ذلك، وذكر أدلة وجوبه، وادعى الإجماع على عدم وجوبه. وهذه المسألة -مسألة الخشوع- مثل ما ذكر المؤلف: على أن جمهور أهل العلم يرون أن الخشوع مستحب، وذهب جماعة إلى وجوبه. لكن مع اتفاقهم -مع اتفاق العلماء- أنه ليس له من صلاته إلا ما عقل، ليس له من صلاته إلا ما عقل، كما قال الشوكاني رحمه الله: «وأجمع على أنه ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل»، مع عقلها. وهذا يدل عليه أيضًا الحديث الذي جاء في حديث عند ابن حبان عن أبي هريرة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يصلي الرجل فينصرف من صلاته بنصفها، أو ثلثها، أو ربعها، أو خمسها، أو سدسها، أو سبعها، إلى أن قال: أو عشرها، وينصرف عن الصلاة قد تحصل على نصف الصلاة أجرها، نصف أجرها، وقد يتحصل على عشرها»، وهذا بحسب ما يخشع في صلاته. في حديث عبادة: «خمس صلوات في اليوم والليلة، من أدى حقهن في وقتهن بوضوئهن وركوعهن وسجودهن وخشوعهن، كن له نورًا يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليهن فلم تكن له نورًا يوم القيامة، وليس على الله عهد أن يدخله الجنة». وجاء في أيضًا الرواية أنهم قالوا: «على الله في الأول، وعلى الله عهد أن يدخله الجنة». فخلاصة الأمر: أن الخشوع... شيخ الإسلام يرى وجوبه أيضًا، والنووي يذكر جمع العلماء على أنه على عدم وجوبه، وقال: إن وجوب الخشوع شطحة من شطحات الصوفية. إلا أن منهم من صرح بهذا، لأن الغزالي في إحياء علوم الدين استمات على أن يثبت وجوب الخشوع. والصحيح أن الخشوع ليس بواجب، لكنه ينقص أجر الصلاة. أقصد أن الصلاة لا يؤثر عليها عدم الخشوع، الصلاة صحيحة، لكن ينقص في الأجر. ولعل شيخ الإسلام من هذا الباب قال أنه واجب. وهناك أسباب تعين على الخشوع: من الاستعاذة من الشيطان، تدبر القراءة، وأنواع الذكر فيها، وأيضًا استحضار عظمة الله، وغيرها من هذه الأمور التي تجعل القلب خاشعًا. وكما قلنا: الجوارح تحكي القلب، تحكي عمل القلب، وكذلك عمل الجوارح يؤثر في عمل القلب. فإذا كان الإنسان ساكنا في جوارحه، فهذا دليل على خشوع قلبه، أو أنها تعينه على خشوع قلبه. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا.