الدرس في كتاب النكاح من صحيح البخاري 89، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع فوائد متعددة من حديث عمر في قصة اعتزال النبي صلى الله عليه وسلم نساءه، منها جواز بذل الأب المال لابنته لتحسين عشرتها ونصحها بترك معارضة زوجها. كما يؤكد جواز سؤال العالم في أمور الأهل وتوقيره وعدم معاتبته حتى في خلواته اقتداءً بالسلف.
يبين المقطع هدي النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة في الصبر على أذى الزوجات وحسن عشرتهن، مستشهداً بقصة ابنة علي بن أبي طالب التي ردها الحسن إلى بيتها. وينتقد موقف بعض الآباء المعاصرين الذين يحجزون بناتهم عن أزواجهن بمجرد الشكوى بدلاً من الإصلاح، مؤكداً أن الضرب مباح ضمن ضوابط التأديب.
يوضح المقطع أن الإسلام ينهى عن ضرب الزوجة ضرباً شديداً ويجيز فقط التأديب اليسير كآخر وسيلة ومن باب الرحمة، مستشهداً بفعل النبي ﷺ مع عائشة وأحاديث تعليق العصا للتخويف. ويؤكد أن الضرب المشروع يكون خفيفاً بقصد الإصلاح لا الإيذاء.
يوضح المقطع جواز اتخاذ الحجب والحراس لمنع الدخول غير المرغوب فيه مستدلاً بفعل النبي صلى الله عليه وسلم بوضع غلام على باب المشربة. ويشير إلى أن الفوائد المستنبطة من هذا الحديث كثيرة وقد اكتُفي بذكر بعضها لسبق بيانها في شرح الحديث.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. فأخذنا حديث عمر رضي الله عنه، وقصة اعتزال النبي عليه الصلاة والسلام نساءه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهناك ذكر كثير من أهل العلم عدة فوائد، كالحافظ ابن حجر، وابن الملقن، والطبري أيضًا في كتابه "تهذيب الآثار" في مسند عمر، فذكروا فوائد كثيرة في هذا الحديث. فمن هذه الفوائد: بذل الرجل المال لابنته لتحسين عشرة زوجها، يبذل المال لابنته، يعطيها مالًا حتى لا تجحف زوجها، ولا تطالب زوجها فتسيء بينهم العشرة. فأجل تحسين عشرة زوجها يعطيها المال إذا كان معه مالًا، لأن ذلك صيانة لعرضه وعرضها، وبذل المال في صيانة العرض واجب. وأيضًا من فوائد هذا الحديث: تعريض الرجل لابنته بترك الاستنكار من الزوج، عن أنها لا تنكر على زوجها، ولا أيضًا تعارضه، فينصح الأب ابنته بذلك. وفيها أيضًا: سؤال العالم عن بعض أمور أهله إذا كان في ذلك سنة قلب أو مصلحة لأجله. وفيه كذلك: توقير العالم عما يخشى أن يتجشمه، معنى توقير العالم في اتخاذ أمر لنفسه أو لأهله، ولا ينبغي أن يعاتب على ذلك. فإن كان هناك مصلحة في التفتيش عن السبب فلا بأس بذلك، فالنبي صلى الله عليه وسلم كأنه أذن لعمر أن يسأله عن مثل هذه الأمور. ومن ذلك أيضًا: سؤال العالم في الخلوات، في موضع التبرز، لا سيما إذا كان في شيء من أمر نسائه وأسراره، عن أن يسأل ولو كان خاليًا أو اختلى بنفسه، لا بأس أن يسأل. وهنا ذكر موضع التبرز، أي لأجل أن الإنسان يختلي في وحدته، فلا بأس أن يسأل. وقد كان السلف رحمهم الله، جماعة من السلف، لحبهم للعلم، فإنهم يسمعون العلم ولو كانوا في مكان قضاء الحاجة. يقول ابن أبي حاتم: كان أبي إذا دخل الخلاء يقول: اقرأ من كتاب، وارفع صوتك. يقول: اقرأ من كتاب، وارفع صوتك حتى يسمعه. وهكذا أيضًا كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يجعل أحدًا يقرأ إذا كان في بيت الخلاء، وجماعة من أهل العلم يفعلون ذلك استغلالًا للوقت، حتى لا يضيع وقتهم بدون علم. وأيضًا ذكر الإمام الطبري رحمه الله في كتاب "تهذيب الآثار" أن هذا الحديث فيه دلالة واضحة على أن الذي هو أصلح للمرأة وأحسن به: الصبر على أذى أهلها، الصبر على أذى أهلها والإغضاء عنه، عن أنه يغض الطرف عنهم ويتغافل عن الأذى الذي يحصل من أهلها وغيره. والنبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره خلقًا رضي آخر». وهذا الحديث فيه صبر النبي عليه الصلاة والسلام على ما يكون من أزواجه، معنى من المعارضة وغير ذلك. ولما استدأت أداهن ومعارضتهن، فإن النبي صلى الله عليه وسلم هجرهن لأجل التأديب. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي». وعلى حديث كثيرة قد أخذنا، أو قد ذكرنا أشياء كثيرة من هذا الباب. وقد كان الصحابة رضي الله عنهم مثل النبي عليه الصلاة والسلام يعاملون زوجاتهم بالحسنى. فلهذا ذكر الطبري عن امرأة يقال لها أم موسى، قالت: كانت ابنة علي بن أبي طالب تحت عبد الله بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، فربما ضربها، فتجيء إلى الحسن بن علي فتشتكي، فيقسم عليها لترجعن إلى بيت زوجها. وهذا هو الذي ينبغي على الولي، أنه لا يأخذ كلام ابنته ويحجزها عن زوجها. كثيرًا من الناس الآن إذا جاءت ابنته تبكي، مثلًا عمل بها زوجها شيئًا، ضربها وفعل، فمجرد ما تأتي يقول له: خلاص، اجلس، لا تذهبي معه، ولا تذهبي إليه، ويعمل مشكلة كبيرة، بدل أن يحل هذه المسألة. ممكن أنه ينصح، ينصح هذا زوج ابنته، فيقول له: حاول أنك عالج الأمور بغير الضرب، بغير كذا، بغير أذاها. فلهذا فالضرب أجازه الله عز وجل كما في القرآن، لكن ليس المراد أن الإنسان يضرب زوجته على كل شيء. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في عدة أحاديث، منها حديث عبد الله بن زمعة في البخاري، قال: «على ما يعمد أحدكم فيجلد امرأته جلد العبد، ولعله يضاجعها من يومه»؟ معناه: سيحتاج إليها ويضاجعها. وهذا خطأ أن الإنسان يفعل بزوجته ويضربها ضربًا شديدًا. إن ضرب، يضرب ضربًا فقط من باب الرحمة، من باب الرحمة، مثل ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع عائشة لما تبعته إلى المقبرة وهو لا يدري، من هذا؟ فلما رجع فقال لها: قال: «يا عائشة، ما لك حشِية؟» وكذا معنا الذي يجري، فإذا جاء إلى مكان تجد أنه يلهث، فقال: «فهلسني لحسة في صدري حتى وجدت أثرها، قال: أتخافين أن يحيف الله عليك ورسوله؟». فالمهم أن الإنسان أحيانًا إذا ضرب امرأة، يضرب ضرب رحمة حتى يؤدبها أحيانًا، والضرب هذا يجعله آخر شيء، أو مثل ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، على سبيل الرحمة وعلى سبيل الشفقة. وقد جاء في الحديث: «لا يرفع عصا»، «لا ترفع عصاك عن أهلك». وقال النبي عليه الصلاة والسلام أيضًا، أو كان معنى: «يجعل العبد عصاه»، أو قال: «أخف أهلك في الله، ولا ترفع عنهم عصاك». جاء من حديث أبي ذر، وذكره أيضًا الطبري في "تهذيب الآثار"، وهو حديث حسن، حديث حسن بالشواهد. فيه: «لا ترفع، أخف أهلك في الله، ولا ترفع عنهم عصاك، لا ترفع عنهم عصاك». أي: اجعل العصا معنى بين يديك، أو علقه في مكان، كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام: علقه في مكان، معنى تخيف به أهلك وأولادك، تخيف به أهلك وأولادك، معنى يجعل المكان حتى يخيفهم فقط، وليس أنه يعجل الضرب. وهذا مقصود من الحديث: لا ترفع عصاك عن أهلك. فلهذا كان محمد بن عجلان رحمه الله يشتري سوطًا فيعلقه في قبته، لتنظر إليه امرأته وأهله، معنى يخيفهم به فقط، وليس المراد أنه يضربهم. وأيضًا من الفوائد في هذا الحديث: أن له سلطانًا وغيره، اتخاذ الحُجُب ليحول بينه وبين من أراد، يعني يجوز للإنسان أن يضع حراسًا في مكان ما، لا يريد أحدًا يدخل عليه، مثل ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فوضع غلامًا أسود على باب هذه المشربة. والفوائد في هذا كثيرة، فإن شاء الله نكتفي بهذا، لأن بعض الفوائد قد ذكرناها في شرح الحديث، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.