يستهل الشيخ سلسلة دروس فقه الصيام بحديث رؤية الهلال المخرج في الصحيحين، ويعرّف الصيام لغةً وشرعاً بأنه الإمساك عن المفطرات من الفجر إلى المغرب مع النية. ثم يستعرض المراحل التشريعية الأربع للصيام بدءاً من صيام عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر قبل فرض رمضان في السنة الثانية للهجرة.
يبيّن المقطع أن دخول رمضان يثبت برؤية الهلال أو بإكمال شعبان ثلاثين يوماً عند تعذر الرؤية. ويستدل بذلك على حديث نبوي ويختم بآية قرآنية تحث على التفقه في الدين.
يناقش المقطع خلاف العلماء في اعتبار اختلاف مطالع القمر بين البلدان، حيث يرى فريق أن لكل قوم مطلعهم ويرى آخرون وجوب اتباع رؤية أي بلد مسلم. كما يعرض رأي من يفوض الأمر إلى الإمام تحقيقاً للجماعة ودرءاً للخلاف مستدلاً بأحاديث النبوة وآثار الصحابة.
﴿ فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾ المسائل الفقهية من قول خير البرية صلى الله عليه وسلم، الشيخ الفاضل أبي همام عبد الله باسعد، المدرس بدار الحديث بالشحر. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، أيها الإخوة الكرام المستمعون، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فها نحن في مجلس من المجالس التي نعقدها في المسائل الفقهية من قول خير البرية عليه الصلاة والسلام. أخذنا عدة أحاديث في حلقات سبقت، وإن شاء الله تعالى نأخذ هذا الحديث في هذا الدرس، وهو يعتبر من أول الأحاديث التي إن شاء الله تعالى نتكلم فيها عن صيام رمضان وعن أحكامه. فهذا الحديث هو ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما. فقال البخاري رحمه الله: حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر رمضان فقال: «لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له». وفي رواية عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الشهر تسع وعشرون ليلة، فلا تصوموا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين». وجاء أيضًا كذلك في رواية: «فإن غم عليكم فاقدروا ثلاثين». وجاء في رواية في البخاري: «فإن غم عليكم فأكملوا شعبان ثلاثين»، وغيرها من الروايات التي جاءت في هذا الحديث، وهي كلها متقاربة. هذا الحديث عباد الله، كما سمعنا، أنه في الصحيحين، في صحيح البخاري وفي صحيح مسلم، وفيه مسائل عظيمة نأخذها إن شاء الله تعالى في هذا الحديث. فأولًا: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته». فإن شاء الله تعالى نبدأ كما قلنا في الكلام على أحكام الصيام، فهذا هو الحديث. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته». والصيام لغة يطلق الصيام ويقصد به مطلق الإمساك، أي التوقف عن كل فعل أو قول. فالصائم إنما سمي كذلك لإمساكه عن شهوة البطن والفرج. والمسافر إذا توقف عن سيره سمي صائمًا، والصامت عن الكلام صائم. ومنه قوله جل وعلا: ﴿ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَانِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ﴾. وأما شرعًا، فالمتتبع لعبارات الفقهاء جزاهم الله خيرا في تعريف الصوم يجدها جميعا مفيدة لمعنى واحد، حتى أن لفظها كان يكون متطابقًا. ومحصل ذلك إجمالًا: أن الصيام هو الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس مع النية. فهذا التعريف هو الذي أطبق عليه العلماء، وبعضهم يقدم التعبد، لكن يكفي هنا قولهم كما ذكر ذلك الإمام النووي وغيره: قولهم «مع النية». فالنية إنما هي تجريد الإخلاص وهو التعبد. لهذا، حتى يفرق بين الصيام الذي هو عبادة والصيام الذي ليس هو عبادة، يفرق بالنية. فلو أمسك إنسان من الفجر لأجل مثلا أن يكون علاجا له، فقال له الطبيب مثلا: أمسك قليلا عن الطعام والشراب، فلو أمسك حتى إلى المغرب لكنه لم ينو الصيام، فليس له أجر الصيام، لكن هو صيام. فيكون أمرا تعبديا يؤجر عليه. لهذا، فالصيام هو الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس مع النية. فهذا هو تعريف الصيام الذي ذكره العلماء من ناحية الشرع. وأيضًا كذلك هذا الصيام، فإنه أول ما شرع هذا الصيام في السنة الثانية للهجرة، السنة الثانية للهجرة. وصام النبي صلى الله عليه وآله وسلم تسعة رمضانات، تسعة رمضانات صامها عليه الصلاة والسلام. وهذا الصيام له مراحل تشريعية، وهذا الحديث الذي سنأخذه إن شاء الله فيه دليل على المرحلة الأخيرة. هذا الصيام مر بمراحل في فرضيته: فأولًا: الصيام عبادة مشروعة، وتشريع الرباني عرفته الأمم السابقة، منها الكتاب كما دل عليه قوله جل وعلا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾. وقد صام النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل البعثة، وصامت قريش، كانوا يصومون عاشوراء، وكان اليهود كذلك يصومونه. فالصيام كان موجودا في الأمم التي قبل أن يشرع ذلك الصيام لهذه الأمة. ثم جاء الإسلام ليستقر فيه تشريع الصيام على الوجه الأكمل، وقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يتدرج هذا التشريع في مراحل، كما هو الحال في كثير من التشريعات في الإسلام، رحمة من الله بعباده وتلطفا بهم وتيسيرا عليهم منه جل وعلا. فيسر الله عز وجل للناس هذا الأمر، فجعله ربنا جل وعلا على مراحل تشريعية، على مراحل تشريعية. فأولًا: أو أول مرحلة، الأمر بصيام عاشوراء. وقد جاء أيضًا في بعض الأحاديث كما سنذكره إن شاء الله وتعالى: الأمر بصيام ثلاثة أيام من كل شهر قمري، الأمر بصيام ثلاثة أيام من كل شهر قمري. هذا جاء في حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك رضي الله عنه عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أنه كان يصام ثلاثة أيام من كل شهر. كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، فأنزل الله عز وجل بعد ذلك: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾. وجاء بنفس الإسناد أيضًا عند أبي داود أن ابن أبي ليلى رواه عن معاذ بن جبل أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم ثلاثة أيام من كل شهر ويصوم يوم عاشوراء، فأنزل الله عز وجل: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾، فكان من شاء يصوم صام، ومن شاء يفطر ويطعم كل يوم مسكينًا، فأنزل الله تعالى ذلك. وهذا الحديث الذي رواه عن معاذ بن أبي ليلى لم يسمع من معاذ، لأن معاذ قد مات قديما في طاعون عمواس في سنة ثماني عشرة، في سنة ثماني عشرة، وابن أبي ليلى إنما ولد قبل خلافة، أو قبل أن تنتهي خلافة عمر رضي الله عنه بست سنوات، فهو أدرك أو قد يكون كان له سنة فقط لما مات معاذ. لهذا قال العلماء: إن الحديث منقطع. والصحيح أن عاشوراء هو الذي كان شرع صيامه قبل ذلك، شرع صيام عاشوراء قبل أن يفرض رمضان، فلما فرض رمضان فمن شاء صام ومن شاء أفطره. وهذه المرحلة الأولى: أنه كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم عاشوراء وأوجبه، كما جاء في حديث سلمة بن الأكوع، أوجب رمضان - يعني أوجب عاشوراء - وكان يوجب على الناس، أو يرسل من يخبر الناس بعاشوراء، فمن أصبح صائما أتم صومه، ومن لم يصم فليصم. ثم أيضًا المرحلة الثانية: مراحل تشريع الصيام هي التخيير في صيام عاشوراء، وكان ذلك بعد الأمر بصيام أيام معدودات التي هي عدة أيام شهر رمضان، وذلك في قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ﴾. فهذه الأيام المعدودات التي فرضها الله عز وجل كانت في رمضان، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم، أو خير النبي صلى الله عليه وسلم في عاشوراء، فمن صامه صامه وإلا تركه. كما قال ابن عمر: صام النبي صلى الله عليه وسلم وعمر بصيامه صيامه، فلما فرض رمضان ترك. وجاء في حديث عائشة: أن عاشوراء يوم من أيام، فمن شاء صامه ومن شاء تركه. وجاء أيضًا عن أبي هريرة في البخاري ومسلم، وجاء عن ابن عمر متفق عليه، وجاء عند مسلم عن أبي هريرة، وجاء كذلك من حديث عائشة. فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر، عندما أنزل الله عز وجل آية الصيام، فقال: من شاء في عاشوراء يصومه صامه، ومن شاء أفطره. فهذه المرحلة الثانية من المراحل التي كانت في هذا الصيام. ثم أن هناك مرحلة أيضًا بعد هذا، وهي المرحلة الثالثة: وهي الترخيص بالإفطار في رمضان للقادر على الصيام مع وجوب الفدية عليه. فقد كان من شاء صام ومن شاء أفطر وعد الفدية، حيث أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا قوما لم يتعودوا الصيام، وكان الصيام عليهم شديدا. فقال الله عز وجل: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ﴾، كما جاء ذلك في حديث سلمة بن الأكوع كما سنذكره إن شاء الله. والمرحلة الرابعة: نسخ هذا الترخيص عند القدرة على الصيام، وذلك بقوله سبحانه وتعالى: ﴿ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾. ف جاء في حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية، أي: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ﴾، قال: كان من أراد أن يفطر ويفتدي حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها. فصار الأمر بهذه المرحلة: أن كل من شهد استهلال شهر الصوم، أي دخوله، من المسلمين فقد وجب صيامه عليه، ولا رخصة له بالإفطار حال كونه قادرا على الصيام، حتى لو أدى فدية طعام مسكين. أي: من كان مكلفا وقادرا على الصيام فإنه يجب عليه أن يصوم. ﴿ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾، ﴿ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾. وكذلك أيضًا هذا الحديث: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته». فعلق النبي صلى الله عليه وسلم الصيام برؤية الهلال، وهذا لكل أحد، إلا لمن أخرجه الدليل: من المرأة الحائض، وكذلك الصغير، وكذلك المجنون، وكذلك أيضًا من لا يستطيع الصيام سواء كان بمرض أو بغيره، وكذلك المسافر. فما أخرجه الدليل فإنه يخرج من هذه الفرضية. فهذه أيضًا مرحلة رابعة. ومن العلماء من يذكر مرحلة خامسة: وهي تخصيص الترخيص بالإفطار في رمضان في حالين: الأول: المرض في البدن الذي يشقه معه الصيام، أو يؤدي إلى تأخر برء المريض، أو يتسبب بزيادة مرضه. والثاني: حال السفر، بأن كان متلبسا بالسفر وقت طلوع الفجر، فله في هذين الحالين أن يفطر ثم يقضي بعد رمضان صيام أيام عدد ما أفطره حال المرض أو السفر، كما قال جل وعلا: ﴿ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾. لكن الظاهر أن هذه الحالة أو هذه المرحلة تدخل في المرحلة التي سبقت. فاستقر التشريع لله الحمد على ذلك الوجه الأكمل، بعد أن تدرج بهم مريدا الله عز وجل بهم اليسر وإتمام عدة صيام الشهر المبارك، وذلك بصيامه كاملا عند عدم العذر، وبتدارك ما فات منه بعذر بالقضاء. ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾. لهذا فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أيضًا قال في هذا الحديث: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما». هذا الحديث عباد الله فيه كيفية ثبوت الشهر الكريم، وأن بداية الصيام وثبوت دخول شهره يكون بأحد أمرين اثنين: الأول: بقبول الإمام، أو الأول: رؤية هلال رمضان. وإن شاء الله تعالى، إن شاء الله تعالى في حديث آخر نتكلم عن الشاهد أو من يرى هذه الرؤية. فهنا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته»، أي: إذا رأيتم هذا الهلال فصوموا، وإن لم تروه فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما. فدل على أن هذا الأمر يتم بأمرين: أولا رؤية الهلال، والأمر الثاني: إكمال عدة شعبان ثلاثين يوما. هذا إذا لم تمكن الرؤية لغيم أو قتر أو غبار ونحوه، أو غيرها من هذه، أو لاستحالة وقوع الرؤية بعد الولادة إلا بعد انقضاء زمن محدد. لهذا فإنه يكمل عدة شعبان ثلاثين يوما، ويحكم بعد ذلك قطعا بدخول شهر رمضان. فإن الشهر القمري تسع وعشرون، وقد يكون ثلاثين يوما، إلا أنه لا يمكن أن يزيد عن ثلاثين. لهذا إذا تحققت الثلاثين، فيكون بعد ذلك أول يوم من رمضان. فقد جاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «الشهر تسع وعشرون ليلة، فلا تصوموا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين». وقال أيضًا في حديث أبي هريرة: «إن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا»، وعقد الإبهام في الثالثة، «والشهر هكذا وهكذا وهكذا»، يعني: تماما تماما ثلاثين، أي إما يأتي تسعا وعشرين وإما يأتي ثلاثين، هذا الشهر القمري. لهذا إذا رآه الناس صام، النبي صلى الله عليه وسلم. فقال عبد الله بن عمر كما جاء في سنن أبي داود: تراءى الناس الهلال، فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أني رأيته، فصامه وأمر الناس بصيامه. وسياتي إن شاء الله تعالى كما قلنا في الكلام على الشاهد. فالرؤية هي المعول عليه ابتداء في إثبات الهلال، إلا أنه كما لا يخفى قد يكون مثلا أمكن للمراصد الفلكية اليوم معنا بحساب بالغ الدقة تحديد زمن ولادة الهلال، بل زمن إمكانية رؤيته في أمكنة محددة واستحالتها في أمكنة أخرى في ذلك الزمن. ومع كون ذلك صحيحا بدرجة كبيرة، إلا أن الشريعة نصت على أن الرؤية هي مناط التكليف، فيعول عليها إن تناقضت فردا مع حساب المراصد الفلكية. والحق أنه لا يمكن أن يتناقض، لأن العلم المتيقن الصحيح لا يتعارض بحال مع الخبر الصادق الموثوق. لكن من المقرر أن الهلال إذا ولد فإنه لا يمكن رؤيته إلا بعد مرور زمن محدد يصل فيها إلى أدنى مستويات إمكان الرؤية. طيب، فلهذا عباد الله هنا عندنا أنه قد يرى الهلال في بلد قبل الآخرين بليلة، وذلك تبعا لاختلاف المطالع. القمر وغيره: فأولا نقول أن العبرة برؤية الهلال، فإذا رآه الناس صاموا، وإذا لم يروه وكان هناك غيم، فذكرنا من قبل مسألة يوم الشك، فإنه يشك في ذلك اليوم، فهل يصام أو لا يصام؟ الصحيح قلنا أنه لا يصام، بل تكمل عدة شعبان ثلاثين يوما. وكذلك أيضًا هنا: رأى بعض الفقهاء من الشافعية رحمهم الله أن في اختلاف بدء الصوم والعيد بحسب اختلاف مطالع القمر بين مسافات بعيدة، وأخذوا بذلك. وكثير من أهل العلم من الشافعية وغيرهم بأنه كل قوم لهم مطلعهم. وذهب جماعة من أهل العلم أنه إذا رؤي الهلال ببلد وجب على المسلمين أن يصوموا كلهم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته»، وهذا هو ظاهر هذا الحديث. لكن قد يقال أن تطبيق هذا الحديث ليس موجودا من أزمان بعيدة، ومما يدل على ذلك ما جاء في حديث كريب مولى ابن عباس، أن أم الفضل لبابة بنت الحارث الهلالية بعثته إلى معاوية بالشام. فقال كريب: فقدمت الشام، فقضيت حاجتها، واستهل علي رمضان وأنا بالشام، فرأيت الهلال ليلة الجمعة. ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني عبد الله بن عباس، ثم ذكر الهلال، فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة. فقال: أنت رأيته؟ قلت: نعم، ورآه الناس وصاموا وصام معاوية. فقال: لكن رأيناه ليلة السبت، أي: هل المدينة رأوه ليلة السبت؟ قال: فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه. فقلت: أولا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فبهذا أخذ، وهذا الحديث في مسلم. أخذ كثير من العلم، ومنهم في مذهب الشافعي، أن لكل قوم مطلعا، أن لكل قوم مطلعا. فإن كان المطلع واحد، فإنهم يصومون معا. وذكر أيضًا عن أحمد وعن غيرهم أن هذا الأمر يرجع إلى إمام المسلمين، يرجع إلى إمام المسلمين. فإن كان الناس على إما متفرقين، فكل إمام أو كل ناس يصومون على أمر إمامهم برؤية الهلال، إذا وثق رؤية الهلال الإمام، فإنهم يصومون عليه، لأن ذلك أقرب إلى جماعة المسلمين، وكذلك عدم الاختلاف بين الناس. ويدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما في سنن الترمذي: «الصوم يوم يصوم الناس، والفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحون». الصوم يوم يصوم الناس، والأضحى يوم يضحون. وهذا يدل على أنه لا ينبغي للإنسان، لا ينبغي للمسلمين أن يتخالفوا إذا كانوا في جهة واحدة أو في بلدة واحدة، وإنما يتبعون الناس فيصومون بصيامهم، والناس يتبعون إمامهم. لهذا أخذ أحمد وغيره أنه يرجع إلى الإمام في مثل هذه الأمور. وأما كما قلنا: جمهور أهل العلم يقولون: إذا رؤي أهل بلد لزم أهل البلاد كلها. ولا شك أن هذا أدعى لتوحيد كلمة المسلمين في الميقات الزماني لعبادة الصيام، وأقرب لدرء مفسدة الخلاف. لكن كما قلنا: من ناحية الأدلة والتطبيق، فذلك القول وهو العمل بالمطالع، والعمل كذلك بكل في بلاده، أوثق من ناحية التطبيق العملي، وكذلك ما جاء عن ابن عباس رضي الله عنه في هذا الباب. لهذا فيكون هذا الصيام يكون برؤية الهلال، فإذا لم ير الهلال لأجل غيم أو غيره، يكملون عدة شعبان ثلاثين يوما. فهذا مما يدل عليه هذا الحديث. وإن شاء الله وتعالى نكمل في درس لاحق، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. ﴿ فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾ المسائل الفقهية من قول خير البرية صلى الله عليه وسلم، الشيخ الفاضل أبي همام عبد الله باسعد، المدرس بدار الحديث بالشحر. اشتركوا في القناة