المسائل الفقهية من قول خير البرية 9

المسائل الفقهية من قول خير البرية 9

أحكام رؤية هلال رمضان وشوال والاعتماد على شهادة الآحاد

يشرح المقطع حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب في صيام الرؤية وإفطارها، مبيناً أن شهادة رجل عدل واحد تكفي لإثبات دخول رمضان وتقبل شهادة المرأة عند الشافعي. ثم يناقش مسألة انقضاء ثلاثين يوماً دون رؤية هلال شوال، موضحاً خلاف المذهب الحنبلي الذي يوجب التريث ليلة إحدى وثلاثين، ورأي الشافعي وابن تيمية بالاكتفاء بإتمام الثلاثين اعتماداً على شهادة دخول رمضان الأصلية.

شروط شهادة رؤية الهلال وحكم العدالة في الصيام والفطر

يبيّن المقطع أن إكمال ثلاثين يوماً من رمضان بشهادة عدل يُوجِب الفطر ودخول شوال حتى دون رؤية الهلال، ويشترط في الشاهد العدالة الظاهرة التي تعني اجتناب الكبائر وعدم الإصرار على الصغائر. ويستدل بأقوال الإمام الشافعي والأحاديث النبوية في أن الصغير مع الإصرار يصبح كبيرة.

شروط العدالة في الشهادة والفرق بين الفاسق المتهم وغير المتهم

يشرح المقطع معايير العدالة في الشهادة مستنداً إلى القرآن والسنة، ويميز بين الفاسق المتهم بالكذب والفاسق غير المتهم، مبيناً رأي الحنفية في قبول شهادة الأخير عند الضرورة. كما يتناول قاعدة التيسير عند تعذر وجود العدول، ويؤكد قبول شهادة عدل واحد لرؤية هلال رمضان حتى لو كانت امرأة.

وجوب طلب العلم الشرعي وإنذار القوم

تذكر الآية الكريمة وجوب أن تنفر طائفة من كل فرقة لتتفقه في الدين وتنذر قومها عند رجوعهم لهم لعلهم يحذرون. ويشير المقطع إلى أن المسائل الفقهية مستمدة من قول النبي صلى الله عليه وسلم، ويذكر الشيخ أبي همام عبد الله باسعد المدرس بدار الحديث بالشحر.

التفريغ النصي الكامل

﴿ فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾ المسائل الفقهية من قول خير البرية صلى الله عليه وسلم، الشيخ الفاضل أبي همام عبد الله باسعد، المدرس بدار الحديث بالشحر. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فيا أيها الإخوة الكرام المستمعون، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فها نحن في مجلس من مجالسنا التي أسميناها بالمسائل الفقهية من قول خير البرية عليه الصلاة والسلام. وقد أخذنا في الدرس الذي مضى حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، أنه خطب الناس في اليوم الذي يشك فيه، فقال: «لا، إني جالست أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وسألتهم، وإنهم حدثوني أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، وانسكوا لها، فإن غم عليكم فأكملوا ثلاثين، فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا». فهذا الحديث، عباد الله، الذي أخذناه، وأخذنا بعض المسائل فيه. ومن ذلك: أن شهادة رمضان، أو رؤية هلال رمضان، يكفي فيه شهادة رجل عدل واحد. وأيضاً صَحَّحْنا ما قاله بعض الأئمة كَالشافعي: أنه يثبت، أو تثبت هذه الرؤية، ولو بقول امرأة، فإن قولها يكون صحيحاً، كما ذكر ذلك المزني عن الإمام الشافعي رحمه الله؛ لأنه، كما ذكرنا، خبر من أخبار الدِّين، مثل رواية الحديث، وكما أن رواية الحديث تقبل فيها قول المرأة، فكذلك هنا يقبل. ولأن هذه الأمور بعيدة عن ادعاء شيء لم يكن فيها، لأنها من أمور الدِّين. فإذا عُرف عن هذا الشاهد، أو عن هذا المخبر، أنه عدل، دل على أنه يقبل قوله. فإذا ثبت رمضان برؤية رجل واحد، فيتم ثلاثين يوماً بعد شهادته. فهنا قال في الحديث: «فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا»، أي: حتى يفطروا بالشاهدين. وقلنا: إن اشتراط الشاهدين في الفطر هو ثابت عن أكثر العلماء، لأن هذا الحديث يدل عليه. لكن إذا كان شهد بالرؤية لرجل واحد، ثم إنه لم يُرَ الهلال، هلال شوال، لأن هلال شوال يثبت برؤية اثنين كما ذكرنا، أو بإتمام الثلاثين. فإذا تم الثلاثون يوماً ولم يُرَ الهلال، فهل يستقبل من الغد على أنه فطر، ألا أنها عيد؟ أم يُتَرَّى الهلال في ليلة إحدى وثلاثين على الصيام، على أنهم صاموا ثلاثين يوماً؟ فإذا تَرَوُا الهلال على أنهم يرون إحدى وثلاثين، فإن رأوا، وإلا كان رمضان لم يفطروا، لأنه يحتمل أن يكون خطأ. وهذا قول من أقوال العلماء: أنهم يرون أنه لا يُفطر، وهو قول الحنابلة، أو يرون أنهم لا يفطروا، وإنما يرون الهلال، فإذا رأوه أفطروا، وإذا لم يروه كملوا إحدى وثلاثين. وهذا القول ليس صحيحاً. ولهذا ذهب الإمام الشافعي، وأيضاً هو قول في مذهب أحمد، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، أن هذا غير صحيح. وإنما إذا تَمَّم ثلاثين يوماً، فإنه يعتمد على هذا الشاهد الذي شهد رؤية الهلال في أول رمضان؛ لأنه بناء على شهادته اعتمد الناس هذه الشهادة، فاعتماد الناس الإمام ومن معه من أهل الإجماع، اعتمادهم شهادة هذا الرجل، هذا حكماً شرعياً، تعتبر حكماً شرعياً، فقويت. فلا تكن شهادته هناك شهادته ابتداء، لكن شهادته ابتداء ليست مساوية للشهادة التي اعتمدنا عليها، متضمنة ثلاثين يوماً على ما تقدم المذهب، متضمنة ثلاثين يوماً. فإذا تم الثلاثون، فإنه نستقبل بعد ذلك عيد الفطر. فهذا هو الصحيح الذي يعول عليه في هذه المسألة. أي أن يوم الغد بعد الثلاثين يكون أول يوم من شوال، اعتماداً على رؤية هذا الشاهد، وعلى اعتمادنا على رؤيته. لهذا فإنه يحكم على الصحيح أنه يحكم بشهادة هذا. فإذا تم الثلاثون يوماً، فيحكم على أنه انتهى شهر رمضان، ونستقبل شوال، أو أول يوم في شوال، وإن لم نرى الهلال، أو يكون هناك غيم أو قتر أو غيره، فإنه يفطر كذلك. وهذا هو الصحيح الذي تدل عليه الأدلة. وكذلك من هذه المسائل: أن هنا الشاهد لا بد أن يكون عدلاً، لا بد أن يكون عدلاً. فإذا كان هذا الشاهد من العدول الذين يؤخذ بشهادتهم، فهنا العدل، فهنا العدل، كما قال الإمام الشافعي رحمه الله في «الأم»: أن العدل هنا إنما المطلوب منه العدالة الظاهرة، ولا تدخل فيه العدالة الباطنة، لا تدخل فيه العدالة الباطنة. والمراد بالعدالة الباطنة، كما فسرها كثير من أصحابه: هو تزكية القاضي له، تزكية القاضي له. أي أنه لا يشترط أن يزكى هذا الشخص من القاضي، يزكى من القاضي، وإنما يكون عدلاً، عدلاً عند الناس. ومعنى، ومعنى هذا العدل الذي يكون، الذي يصام بشهادته، هو الذي، معنى العدل الذي يصام بشهادته هو الذي عند جمهور العلماء: أن العدل هو الذي لم تُعرف عنه الكبائر، ولم يُصر على الصغار. لم تُعرف عنه كبائر، ولم تُعرف عنه صغار. أو بعضهم يقول: العدل من يجتنب الكبائر، ويتقي في الأغلب الصغار. فإذا كان مجتنباً للكبائر، وهي المعاصي الكبيرة، كالقتل والزنا وشرب الخمر ونحوها، فهو عدل. وقلما إنما يجتنب في غالب حاله، لأنه لا يمكن لأحد أن يسلم من الصغار. وقد أشار إلى ذلك النبي عليه الصلاة والسلام في قوله في حديث عبد الله بن عباس، الذي أخرجه الإمام الترمذي رحمه الله عن ابن عباس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يقول: «اللهم اغفر لي جرمي، وأي عبد لك لا يَلُم؟» فقول: «اللهم اغفر لي جرمي»، أي: شيئاً كثيراً، والجرم هو الشيء الكثير. و«أي عبد لك لا يَلُم؟» أي: عبد من عبادك لم يصب الملَمَّ، وهي صغائر الذنوب. فلا يمكن للإنسان أن يسلم من صغائر الذنوب. في حديث قدسي يقول الله عز وجل: «يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب، فاستغفروني أغفر لكم». لهذا صغائر الذنوب لها أمثلة. صغائر الذنوب، مثلاً: مثل النظرة. وإن كان بعض العلماء يفاوتها بحسبها، فالنظر إلى العورة المغلظة ليس كالنظر إلى الوجه ونحو ذلك. فإذا كان الشخص مصراً على هذا النظر، مصراً عليه ويجاهر به، مثل الشباب الذين نسأل الله عز وجل أن يهديهم، يأتون في أماكن مجامع النساء، كالأسواق وغيرها، فينظرون إلى النساء أمام الناس، فهذا إصرار على المعصية. والإصرار على المعصية، كما قال العلماء، يصيرها كبيرة. وقد قال العلماء: لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار. فإن صغائر الذنوب تهلك صاحبها، كما ذكر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذلك المثال. وكما أن الجبال تكون من دقائق الحصى. وكما قال أيضاً بعض الشعراء: خلي الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى واصنع كماشٍ فوق شوكٍ يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى فإن هلاك الإنسان قد يكون بصغير الذنوب. ولذلك يقول ابن عباس رضي الله عنه: «لا تنظر إلى معصيتك، ولكن انظر إلى من عصيت». فإذا كان نظر الإنسان إلى عظمة الله سبحانه وتعالى، فإن الصغيرة تصبح في عينه كبيرة. ولهذا يقول أنس رضي الله عنه: «إنكم لتعملون أعمالاً»، كما جاء في البخاري: «إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر، إن كنا لنعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات». فالعدل، فالعدل، هو الذي يتقي في غالب أحواله صغير الذنوب، ويمتنع من كبير الذنوب. فإذا كان كذلك، فهو العدل الذي تقبل شهادته، وهو الرضي الذي يعتد بشهادته. وأشار الله عز وجل إليهما بقوله: ﴿ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ ﴾، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ ﴾. فلا يرضى إلا العدل. وإن كان غير عدل، فإنه لا يقبل منه هذه الشهادة. وغير العدل هو الفاسق، هو الفاسق. وعند جمهور العلماء: كل من صار أو عُرف بكبيرة، أو كان مصراً على صغيرة. لكن ذكر بعض العلماء: أنه إذا انتشر الفساد في أرض من الأراضي، أو بلد من البلدان، فإنه ينبغي أن يؤخذ بمذهب الحنفية، الذين يقولون: أن الفاسق على قسمين: فاسق متهم، وفاسق ليس بمتهم. فمعنى فاسق متهم: أي فاسق يشرب الخمر، أو يزني، أو كذا، وهو أيضاً كذاب، فهذا لا يؤخذ عنه الشهادة. وفاسق غير متهم: أي أنه عنده فسق، شرب الخمر أو غيره، لكنه صادق اللهجة، عُرف بصدقه وأمانته، فإن هذا عند الحنفية يجعلونه تقبل شهادته. وهذا قاله بعض العلماء عند الاضطرار، عند كثرة الفساد. كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أنه لا بأس عند عموم البلوى، وهي مفرعة على القاعدة المعروفة: أن الأمر إذا ضاق اتسع، وإذا اتسع ضاق. فإذا كان الناس في سعة، وكان العدول كثيرين، فحينئذ نضيق على الناس في الشهادة. وأما إذا كان الأمر على العكس، كان العدول قليلين، فحينئذ يتسع الأمر، ونحكم بقبول شهادة من هو أمثل. فشهادة عدل واحد برؤية الهلال: فلو جاء أن رجلاً واحداً شهد أنه رأى هلال رمضان، فهل يصام أم لا؟ الجمهور على أن شهادة الواحد تقبل، كما قد ذكرنا. لكن لا بد أن يكون عدلاً، كما قد ذكرنا في الدرس الذي مضى. فهذه بعض المسائل التي تُذكر. وذكر بعض العلماء: أنه يقول في لفظ شهادته: «أشهد أني رأيت الهلال»، وصف رؤيته على وجه تنتفي به التهمة. وكذلك اشترط في الشهادة بعض العلماء: قال لا يقبل فيها أقل من شاهدين، كما ذكرنا. لكن الصحيح أنه يقبل كذلك، حتى لو كانت أنثى، حتى لو كانت أنثى، كما تقدم معنا. فلذلك، فلذلك، هذه بعض المسائل التي نذكرها في هذا المجلس. وإن شاء الله تعالى لنا دروس لاحقة نكمل ما قد ذكرناه من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله، ونأخذ بعض المسائل التي تتعلق بالصيام. فنسأل الله عز وجل أن يوفقنا للخير، والحمد لله رب العالمين. ﴿ فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾ المسائل الفقهية من قول خير البرية صلى الله عليه وسلم، الشيخ الفاضل أبي همام عبد الله باسعد، المدرس بدار الحديث بالشحر.