يستهل الشيخ الدرس بذكر حديث نبوي ينهى عن اغتسال المرأة بفضل ماء الرجل والعكس، ويأمر بالاغتراف معًا. يوضح معنى النهي عند الشافعية والحنابلة في الماء القليل دون القلتين، مبينًا أن هذه المسآت ستفصل في المجلس.
يتناول المقطع خلاف العلماء في كراهة استعمال الرجل لفضل ماء وضوء المرأة أو غسلها مع استعراض أدلة الجواز. يستعرض مواقف المذاهب من الكراهة المطلقة أو المقيدة بالحائض وتوجيه النهي بما تساقط من الأعضاء.
يناقش المقطع حديث اغتسال النبي صلى الله عليه وسلم بفضل ميمونة واختلاف العلماء في صحته. يرجح مذهب الجمهور القائل بالجواز وعدم التحريم مستدلاً بفعل النبي وقول ابن تيمية وابن عثيمين مع التفريق بين الماء المستعمل وفضل الماء.
يتناول المقطع جمع المسائل الفقهية المأخوذة من أقوال النبي محمد صلى الله عليه وسلم. يشير إلى الشيخ أبي همام عبد الله باسعد بصفته مدرساً في دار الحديث.
فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذروا. المسائل الفقهية من قول خير البرية صلى الله عليه وسلم. الشيخ الفاضل أبي همام عبد الله باسعد المدرس بدار الحديث بالشيخ. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فهذه حلقة من حلقات درسنا المسائية الفقهية من قول خير البرية عليه الصلاة والسلام. فقبل أن نبدأ نقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فأيها الإخوة الكرام المستمعون، فإن شاء الله تعالى في هذه الحلقة نأخذ حديثًا من حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم نذكر بعض المسائل التي فيه. وكما تقدم معنا أننا نتكلم في أحكام الطهارة، في أحكام المياه. فهذا الحديث ما أخرجه الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما، وهذا إسناد أبي داود رحمه الله: فقال: حدثنا أحمد بن يونس، وهو اليربوعي التميمي أبو عبد الله الكوفي رحمه الله، وهو ثقة فاضل ومتقن. قال: حدثنا زهير، وهو زهير بن معاوية بن حديج الجعفي أبو خيثمة الكوفي رحمه الله، وهو أيضًا من ثقات أصحاب أهل الكوفة وأصحاب الأعمش. قال: عن داود بن عبد الله. داود بن عبد الله هو الأودي، وقيل الأزدي، أبو العلاء الكوفي، وهو غير عم عبد الله بن دريس، فذاك عبد الله بن يزيد الأودي، وذاك ضعيف، وهذا ثقة. قال: «ح» -معنى تحويل السند أي أنه قد حدثه أيضًا بهذا الحديث غير هذا أحمد بن يونس-. فقال: وحدثنا مسدد، وهو مسدد بن مسرهد أبو الحسن البصري. قال: حدثنا أبو عوانة، وهو الوضاح بن عبد الله اليشكري الكوفي. قال: عن داود بن عبد الله، أي داود بن عبد الله الأودي. عن حميد الحميري، وهو حميد بن عبد الرحمن الحميري البصري، وهو ثقة تابعي ثقة. قال حميد: قال حميد: لقيت رجلًا صاحب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أربع سنين كما صحبه أبو هريرة. وهذا الرجل لم يعرف من هو، فهو صحابي لكنه لم يعرف من هو. فقال حميد: لقيت رجلًا صاحب النبي عليه الصلاة والسلام أربع سنين كما صحبه أبو هريرة. قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن تغتسل المرأة بفضل الرجل، أو يغتسل الرجل بفضل المرأة». زاد مسدد: «وليغترفَا جميعًا». فهذا الحديث الذي ذكر فيه مسألة، وهي قوله: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تغتسل المرأة بفضل الرجل»، أي بالماء الذي يفضل بعد فراغه من الغسل، أو بعد شروعه في الغسل، أنه مثلًا عنده ماء. وحدّ الشافعية والحنابلة أو غيرهم: إذا كان الماء قليلًا دون القلتين، فيغتسل منه الرجل، يأخذ من صحفة أو إناء فيه ماء فيغتسل من هذا الإناء للجنابة أو لرفع الحدث. فهنا إذا فعل ذلك لا تأتي المرأة وتتوضأ بنفس الماء، فهذا معنى الحديث، وكذلك العكس. إنما قال: «وليغترفَا جميعًا»، أن يكون اغترافهما جميعًا لا باختلاف أيديهما فيه واحدًا بعد واحد، وإنما يغترفان جميعًا، هذا يأخذ وهذا يأخذ. ولهذا كما سيأتي إن شاء الله تعالى معنا في حديث عائشة، فكانت تقول له: «دع لي»، ويقول لها: «دعي لي»، عليه الصلاة والسلام. ففي هذا الحديث عدة مسائل من المسائل العلمية التي إن شاء الله تعالى سنأخذها في هذا المجلس. فقبل هذا جاء هناك أيضًا ما يشهد لهذا النهي، جاء عند أحمد والطيالسي وأهل السنن من حديث أبي حجاج بن البصري عن الحكم بن عمر الغفاري، أنه قال: «أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة، نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة». وهذا الحديث حديث صحيح. وذكر أيضًا أن عبد الله بن سرجس يقول: أبو حجاج أن عبد الله بن سرجس رضي الله عنه كان يقول: «توضأ أنت هاهنا وهي هاهنا، فأما إذا خلت فلا تقرب». المعنى: لو توضأ الرجل مع المرأة لا حرج، لكن إذا هي خلت وحدها، أي توضأت بهذا الماء الذي مثلًا في الصحفة، فلا يتوضأ الرجل بباقيها. فمعنى: إذا زاد شيء من الماء الذي توضأت به، فيكره أن يتوضأ الرجل بفضل وضوئها، وكذلك العكس كما في هذا الحديث. وهذا مما استشكل على كثير من أهل العلم، كيف يحمل هذا النهي؟ لأنه قد جاء عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أحاديث كثيرة في غير هذا المعنى، أنه النبي صلى الله عليه وسلم كان مثلًا يغتسل مع أزواجه، كما جاء في الصحيحين: «كنت أغتسل أنا والنبي صلى الله عليه وسلم من إناء واحد». وجاء أيضًا عند ابن حبان في صحيحه من طريق سليمان بن موسى، أنه سئل عن الرجل ينظر إلى فرج امرأته، فقال: سألت عطاء، فقال عطاء: سألت عائشة، فقالت: «كنت أغتسل أنا والنبي عليه الصلاة والسلام من إناء واحد». إذن مراد عائشة رضي الله عنها مع النبي، لأنها أجابت سؤالًا عن أن ينظر رجل إلى عورة زوجته، فقالت: «كنت أغتسل أنا والنبي عليه الصلاة والسلام»، ففيه جواز نظر أو اغتسال الزوجين معًا، وكذلك أيضًا فيه جواز أن يغتسل معا من إناء واحد. وفي صحيح البخاري عن ابن عمر قال: «كان الرجال والنساء يتوضؤون في زمان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم جميعًا». والمراد: أن الرجال والنساء من الأزواج والمحارم، كانوا يتوضؤون من إناء واحد، معنى ما عندهم آنية كثيرة، وإنما عندهم إناء يتوضأ الرجل مع زوجته، كذلك مع أولاده من هذا الإناء الواحد، ليست عندهم آنية كثيرة يتوضؤون فيها. وهذا يدل على أنهم كل واحد إما جميعًا يتوضؤون فيه، وإما المراد أنهم يتوضؤون من إناء واحد يغترف بعضهم بعضًا، كما قال بعض شراح الحديث، كما ذكر ابن التين، ذكره الحافظ عنه: أي كان الرجال يتوضؤون ثم ينصرفون، ثم يأتي النساء يتوضؤون، وهذا محتمل، أو أنه يتوضؤون جميعًا وكل منهم يغترف من الإناء. وقد جاء في صحيح ابن خزيمة في الحديث نفسه عن ابن عمر، أنه أبصر النبي، قال ابن عمر: أنه قال: «أبصرت النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه والنساء معهم يتوضؤون من إناء واحد، كل يتوضأ منه». وهذا يحمل إما أنهم جميعًا، وإما أنهم يتوضؤون المحارم معًا والزوجات مع أزواجهن في هذا الإناء نفسه. فإذن: أن يتوضأ الرجال والنساء من إناء واحد لا حرج، وأن يغتسل الرجل والمرأة من إناء واحد لا حرج، وهذا قد ذكر بعضهم إجماعًا في ذلك، لكن فيه خلاف يسير. وأما فضل الماء المرأة وحدها، والمراد بفضل الماء: أي ما تتركه من الماء بعد أن غسلت منه، فضل الماء المرأة وحدها. فذهب جماعة من أهل العلم أنه يكره فضل الماء، أي أنه يكره أن يتوضأ الرجل بفضل الماء بفضل ماء المرأة، وإن كان أكثرهم يرى بل أنهم جميعًا يرون أنه طهور، لو تطهر به أجزأه. لكن كلام بعض السلف يدل على أنه لم يجزئه، جاء عن ابن سرجس، وعن عائشة، وعن ابن عمر شيء في هذا الباب، وجاء عن ابن عباس وعن غيرهم خلافه، فهي مسألة مختلف فيها بين السلف. والأدل تدل على جواز هذا الأمر. وقد ذهب كما قلنا أحمد وإسحاق إلى كراهة أن يتوضأ الرجل أو يغتسل بفضل المرأة. وقد جاء عن بعض السلف كابن عمر، وجاء كذلك عن الأوزاعي، وهو قول الإمام الشافعي رحمه الله: أن فضول المرأة مكروهة إذا كانت حائضًا، وهذا لم يدل عليه دليل. ومن أهل العلم من حمل أحاديث النهي وأحاديث الجواز على أن أحاديث النهي محمولة على ما تساقط من الأعضاء، كما تقدم في كلامنا على الماء المستعمل، ويحمل النهي على ذلك، وأما ما تبقى بعد وضوئها فهذا ليس بمكروه الوضوء منه، وهذا الذي ذكره الإمام الخطابي رحمه الله. ولكن قد جاءت الأدلة كما قلنا على خلاف هذا. فلهذا جاء في صحيح مسلم: «أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يغتسل بفضل ميمونة، كان يغتسل بفضل ميمونة». جاء عن ابن عباس رضي الله عنه، إلا أن العلماء اختلفوا في صحة هذا الحديث، لأن عمر بن دينار شك في روايته. وأيضًا الحديث موجود في الصحيحين لكن ليس بهذا اللفظ، وإنما قال ابن عباس عن ميمونة: «كنت أغتسل أنا والنبي صلى الله عليه وسلم من إناء واحد». كذلك جاء في السنن عن ابن عباس من طريق سماك عن ابن عباس، أنه قال عن ميمونة: قال ابن عباس: «اغتسلت بعض أزواج النبي عليه الصلاة والسلام في جفنة، والجفنة هي إناء يسع الخمسة أو أقل من ذلك، قال: فجاء يغتسل منها». قال ابن عباس: «اغتسلت بعض أزواج النبي عليه الصلاة والسلام في جفنة، فجاء يغتسل منها، فقالت: إني كنت جنبًا، فقال: إن الماء لا يجنب». وهذا الحديث اختلف فيه، لأن رواية سماك عن عكرمة مضطربة، لكن قد روى هذا الحديث عنه أبو الأحوص وسفيان وشعبة، وإن كان في روايتهم اختلاف من ناحية المتن، ففي رواية أبي الأحوص: «إن الماء لا يجنب»، وفي رواية سفيان وشعبة: «إن الماء لا ينجس»، والأمر سهل في هذا، لكن الحديث صحيح، فقد رواه هؤلاء الثلاثة. وقد قال الإمام الدارقطني رحمه الله: «إذا روى عن سماك أحد هؤلاء الثلاثة فروايته صحيحة». فالحديث صحيح، ويدل هذا الحديث على أن الرجل له أن يغتسل بفضل المرأة. ثم إن الحديث الذي استدل به يدل كذلك على النهي عن اغتسال المرأة من فضل الرجل، فلما لم يقولوا به، فهذا يدل على أن هذا الحديث ليس المراد به النهي، أي حديث الباب، وإنما المراد به الاستحباب والأولوية. فكما أنه نهى عليه الصلاة والسلام الرجل أن يغتسل بفضل المرأة، فقد نهى المرأة أن تغتسل بفضل الرجل، وقال: «وليغترفَا جميعًا». وهذا القول، أي أنهم لم يقولوا بالعكس، يقوي ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من أن النهي في هذا الحديث لا يدل على التحريم، كما ذهب إليه مالك والشافعي وغيرهما، وإنما يدل هذا النهي على الأولوية أو الإرشاد، فهو نهي إرشاد، أي الأولى للرجل أن يغتسل بماء جديد غير فضل المرأة، والأولى للمرأة أن تغتسل بماء جديد غير فضل الرجل، وإن احتاج إلى شيء من ذلك فليغترفَا جميعًا، فان احتاج إلى أن يغتسل جميعًا أو من إناء واحد فليغترفَا جميعًا. هذا أولا، ولا كله جائز، كله جائز. إذا هذا الحديث لا يدل على التحريم، بدلالة فعل النبي عليه الصلاة والسلام، وبدلالة شطره الآخر، فان فيه نهيًا للمرأة أن تغتسل بفضل الرجل، فلذلك: نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن اغتسال المرأة بفضل الرجل لم يرد في السنة ما يدل على جوازه، فهو أعظم أحكامًا من النهي عن فضل المرأة أو عن اغتسال الرجل بفضل المرأة. ولولا ما ذكروه من الإجماع الوارد فيه كان القول به قويًا، أي أن المرأة لا تغتسل بفضل الرجل، ولكن تقدم ذكر الإجماع، ومع ذلك فقد قالوا بما وردت السنة بخلافه، ولم يقولوا بما لم ترد السنة بخلافه. فإذا الصحيح والراجح هو مذهب الجمهور، اختيار غير واحد من المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية، وهو أيضًا ترجيح الشيخ ابن عثيمين وغيره: أن الماء إذا خلت به المرأة لطهارة كاملة أو غير ذلك، فان الرجل يجوز له ويتطهر به ولا حرج، مع أن الأولى له أن يتطهر بماء غير فضلها، وكذلك المرأة، فالمستحب لها والمشروع أن تتوضأ وتغتسل بغير فضل الرجل، ولكن إن اغتسلت به فلا حرج ولا بأس، والله أعلم. وهذه المسألة تشبه مسألة الماء المستعمل، لكن كما قلنا: الماء المستعمل المراد به المتساقط من الأعضاء في الإناء، وفضل الماء المراد به ما توضأ به الشخص فبقي في الإناء ماء، فيأتي آخر ويتوضأ به. فالصحيح كما قلنا والذي دلت عليه الأدلة: جواز ذلك، وليس فيه شيء من ناحية الماء والوضوء، فيرفع الحدث عند أكثر أهل العلم، وكذلك أيضًا يطهر النجس وغيره. فهذا خلاصة ما يذكر في هذا الحديث وفي هذه المسألة، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذروا. المسائل الفقهية من قول خير البرية صلى الله عليه وسلم. الشيخ الفاضل أبي همام عبد الله باسعد المدرس بدار الحديث بالشيخ.