يستهل الشيخ أبو همام عبد الله باسعد حلقة المسائل الفقهية بشرح حديث ولوغ الكلب في الإناء الوارد في الصحيحين، مستعرضاً طرق روايته وألفاظه المختلفة. ويناقش الخلاف العلمي حول لفظة "فليهرقه" في رواية الأعمش مبيناً قول الحافظ ابن رجب بأنها غير محفوظة، مع توضيح معنى "طهور" و"ولغ" في سياق الحديث.
يناقش المقطع روايات حديث ولوغ الكلب وأرجحية رواية "أولاهن بالتراب"، ويبحث في نجاسة لعاب الكلب وهل ينجس الماء القليل. يذكر خلاف العلماء: الجمهور على نجاسته ووجوب الغسل سبعاً إحداهن بالتراب، والمالكية على طهارته مستدلين بآية الصيد وحديث كلب الصيد.
يستعرض المقطع اختلاف المذاهب في نجاسة لعاب الكلب وجسده، ويرجح أن لعابه ليس بنجس. يبين أن غسل الإناء من ولوغ الكلب سبع مرات إحداهن بالتراب أمر تعبدي لا يقاس عليه بول الكلب ولا نجاسة الخنزير، كما يناقش جواز استبدال التراب بالمنظفات الحديثة.
يختتم الشيخ الدرس بالإشارة إلى بقاء بعض المسائل الفقهية لتُبحث في درس قادم، ويستشهد بآية النفر للتفقه في الدين. يذكر اسم الشيخ أبي همام عبد الله باسعد المدرس بدار الحديث.
فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذروا المسائل الفقهية من قول خير البرية صلى الله عليه وسلم الشيخ الفاضل أبي همام عبد الله باسعد المدرس بدار الحديث بالشيخ بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فها نحن أيها الإخوة الكرام في حلقة جديدة من حلقات برنامجنا «أحاديث» أو «المسائل الفقهية من أحاديث خير البرية» عليه الصلاة والسلام، وإن شاء الله تعالى في هذه الحلقة نأخذ حديثًا من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في كتاب الطهارة، باب المياه. ألا وهذا الحديث هو حديث: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليهرقه ثم ليغسله سبع مرات»، ونذكر هذا الحديث فيما أخرجه الإمام البخاري ومسلم. ونذكر رواية مسلم لهذا الحديث: قال الإمام مسلم رحمه الله: «حدثني علي بن حجر السعدي الحلواني رحمه الله البغدادي، ويقال: بالحسن المروزي، قال: حدثنا علي بن مسهر، وهو أبو الحسن الكوفي قاضي الموصل، وهو ثقة، عن الأعمش، وهو سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي مولاهم، أبو محمد الكوفي الأعمش الحافظ، عن أبي رزين وأبي صالح». أما أبو رزين فهو أبو رزين الأسدي الكوفي مولى أبي وائل الأسدي مسعود بن مالك، وأما أبو صالح فهو ذكوان السمان، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات». وأيضًا أخرجه البخاري بلفظ من طريق مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة: «إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات». وجاء أيضًا من طريق هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة في مسلم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات، أولاهن بالتراب». وأخرجه أيضًا البخاري ومسلم من حديث معمر عن همام بن منبه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسله سبع مرات». فهذه بعض الروايات التي جاءت في هذا الحديث، وهذا الحديث من الأحاديث الصحيحة التي يخرجها البخاري ومسلم، لكن هنا فيه ألفاظ حصل فيها الخلاف بين العلماء، فمنهم من نفاها، وهي قوله في الحديث: «فليهرقه»، حديث علي بن مسهر عن الأعمش عن أبي رزين وأبي صالح عن أبي هريرة. فقوله هنا: «فليهرقه»، قال بعض الحفاظ: إن هذه اللفظة غير محفوظة، كما ذكر الحافظ ابن رجب في فتح الباري، وقد نقل عن ابن عبد البر أنه لم ينقلها أحد من الحفاظ من أصحاب الأعمش، وكذلك قال الإمام النسائي وابن مندة والكنان وغيرهم: إن هذه اللفظة غير محفوظة. «فليهرقه» أي: فليصب الماء أو المائع الذي ولغ فيه الكلب. وقوله في الحديث هنا: «طهور» بضم الطاء، ويجوز فتحها لغتان، أي: مطهره. وقوله: «ولغ»، إذا ولغ الكلب، ولغ الكلب إذا أدخل لسانه في الماء وغيره من كل ما فحركه، شرب أو لم يشرب. فإن كان غير مائع يقال: لعقة، فإن كان طعامًا يقال: لعقة أو لحسة إذا كان في الإناء، وإذا كان فيه الطعام يقال: لعقة. وهنا في هذا الحديث عدة مسائل، وقبل هذا أيضًا هناك في رواية: «أولاهن»، وفي بعضها: «أولاهن» أو «أخراهن» أو «السابع» أو «الثامنة»، لكن أرجح هذه الروايات رواية: «أولاهن». وأما الرواية التي جاءت في حديث عبد الله بن المغفل أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فاغسلوه سبعًا وعفروه الثامنة»، «وعفروه الثامنة» أي: جعلوه إحدى هذه الغسلات بالتراب، وهذا لا يدل على أنها آخرها، وإنما يدل على أنها إحدى الغسلات، وتبين أنه جاءت هذه الرواية التي في صحيح مسلم: «أولاهن»، وهي أرجح هذه الروايات. طيب، فلذلك فهذا الحديث فيه عدة فوائد وعدة مسائل، إن شاء الله تعالى نذكر بعض هذه المسائل، وإن كان أدركنا الوقت فإننا نؤخر بعض المسائل في درس لاحق. طيب، من هذه المسائل التي نأخذها من هذا الحديث: أولاً، قوله: «إذا شرب الكلب في إناء أحدكم»، أي: أن هذا الإناء أو هذا الماء، هل يتنجس هذا الماء إذا ولغ فيه الكلب؟ أولًا، تقدم معنا أن الماء إذا وقعت فيه النجاسة فإن الصحيح كما قد قررناه قبل: أنه لا ينجس حتى يتغير أحد أوصافه الثلاثة: إما لونه، أو طعمه، أو ريحه. فهنا إذا قلنا بنجاسة -كما سيأتي إن شاء الله تعالى الكلام عليها- إذا قلنا بنجاسة ريق الكلب فلعابه، فإنه لا يقال بتنجيس الماء إلا إذا تغير أحد أوصافه الثلاثة كما تقدم. واستدل بهذا الحديث على أن الماء القليل يتنجس، لكن الحديث ليس فيه النجاسة. وأما قوله: «طهور إناء أحدكم» كما قال، أو كما نقل عن مالك وغيره، ونقل عن المالكية أنهم قالوا، وذكر ذلك ابن مندة أو كذلك ابن المنذر: أن قوله هنا «الطهور» لا تدل على النجاسة، وإنما تدل على التعبد، وأن الطهار هنا طهار التعبد مثل الوضوء، كما قال الإمام ابن المنذر: مثل الوضوء، فإن الرجل إذا بال أو خرج منه ريح فإنه يتوضأ، وهذا التوضؤ هو عبادة، لأنه ليس هناك تعلق ببول الإنسان بغسل وجهه، فكذلك هنا الطهار التي يتطهر بها الإناء ليس من باب النجاسة وإنما من باب التعبد، فيغسل سبعًا، ولو كان من باب الطهارة لما كان يغسل سبعًا، وإنما متى زالت النجاسة زال حكمها. فالمهم أن هذا الحديث لا يدل على ما استدل به الشافعية، وأيضًا المشهور عن الحنابلة أن الماء إذا كان قليلاً يتنجس بورود النجاسة عليه. أيضًا من هذه المسائل التي في هذا الحديث: استدل به على أن لعاب الكلب أو ريقه نجس نجاسة مغلظة، حيث أمر النبي عليه الصلاة والسلام بغسل ما ولغ فيه الكلب سبع مرات، إحداهن بالتراب كما تقدم. وهل يقاس عليه فيه كما قلنا؟ لكن هناك من العلماء كالإمام مالك يقول: إن ريق ولعاب الكلب لم ينجس، وليس بنجس، وإنما هو طاهر، لأن الله عز وجل قال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث بثعلبة بن الحكم الخشني في كلب الصيد: فإنه يمسك بفمه، فلم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بغسل ذلك الموضع، ولو كان لعابه نجسًا لأمر النبي عليه الصلاة والسلام بغسل ذلك الموضع. هكذا قال المالكية. والأمر كما هو عند العلماء: ذهب كما قلنا الحنابلة إلى أن لعاب الكلب نجس، وذهب المالكية إلى أنه طاهر، وذهب الشافعية إلى أن الكلب كله نجس، ولعل أصوب الأقوال أن يقال بالطهارة، أو قيل بنجاسة لعابه، وقد دلت الأدلة الصحيحة على أن لعاب الكلب لا ينجس كما ذكرنا في مسألة الصيد وغيره. وكذلك أيضًا هذا الحديث لا يدل على النجاسة، لأن النبي عليه الصلاة والسلام غسل الإناء، والكلب لم يمس الإناء وإنما مس الماء، وإنما ولغ في الماء ولم يمس الإناء، ولهذا فالأمر الظاهر أنه أمر تعبدي، والله أعلم. طيب، وهل يقاس في عدد الغسلات بوله وغائطه في الأواني أيضًا؟ قال جمهور العلماء ومنهم الشافعي رحمه الله: إن بول الكلب وغائطه في الأواني لا بد من غسله سبعًا أيضًا، وعلل ذلك بأن النبي عليه الصلاة والسلام نص على الولوغ فقط لأن هذا هو الغالب من فعل الكلب عند الأواني فهو يلغ فيها. لكن ذهب بعض العلماء أن الغسل سبعًا خاص بالولوغ فقط، وأما بوله وروثه فهما كسائر النجاسات على القول بالنجاسة، كما سيأتي إن شاء الله معنا في الدروس اللاحقة، فبوله وروثه لا يشترط فيها التسبيع ولا التتراب أي: بالتراب، بل تغسل حتى تذهب نجاستها. فلذلك لأن هذا الحديث جاء في الولوغ، وقد رجح ذلك الإمام النووي رحمه الله، حتى قال: وهذا متجه، أي: هذا القول أن الحكم خاص بالولوغ، وهو قول قوي من حيث الدليل، وهذا كما قال رحمه الله وهو الأظهر، والله أعلم. وأيضًا اختلف في شعر وبدن الكلب، وقلنا: إن كلام الإمام الشافعي رحمه الله بقوله: إنه نجس كله، يدل على أن شعره كذلك نجس. واختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قول الإمام أحمد: أن ريقه نجس وأن شعره طاهر، وهو صحيح إذا قلنا بنجاسة الريق كما تقدم. أيضًا هنا فائدة في هذا الحديث: وهو فيه دليل على وجوب تطهير ما ولغ فيه الكلب سبع مرات، ووجوب التطهير بالتراب مع الماء، سواء خلط التراب مع الماء حتى يتكدر، أو يصب الماء على التراب، إما أن يجعل إحدى هذه الغسلات ترابًا ثم يصب الماء عليها، وإما أن يخلط الماء بالتراب ثم يضعه على الإناء. وهل يقوم مقام التراب شيء من منظفات كالأشنان والصابون؟ على قولين عند أهل العلم، والصحيح أنه لا ينبغي أن يغسل إلا بالتراب لأن الأمر فيه تعبد، وقد قال بعض العلماء -هذا يفتي به الشيخ ابن باز رحمه الله- على جواز استعمال الصابون أو غيره، لكن الحديث نص على التراب فالواجب هو اتباعه. وأيضًا أن السدر والأشنان كانت موجودة على عهد النبي عليه الصلاة والسلام ولم يشر إليهما. وأيضًا ذكر بعض العلماء أن في التراب مادة تقتل الجراثيم التي تخرج من لعاب الكلب، وهذا لا يحصل مع المنظفات الأخرى، كما أثبت ذلك الطب الحديث. وأيضًا هنا فائدة في هذا الحديث أيضًا: أن تعدد الغسلات خاص بنجاسة الكلب، لكن هل يقاس عليه الخنزير؟ فالصحيح أنه لا يقاس عليه، وإنما عدد الغسلات خاص بنجاسة الكلب، وأن نجاسة الخنزير عند من يقول بها تغسل كغيرها من النجاسة حتى تذهب عين النجاسة، وهذا القول هو الصحيح لأن النص قد جاء في نجاسة الكلب فقط دون غيره، وأن الخنزير قد ذكره الله عز وجل في القرآن وموجود على عهد النبي عليه الصلاة والسلام ولم يثبت أو لم يرد أيضًا إلحاقه بالكلب، فنجاسته كغيره من النجاسات، فلذلك الأولى أن يقال: إن هذا خاص بالكلب. وهناك بقيت أيضًا بعض المسائل، إن شاء الله تعالى نتركها في درس لاحق، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذروا المسائل الفقهية من قول خير البرية صلى الله عليه وسلم الشيخ الفاضل أبي همام عبد الله باسعد المدرس بدار الحديث بالشيخ شكرا