تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 36

تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 36

الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 36، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أحكام النفقة ووجوبها على الوالدين والأقارب

تفسر آية البقرة 215 النفقة الواجبة والمستحبة، مؤكدة أن المال ملك لله والإنسان مستخلف فيه. ويجمع العلماء على وجوب النفقة على الوالدين، ويرجح ابن تيمية وجوبها على الأقارب المحتاجين عند اليسار مع خلاف في الأولويات عند الضيق.

أولويات النفقة ومستحقيها في الإسلام

يرتب المستحقين بدءاً بالوالدين ثم الأقربين فالأقرب استناداً للآية والأحاديث. وتكون نفقة الوالدين واجبة على الولد الموسر بينما نفقة اليتامى والمساكين واجبة كفاية على المسلمين مع مراعاة الاستطاعة.

تمييز أصناف المستحقين للزكاة وأثر النية

يفرق بين الفقير والمسكين وابن السبيل موضحاً درجات الحاجة لكل صنف. ويؤكد أن النية والإخلاص هما معيار قبول الصدقة ومضاعفة الأجر محذراً من الرياء.

فضل الصدقة القليلة وعاقبة الساخرين منها

يسخر البعض من الصدقات القليلة فنزلت آية تنكر ذلك، وبين النبي أن الصدقة ولو بشق تمرة تقي النار. وأجر الصدقة القليلة عظيم عند الله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال العلامة السعدي رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾. قال رحمه الله: إن يسألونك عن النفقة، وهذا يشمل السؤال عن المنفق والمنفق عليه، فأجابهم عنها فقال: ﴿ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ ﴾، فالمُنفق الذي عنده مال، والمنفق عليه الذي يُعطى هذا المال. وهذه الآية الظاهر أنها عامة في النفقة الواجبة والنفقة المستحبة؛ لأن النفقة تنقسم لقسمين: نفقة واجبة، ونفقة مستحبة، وأنها تكون من الصدقة. وهنا المراد بالنفقة هي النفقة الواجبة، وكذلك يدخل فيه النفقة المستحبة. والله عز وجل جعل الناس مستخلفين في هذا المال، فالمال مال الله وليس مال أحد، وإنما جعلهم الله عز وجل مستخلفين فيه. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ﴾، وهذا يدل على ربط الله عز وجل الإيمان بالله والنفقة، وهذا يدل على أهمية النفقة للمؤمن، وأن المؤمن ينبغ عليه أن ينفق سواء كان نفقة واجبة أو نفقة مستحبة. والله عز وجل قال كما في الحديث القدسي يخرجه الإمامان البخاري ومسلم: « يا ابن آدم أنفق أُنفق عليك، يا ابن آدم أنفق أُنفق عليك ». وهنا النفقة على الوالدين باتفاق أهل العلم أنها كانت واجبة، فالنفقة واجبة لا خلاف في هذا بين أهل العلم، وهي من البر ومن الصلة. واختلف العلماء في النفقة على الأقارب المحتاجين: هل هي من باب الوجوب أم من باب الاستحباب؟ ورجح شيخ الإسلام أنها من باب الوجوب؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: « ابدأ بمن تعول »، أو قال: « اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول: أمك وأباك، وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك ». فتبين من هذا الحديث أن الأقارب أيضًا تجب عليهم النفقة إذا احتاجوا، وكان الإنسان موسرًا عنده أموال، وأقرباؤه مثلاً من إخوانه وأخواته ليس عندهم شيء، فهنا يجب عليه أن ينفق عليهم. أما إن كان مثلاً ما عنده نفقة، ما عنده إلا نفقة نفسه، فهنا لا يجب عليه نفقة غيره. فإن كان عنده نفقة فاضل عن نفقته، فاختلف العلماء: من يقدم؟ هل يقدم الوالد أم الوالدة أم الابن أم الزوجة؟ وكل هذه قد قال بها العلماء. أي منهم من قدم الوالد والوالدة، والظاهر هذا هو الصحيح أنه يقدم الوالد والوالدة. ومنهم من قدم الأبناء، ومنهم من قدم الزوجة، أي في النفقة إذا لم يكن معه الفضل إلا لأحد واحد، فمن يقدم؟ فرجح بعض علماء الإسلام أنه يقدم الأب؛ لأنه أولى بالنفقة من غيره، ولأنه أيضًا رد بمعروف، يعني يرد المعروف الذي فعله معه، لأن والده قد قام به، فلذلك فهو أولى من غيره. وإن كان معه فضل أيضًا فللوالدة، ثم مع فضل فالأبناء والزوجة، وهكذا. لا يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها، فما آتاها الله عز وجل أمره أن ينفق، أما أنه مثلاً يكلف نفسه ما لا يطيق، فهذا ما لا ينبغي. فما يسر الله، ما يسر الله عز وجل له من النفقة أنفقها على أولاده، وعلى والديه، وعلى كذلك زوجته، وهكذا. قال رحمه الله: ﴿ فَقُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ ﴾، ومسألة النفقة هذه موضوع طويل؛ لأن فيها مسائل كثيرة. قال: ﴿ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ ﴾، أي: مال قليل أو كثير، فأولى الناس به وحقهم بالتقديم أعظمهم حقًا عليك، وهم الوالدان، الواجب برهما والمحرم عقوقهما، ومن أعظم برهما أن ينفق عليهما، ومن أعظم العقوق ترك الإنفاق عليهما. ولو كان مثلاً الإنسان حيًا تكون الأم مثلاً أو كلاهما عند ابن من أبنائهما فينفق عليهما، وهو لا يجد رزقًا في هذا، فلا ينبغي أيضًا للأبناء الآخرين أنهم ينتكروا على ذلك، لا يعقوا النفقة، ولو يعطوها شيء يسير على ما يسر الله. قالوا: من أعظم العقوق ترك الإنفاق عليهما، ولهذا كانت النفقة عليهما واجبة على الولد الموسر. ومن بعد الوالدين الأقربون على اختلاف طبقاتهم، وهنا الشيخ يرجع تقديم الوالدين أن الله عز وجل قدمهم على الأقربين: ﴿ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ﴾. وهنا ﴿ مِنْ خَيْرٍ ﴾ عام سواء كان مال أو طعام وغيره، وكذلك أيضًا عام في النفقة الواجبة والنفقة المستحبة. قالوا: من بعد الوالدين الأقربون على اختلاف طبقاتهم، الأقرب فالأقرب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: « أمك وأباك، وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك »، قال: على حسب القرب والحاجة. والإنفاق عليهم صدقة وصلة. وما جاء في الأحاديث في ذلك، جاء في حديث زينب امرأة عبد الله بن مسعود لما قال لها: إن الصدقة على زوجك صدقة وصلة. قال: ﴿ وَالْيَتَامَى ﴾، وهم الصغار الذين لا كاسب لهم، فهم في ظن الحاجة لعدم قيامهم بمصالح أنفسهم وفقد الكاسب، فوصلهم الله بالعباد رحمة منه بهم ولطفًا. فإن كان هؤلاء اليتامى من القرابة فيجب النفقة عليهم، وإن كان ليس من القرابة فالنفقة عليهم فرض كفاية، ليس على أحد بعينه، لكن يجب على المسلمين أنهم يكفلونهم، فهذا واجب، ومن الحق الذي جعله الله عز وجل على أهل الإسلام. ﴿ وَالْمَسَاكِينَ ﴾، وهم أهل الحاجات وأرباب الضرورات الذين أسكنتهم الحاجة، فينفق عليهم بنفع حاجاتهم وإغناء. والمساكين جمع مسكين، لكن يدخل إذا أفرد المسكين فيدخل معه الفقير، وأن الفقير هو أشد حاجة من المسكين، ولهذا قدمه الله عز وجل في آية الصدقات: ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ﴾، فقدم الفقراء على المساكين لأنهم أحوج من المساكين. لأن المسكين هو الذي لا يجد غنى فيغنيه، ولا يتفطن عليه في التصدق عليه، قال: عنده لكن ليس عنده ذاك الذي يكفيه. ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان، لكن المسكين من لا يجد غنى فيغنيه، ولا يتفطن عليه في التصدق عليه. قال: المسكين مثلاً يكون عندهم حاجات لكن لا تكفيه لحاجاته، محتاج لأشياء ضرورية في بيته. وأما الفقير فهو المعدم، الفقير هو المعدم الذي لا عنده شيء. قال: ﴿ وَابْنِ السَّبِيلِ ﴾، أي الغريب المقطوع في غير بلده، يعان على سفره من النفقة التي توصله إلى مقصده. وقد ذكر ابن السبيل أيضًا من أصناف أهل الزكاة. وابن السبيل هو الغريب المار في بلد، فانتهى ما عنده من الطعام أو من المال، فيعطى حتى يبلغ به إلى بلده. إن كان مثلاً ولو كان رجلاً غنيًا، الآن غالباً سبل مثلاً التواصل تجد أنها تيسر، ممكن مثلاً تنتهي النفقة عليه في بلد فيقترض بأهله أن ينصب له، أو يكون عنده مثلاً رصيد أو كذا فيأخذ منه، هذا غالباً. لكن قد يوجد من تنقطع به الحبال فلا يجد من يقترض به، وأيضًا لا يجد مالاً يبلغه إلى بلده. قالوا: لما خصص الله تعالى هؤلاء الأصناف بالشدة والحاجة، عمم فقال: ﴿ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ ﴾، أي: من صدقة على هؤلاء وغيرهم، بل ومن جميع أنواع الطاعات والقربات؛ لأنها تدخل في اسم الخير، ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾، قال: يجازيكم عليه ويحفظه لكم، كل على حسب نيته وإخلاصه. فالنية لها شأن في هذا الباب، فقد ينفق الإنسان أموالاً كثيرة وقد يؤجر ليس بذلك الأجر، أو قد لا يؤجر كذلك؛ لأنه أنفقها رياء وسمعة. وقد ينفق الشخص نفقة يسيرة ويعظمها الله عز وجل عنده، كما جاء في الحديث في الصحيحين: « كما يربي أحدكم فلوه ». وقال الله عز وجل: ﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ ﴾، وقال: ﴿ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ ﴾، أي في الأجر مضاعف، الله عز وجل لهم أجره. وقد أنكر الله عز وجل على بعض المنافقين الذين يعيبون المتصدقين، الذين ما عندهم إلا شيء يسير، كما ذكر ذلك ربنا جل وعلا في سورة التوبة: ﴿ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ ﴾. فهؤلاء يسخرون من أهل الصدقات القليلة، لما جاء رجل من الصحابة بشيء يسير، قالوا: الله غني عن نصف مدك، هذا أطعم نصف مد من الطعام، فقالوا: الله غني عن هذا، فأنزل الله عز وجل هذه الآية إنكارًا عليهم. فالصدقة ولو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: « اتقوا النار ولو بشق تمرة »، على نصف تمرة يتصدق بها الإنسان يتقي بها نار جهنم، عياذ الله. فالصدقة أجرها عظيم عند الله جل وعلا. فإن شاء الله نختم بهذا، والله تعالى أعلم. شكراً للمشاهدين.