الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 43، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
عند نزول آية التحذير من أكل أموال اليتامى ظلمًا، عزل الصحابة طعامهم عن طعام اليتامى خوفًا من الإثم، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم. فأنزل الله آية ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ﴾ مبينًا جواز مخالطتهم والإصلاح لهم بلا حرج.
يجوز للولي مخالطة اليتيم في الطعام والشراب وغيره بشرط أن يكون القصد الإصلاح والصيانة لا الأكل من ماله، ويجوز خلط الطعام أو تخصيص أيام لكل طرف مع عدم أخذ أكثر من حق اليتيم إلا في حال العسر. كما يميز الله بين المفسد والمصلح في مال اليتيم، فيجوز للولي التصرف والتجارة بقصد نماء المال بشرط حسن النية واختيار التجارة الرابحة غالباً.
أعلن المتحدث انتهاء الجلسة الحالية مع نية استكمال الدرس في وقت لاحق. واختتم بالصلاة والسلام على النبي محمد مشيراً إلى أن الترجمة قام بها نانسي قنقر.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد: قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى: عند قول الله جل وعلا: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾. قال: لما نزل قوله جل وعلا: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾، شق ذلك على المسلمين، وعزلوا طعامهم عن طعام اليتامى خوفًا على أنفسهم من تناولها، ولو في هذه الحالة التي جرت العادة بالمشاركة فيها. وهذا الأثر لذكره واللفظ عن عبد الله بن عباس، أخرجه الإمام ابن جرير وابن أبي حاتم وغيره من طريق عطاء وابن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وإسناده صحيح إن كان عطاء اختلط، لكن قد روى عنه من روى عنه قبل الاختلاط. طيب. يقول ابن عباس: إنه لما نزلت هذه الآية في التحذير من أكل أموال اليتامى ظلمًا: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾، فكأنهم يأكلون النار، فشق ذلك على المسلمين، وعزلوا طعامهم من طعام اليتامى خوفًا على أنفسهم من تناولهم، أنهم يخافون أن يدخلوا في مسمى أكل مال اليتيم إذا أكلوا مع اليتامى. فسألوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك، فأخبرهم تعالى أن المقصود... أي الله عز وجل أنزل هذه الآية حتى يبين لهم أنه لا حرج في الطعام. فأخبرهم الله تعالى أن المقصود إصلاح مال اليتامى وحفظها وصيانتها والاتجار فيها، وأن خلطتهم إياهم في طعامهم وغيره جائز على وجهه لا يضرهم. ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ ﴾. فَالْإِصْلَاحُ هُوَ إِصْلَاحُ مَالِهِمْ وَصِيَانَتُهُ وَحِفْظُهُ. ﴿ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ﴾، أَيْ: إِذَا خَالَطْتُمْوهُمْ، وَأَنْ خَالَطْتُمْوهُمْ فِي طَعَامٍ وَغَيْرِهِ جَائِزٌ عَلَى وَجْهِهِ، وَعَلَى وَجْهٍ لَا يَضُرُّ بِالْيَتَامَى؛ لِأَنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ. وَمِنْ شَأْنِ الْأَخِّ خِلَطَةُ أَخِيهِ، أَنْ إِذَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي الْبَيْتِ فَأَكَلَهُ، يَكُونُ مِنْ أَكْلِهِ إِمَّا أَنَّهُ يَخْلِطُ طَعَامَهُ بِطَعَامِهِ، أَوْ إِمَّا أَنَّهُ مَثَلًا يَجْعَلُ لَهُ مَثَلًا يَوْمًا وَيَجْعَلُ لِنَفْسِهِ يَوْمَيْنِ، إِذَا كَانَ مَعَهُ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ، أَوْ هُوَ زَوْجَتُهُ، أَوْ هُوَ أَوْلَادُهُ، فَيَجْعَلُ لَهُ مِنْ مَالِهِ يَوْمًا وَمِنْ أَمْوَالِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ حَسْبَهُ، أَوْ أَنَّهُ يَأْخُذُ طَعَامًا مَعًا وَيَخْلِطُهُ مَعًا وَيَأْكُلُ. لَكِنْ لَا يَكُونُ مَثَلًا الْأَكْثَرُ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ إِلَّا إِذَا كَانَ النَّاظِرُ عَلَى الْيَتِيمِ وَالْمُتَوَلِّيَ الْيَتِيمَ مُعْسِرًا، فَهُنَا لَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ، كَمَا فِي آيَةِ الْبَقَرَةِ. وَالْمَرْجِعُ فِي ذَلِكَ إِلَى النِّيَّةِ وَالْعَمَلِ، أَنَّ الْإِنْسَانَ حَسْبَ نِيَّتِهِ. فَإِنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ لَيْسَ لِأَجْلِ أَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ، وَلَيْسَ لِأَجْلِ أَخْذِهِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّهُ يُخَالِطُهُمْ حَتَّى لَا يُعْزَلَ عَنِ الطَّعَامِ، فَسَيَكُونُ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الْعَزْلِ فِي نَفْسِهِ، وَقَدْ تُؤَثِّرُ عَلَيْهِ، تُؤَثِّرُ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ، أَنَّهُ يُعْزَلُ عَمَّنْ كَانَ فِي الْبَيْتِ مِمَّنْ يَأْكُلُ، فَيُعْزِلُونَهُ، فَيَكُونُ هَذَا شَيْئًا فِي نَفْسِهِ. وَلِهَذَا أَمَرَ رَبُّنَا جَلَّ وَعَلَا بِمُخَالَطَتِهِمْ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يَكُونُ فِيهِ الْمُخَالَطَةُ. ﴿ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ﴾. اللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ، يَعْنِي يَعْلَمُ مَنْ أَرَادَ الْفَسَادَ وَأَخْذَ مَالِ الْيَتِيمِ، وَأَرَادَ أَيْضًا أَنْ يُفْسِدَ، أَيْ أَنْ يَذْهَبَ هَذَا الْمَالُ مِنَ الْمَالِ الَّذِي قَدْ وُكِّلَ بِهِ. وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ. وَأَمَّا مَنْ كَانَ أَرَادَ الْإِصْلَاحَ، وَلَوْ تَجَرَّ بِهِ الْإِنْسَانُ، عِنْدَهُ مَالُ يَتِيمٍ، أَخَذَ مِنْ مَالِ يَتِيمٍ وَتَجَرَّ بِهِ، اشْتَرَى شَيْئًا مِنَ الْبَرَائِعِ وَتَاجَرَ بِهِ، فَخَسِرَ، فَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الْإِفْسَادَ، إِفْسَادَ مَالِ يَتِيمٍ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَرَى أَنْ يُنَمِّيَ مَالَ الْيَتِيمِ. فَإِذَا كَانَتْ نِيَّتُهُ كَذَلِكَ فَخَسِرَ، فَهَذَا لَا يُلَامُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ. فَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُنَمِّيَ هَذَا الْمَالَ الَّذِي عِنْدَهُ حَتَّى إِذَا كَبُرَ الْيَتِيمُ وَجَدَ مَالًا كَثِيرًا، لِأَنَّ الْمَالَ إِذَا بَقِيَ هَكَذَا دُونَ أَنْ يُتَاجَرَ بِهِ، أَوَّلًا تَأْكُلُهُ الصَّدَأُ، وَأَيْضًا كَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ هَذَا الْمَالُ بَعْدَ فَتْرَةٍ لَا يَسَاوِي شَيْئًا، وَهُوَ يَخْتِفِضُ بِمَالِهِ بَعْدَ فَتْرَةٍ، مَثَلًا لَا يَسَاوِي هَذَا الْمَالَ شَيْئًا. فَلِهَذَا لَوْ تَاجَرَ بِهَذَا الْمَالِ حَتَّى يَرْبَحَ هَذَا الْيَتِيمُ مَالًا آخَرَ وَيَسْتَبِدَّ، وَيَكُونَ مَالَهُ مَحْرُوزًا، يَكُونَ مَالَهُ مَحْرُوزًا. وَالْوَاجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ أَنَّهُ يَخْتَارُ التِّجَارَةَ الَّتِي تَكُونُ فِيهَا غَالِبًا رِبْحٌ، تَكُونُ فِيهَا غَالِبًا يَرْبَحُ الْإِنْسَانُ أَوْ يَجِدُ رَأْسَ مَالِهِ. وَإِنْ خَالَطْتُمْوهُمْ إِيّاهُمْ مِنْ طَعَامٍ غَيْرِ جَائِزٍ عَلَى وَجْهٍ لَا يَضُرُّهُمُ الْيَتَامَى، لِأَنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، مِنْ شَأْنِهِمْ خِلَطَةُ أَخِيهِمْ. وَالْمَرْجِعُ فِي ذَلِكَ إِلَى النِّيَّةِ وَالْعَمَلِ. فَمَنْ عَلِمَ اللَّهُ مِنْ نِيَّتِهِ أَنَّهُ مُصْلِحٌ لِلْيَتِيمِ وَلَيْسَ لَهُ طَمَعٌ فِي مَالِهِ، فَلَوْ دَخَلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ بَأْسٌ. وَمَنْ عَلِمَ اللَّهُ مِنْ نِيَّتِهِ أَنَّ قَصْدَهُ بِالْمُخَالَطَةِ التَّوَصُّلَ إِلَى أَكْلِهَا وَتَنَاوُلِهَا، فَذَلِكَ الَّذِي خَرَجَ وَإِثْمُهُ، وَإِثْمُهُ. وَالْوَسَائِلُ لَهَا أَحْكَامُ الْمَقَاصِدِ. طيب، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى نَكْمِلُ فِي دَرْسٍ قَادِمٍ، وَنَخْتِمُ بِهَذَا، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ. تَرْجَمَةُ نَانْسِي قِنْقَرْ، تَرْجَمَةُ نَانْسِي قِنْقَرْ.