الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 41، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع كيفية تدرج القرآن في تحريم الخمر بدءاً من بيان ضررها ومنافعها في سورة البقرة، ثم النهي عن الصلاة حال السكر، وصولاً إلى التحريم القاطع في سورة المائدة، مبيناً أن إثم الخمر والميسر أكبر من نفعهما لما يسببهما من ذهاب العقل والمال والصد عن ذكر الله والصلاة.
يشرح المقطع حكمة تحريم الخمر التدريجية لارتباطها بالسكر الذي يبعد عن ذكر الله والصلاة، ويوضح أن الخمر كل مسكر خامر العقل بغض النظر عن مصدره، مستدلاً بأحاديث «كل مسكر خمر» و«ما أسكر كثيره فقليله حرام»، ويرد على قول الحنفية بحصر الخمر في عصير العنب.
يبيّن المقطع إجماع العلماء على تحريم المخدرات كالحشيش والجوزة والهيروين لكونها مسكرة ومخدرة للعقل، مستعرضاً خلاف الحنفية في القليل منها والراجح تحريمها قليها وكثيرها. ثم ينتقل لتعريف الميسر بأنه كل مغالبة بعوض من الطرفين كالنرد والشطرنج، مبيناً تحريم الشطرنج بعوض واتفاق على كراهيته أو تحريمه بغير عوض، ومستثنياً من القمار المسابقة في الخيل والإبل والسهام للحديث النبوي الصحيح.
يبيّن المقطع جواز الاستعانة بغير المسلمين في الجهاد لكونها معينة عليه، مستعرضاً مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ورواية عن الإمام أحمد في ذلك، مع ترجيح هذا القول بالدليل.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة سعد رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما﴾. أن يسألك يا أيها الرسول المؤمنون عن أحكام الخمر والميسر، وقد كان مستعملين في الجاهلية وأول الإسلام، فكأنه وقع فيهما إشكال أن الصحابة رضي الله عنهم، فرأوا أن في الخمر يذهب العقل، ويفعل الرجل في سكره ما لا يفعل في صحوه، ولهذا كان عمر رضي الله عنه يقول: «اللهم بيّن لنا في الخمر بياناً شافياً»، كما جاء في صحيح البخاري، كان يقول: «اللهم بيّن لنا في الخمر بياناً شافياً». وقد كان بعض الصالحين من الصحابة رضي الله عنهم قد حصل له شيء من هذا قبل أن تُحرم الخمر، فلذلك كانوا يسألون عن الخمر والميسر، والميسر هو القمار. قال: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما﴾. قال رحمه الله: فكأنه وقع فيهما إشكال، فلذلك سألوا عن حكمهما، فأمر الله تعالى نبيه أن يبين لهم منافعهما ومضارهما، ليكون ذلك مقدمة لتحريمهما وتحتم تركهما، فأخبر أن إثمهما ومضارهما وما يصدر عنهما من ذهاب العقل والمال، والصد عن ذكر الله وعن الصلاة، والعداوة والبغضاء، أكبر مما يظنونه من نفعهما، من كسب المال بالتجارة بالخمر وتحصيله بالقمار، والطرب للنفوس عند تعاطيهما. وكان هذا البيان زاجراً للنفوس عنهما، لأن العاقل يرجح ما ترجحت مصلحته، ويجتنب ما ترجحت مضرته. إنهم كانوا ينتفعون بالتجارة فيها، لأن سوقها كانت منتشرة، أسواق الخمر في الجاهلية منتشرة، وأيضاً تجارة الخمر كانت منتشرة، فلذلك حرم الله عز وجل تجارة الخمر قبل نزول آية التحريم. ثم نزلت آية التحريم، ومنهم من قال أنها بعد نزول آية التحريم. وربنا جل وعلا تدرج في تحريم الخمر لأن النفوس كانت تحب الخمر، وقد يقال أنه يستحيل أن يترك صحابة الخمر، لأنهم الذين يشربون الخمر كانت عندهم مثل الشراب الذي يتعاطونه دائماً كالماء، فهم يشربون خمراً مساء ونهاراً، فكأنه كان مشروبهم المفضل، لأنهم كانوا ينتبذون ثم يخمرون هذا النبيذ، يجعلونه خمراً فيشربونه. فلذلك أول آية نزلت في ذم هذا السكر آية النحل، عندما بيّن الله عز وجل أنه جعل لهم سكراً ورزقاً حسناً، أي من هذه الأشجار والنخيل جعل لهم سكراً ورزقاً حسناً. وأكثر العلماء يقولون أنها نزلت بعد ذلك آية نهي عن إتيان الصلاة مع السكر، كما قال الله عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل﴾. فقال: ﴿حتى تعلموا ما تقولون﴾، فبيّن أن الإنسان إذا سكر ولم يعرف ما يقول فلا يجوز له أن يأتي إلى الصلاة. ثم بعد ذلك أنزل الله عز وجل هذه الآية: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما﴾. وهذه الآية لم يقطع فيها بالتحريم، وإنما بيّن الله عز وجل أن الضرر من الخمر أكثر من نفعه، لأن الخمر تذهب العقل والمال، وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة. لهذا جاء في الآية الأخرى، قال الله عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه﴾. فقال: ﴿إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون﴾. فبين أن الخمر يصد عن ذكر الله، لماذا؟ لأن الإنسان إذا سكر هذى بكلام لا يعرف ما يقول، ويأتي بكلام قد يكون هذا الكلام كفراً، فلذلك من مضار هذا الخمر أنها تجعل الشخص يتكلم بكلام خطير وليس فيه ذكر الله عز وجل، تبعده عن ذكر الله، تبعده كذلك عن الصلاة، لأنه لا يجوز أن يأتي الصلاة وهو شارب للخمر، وكذلك غيرها من الأمور التي فيها مضار الخمر، وذلك أيضاً من العداوة والبغضاء التي تكون بين الناس. قال رحمه الله: ولكن لما كانوا قد ألفوهما، أي ألفوا الخمر والميسر، القمار، كان القمار في الجاهلية منتشراً، يقامرون في كل شيء، ويلعبون القمار، ويلعبون القمار كذلك وهو اليانصيب وغيره. والميسر هو كل لعب فيه احتمال الغنم والغرم، احتمال أنه يربح واحتمال أنه يخسر، فهذا يكون ميسراً وهو القمار. قال: واجتنب ما ترجحت مضارته. ولكن لما كانوا قد ألفوهما وصعب تحريم تركهما أول وهلة، قدم هذه الآية مقدمة للتحريم الذي ذكره في قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان﴾ إلى قوله: ﴿فهل أنتم منتهون﴾. وهذا من لطفه ورحمته وحكمته، ولهذا لما نزلت قال عمر رضي الله عنه: «انتهينا، انتهينا»، وهذا جاء بسناد صحيح عند أحمد والترمذي. وقال أبو طلحة لأنس: «يا أنس قم إلى هذا الخلال واكسرها وهرق ما فيها»، حتى كما جاء في حديث جابر في مسلم، كذلك في بعض الروايات في البخاري، في حديث أنس أن المدينة صارت شوارعها كلها خمر، سُكبت شوارع المدينة خمراً لكثرة الخمر مع الناس. فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا إن الخمر قد حُرّمت»، فما كان من الصحابة إلا أن سكبوا هذه الخمر. قال: فأما الخمر فهو كل مسكر خامر العقل وغطاه من أي نوع كان. وهذا أراد أن يشير إلى الخلاف الذي حصل بين العلماء، لأن الحنفية يقولون أن الخمر لا يكون إلا من عصير العنب، الحنفية يقولون لا يكون الخمر إلا من عصير العنب، وهذا غير صحيح، لا من ناحية الدليل ولا من ناحية التعليل. لأنه من ناحية الدليل فقد جاء في صحيح البخاري في حديث عمر أن الخمر كانت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، أو نزلت، وكانت أو كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يفعلون من خمسة أشياء، وذكر منها العنب، ومنها التمر، والبسر، والعنب، والزبيب، وكذلك الطلح وهو قبل أن يصير بصراً، وغيرها من هذا الذي ذكره الصحابة رضي الله عنهم، ذكروا التمر والعنب. فالخمر كانت بما كان موجوداً عندهم من الأشياء، وليس أن المراد أن الخمر لا بد أن تكون من عصير العنب كما قالته الحنفية. زد على ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام قد وضع قاعدة في هذا الباب، فقال: «كل مسكر خمر»، صحيح مسلم، «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام، كل مسكر خمر». وأيضاً الحديث الآخر: «ما أسكر كثيره فقليله حرام»، وجاء في لفظ: «ما أسكر كثيره فقليله حرام». فتبين من هذا أن كل مسكر، سواء كان يسكر كثيره أو قليله، فإنه يعتبر حراماً. الحنفية يقولون لا يحرم إلا ما أسكره، معنى ما وقع فيه الإسكار، وهذا أيضاً غير صحيح، بل النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ما أسكر كثيره فقليله حرام»، الذي معناه أن بعض الأشياء ما يسكر المرء إلا إذا شرب كثيراً، إذا شرب منه كثيراً أسكره، فهذا يعتبر محرم مادام أنه يسكر كثيره فقليله حرام، لا يشرب منه شيئاً أبداً. فلذلك هذه القاعدة وضعها النبي عليه الصلاة والسلام، فلذلك فكل مسكر خمر، وكل خمر حرام. ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أجمع المسلمون على تحريم الحشيشة، لماذا حُرمت الحشيشة؟ لأنها خمر، لأنها تسكر، ولا شك في إسكارها، فدخل فيها قول الحنفية أيضاً بالإسكار، وأنها تسكر العقل وتخمره. ولهذا أجمع العلماء في العصر الذي وجدت فيه هذه الحشيشة بأنها حرام، لا يجوز استعمالها. وكذلك كل ما كان من هذا القبيل، كل ما كان من هذا القبيل، حتى هذه الجوزة التي تستعمل في الطعام، هذا الجوز الذي يستعمل في الطعام هو يعتبر مخدر، معناه أنها مخدرة بإجماع الناس، بإجماع العلماء، سواء كان علماء الطب أو علماء الشريعة. هذه الجوزة التي تستعمل في الطعام، لكن بعض العلماء جوزوا فيها إذا كانت في الطعام، وهذا على مذهب الحنفية، لكن على مذهب أهل العلم الذي تؤيده الأدلة أنها لا تجوز، سواء كانت قليلة أو كثيرة، سواء كانت في الطعام أو في غير الطعام، فإنه لا يجوز استعمالها. وهذه دخلت على الناس، وهي مسكرة، وتجد كانت قديماً عندنا، لكن الآن الحمد لله ما تجد من يستعملها إلا من يأتي بها من غير هذه البلاد، أما هنا عندنا لعلها قد إن شاء الله تعالى انعدمت، بمعنى ما تجدها في أماكن البهارات وكذا، لكن كانت قبل خمسة عشر سنة وكذا كانت موجودة، وتجد في كل أماكن البهارات، لكن كما قلنا أنها مخدرة، وقد أجمع، ذكر ابن حجر الهيتمي، إجماع الشافعية وغيرهم أنها مخدرة وأنها حرام. لكن عند الحنفية كما قلنا يقولون أنها جائزة، وكذلك بعض فقهاء المالكية، لكن أكثر العلماء على أنها محرمة، لا يجوز استعمالها لا في الطعام ولا في غيرها. طيب، فكل ما كان من هذا القبيل، هذه الآن المخدرات، الهيروين وغيره، كله حرام لأنه من الخمر. قال: وأما الميسر فهو كل المغالبات التي يكون فيها عوض من الطرفين، من النرد والشطرنج، وكل مغالبة قولية أو فعلية بعوض. أي قولية، مثلاً يقول: تسابقني أو تقامرني على المسابقة في كذا، معنى إذا لم تكن مسابقة فيما ذكره النبي عليه الصلاة والسلام: «لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر»، أما إن كان غير هذه الأشياء التي لا تستعمل للجهاد في سبيل الله والتدريب في ذلك، فيكون العوض من الطرفين قماراً لا يجوز، مثل الشطرنج، شطرنج إذا كان بعوض لا شك في تحريمه لأنه قمار. وإن كان بغير عوض فقد ذهب جماعة من السلف والخلف كذلك إلى تحريمه، وألف في ذلك رسالة الشيخ، شيخ الإسلام، رسالة في تحريم الشطرنج، وأنه قال شيخ الإسلام: أنه لا يفيد البليد، ولا يُعلم المتعلم، بل يبلد الذهن، ولا يوجد فيه شيء من المنافع حتى يقال أنه جائز. لهذا بين كثير من السلف، جاء عن علي وعن غيره أنه من النرد، أنه يعتبر من النرد الذي نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النرد، قال: وكله مغالبة قولية أو فعلية بعوض، سوى مسابقة الخيل والإبل والسهام، لأن النبي صلى الله عليه وسلم استثناها، وهذا هو الصحيح، حتى لو كانت بعوض من الطرفين، حتى لو كانت بعوض من الطرفين، يجوز أن تكون المسابقة بالخيل والإبل والسهام، مع أن أكثر العلماء يقولون لا تجوز إذا كانت من الطرفين، إما أن تكون من طرف واحد، أو يكون من طرف غير المتسابقين، أو يكون من الطرفين لكن يجعل محللاً، يجعل ثالثاً بينهما، لا يدفع شيئاً، لا يدفع شيئاً، هذا قول جمهور العلماء. لكن الحديث صريح أنه لا يُمنع، أنه إذا كانت مسابقة خيل أو إبل أو سهام، أو ما كان في أمور الجهاد، فإنه يجوز أن يستعمل وأن يسابق فيه ولو كان من الطرفين. فإنها مباحة لكونها معينة على الجهاد، فلذلك رخص فيها الشارع، والمؤلف هنا بيّن أنه مستثنى ولو كانت من الطرفين، وهذا هو مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية، ورواية عن أحمد، وهو الصحيح الذي تدل عليه الأدلة عند الله. طيب، هذا ما ذكر المؤلف هنا في تفسير هذه الآية، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر