الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 54، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع قول الله تعالى في آية العدة للنساء المطلقات، مبيناً خلاف العلماء في معنى القرء هل هو الطهر أم الحيض وما يترتب على ذلك من اختلاف في انتهاء العدة. كما يتناول حكم كتمان المرأة لحيضها أو حملها وأصل تصديقها في ذلك مع الإشارة إلى المستجدات كالحبوب المانعة.
يبيّن المقطع أن العبرة في الحيض بوجدان الدم المميز لا بعدد الأيام، وأن المرأة مصدقة في إخبارها بحيضها أو طهرها ما لم يقم دليل على كذبها. ويوضح أن كذبها بادعاء الحيض يحرمها على زوجها ويبيحها لغيره زوراً، وكذبها بإنكار الحيض لاستطالة العدة وأخذ النفقة يعد سحتاً محرماً.
يبيّن المقطع أن المرأة إذا كذبت في انقضاء عدتها أو حيضها لتستحق النفقة، فإن نفقتها تكون سحتاً محرماً، وقد يترتب على كذبها تحريم النكاح ووقوع الزنا إن راجعها الزوج ظاناً أنها في العدة. مع بيان أن كتمان ما في الأرحام دليل على ضعف الإيمان وأن الشارع قبل خبر المرأة في ما يخصها.
يختتم المتحدث الدرس الحالي معلناً الاكتفاء بما تم طرحه من أحكام العدة والحيض، ويؤكد على استكمال باقي الموضوع في الدرس القادم مختتماً بالحمد لله.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والى بعده. قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ۚ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا ۚ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾. ذكرنا ما ذكره المؤلف رحمه الله من تفسير القرآن، وكذلك قوله: ﴿ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ ﴾. قال مجاهد وغيره: الحمل والحيض. وهذا الذي ذكره المؤلف رحمه الله، وحرم عليهن كتمان ذلك من حمل أو حيض. فذكر المؤلف ما يترتب على كتم الحمل، ثم قال: وأما كتمان الحيض، فإن استعجلت فأخبرت به وهي كاذبة، ففيه من انقطاع حق الزوج عنها وإباحتها لغيرها في العدة، وما يتفرع عن ذلك من الشر كما ذكرناه. وهذا معنى الكلام: هذا على القول بأن القرء هو الطهر، أو على أن القرء هو الحيض. لأن ما الفرق بين القولين؟ الفرق بينهما: أن الذين يقولون بأن القرء هو الطهر يجعلون انتهاء العدة أن تبدأ الحيضة الثالثة، فإذا جاءت الحيضة الثالثة معنى ذلك أن عدتها انتهت. والذين يقولون بأن القرء بمعنى الحيض يجعلون انتهاء العدة بانتهاء الحيضة الثالثة، فإذا انتهت الحيضة الثالثة وجاء الطهر معنى ذلك أن عدتها انتهت. فهذا الفرق بين القول بالطهر والقول بالحيض: القول بالحيض، أو القول بالطهر، على أن القرء هو الطهر يجعلون انتهاء عدتها ببداية الحيضة الثالثة، وبداية الحيض الثالث. والقول الآخر الذي يقول بالحيض: أن القرء هو الحيض، وهو كما قلنا رجحه الحافظ ابن القيم وغيره، وهو قول أكثر السلف، على أنه الحيض، فيعتبر انتهاء العدة إذا انتهت الحيضة الثالثة. فلذلك فإذا قالت مثلاً: إن حيضتها قد جاءت وهي لم تأت، أو قالت مثلاً: إني حِضْت في شهر ثلاث حيض، فهل تصدق في هذا؟ فالأصل أن المرأة تصدق، الأصل أن المرأة تصدق؛ لأن الله عز وجل جعل خبر الحيض لهن، أو ما في أرحامهن، ﴿ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ ﴾. لكن لو قالت المرأة مثلاً: إنها حاضت ثلاث حيض في شهر واحد، فهل تصدق؟ بعض أهل العلم استبعدها، وخاصة الذين قدروا للحيض وقدروا للطهر. لكن يوجد أن هذه الأيام، أو في هذا الزمان، يحصل هذا بسبب هذه الحبوب وغيرها؛ قد تحيض المرأة في شهر واحد ثلاث حيض. وأقل ما ذكره الفقهاء: أنه أقل ما تكون المرأة فيه على أن القرء بالطهر أقل الأيام تكون ثلاثين يوماً، وإذا قلنا بالحيض فأقله ثلاث وثلاثون يوماً، بمعنى الفرق بين الطهر والحيض، أقصد معنى الحيضات الثلاث. لكن وجد أن المرأة قد تحيض، وأيضاً هذا الحيض هو نفسه دم الحيض الذي تعرفه المرأة، تحيض في الشهر ثلاث حيض. وكما قلنا: في هذا الزمان يوجد كثيراً. والعبرة ليس العبرة بما ذكروه من كثرة ومن قلة، وإنما العبرة بوجود الدم. ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ﴾. فإذا وجد هذا الدم الذي تعرفه وتميزه وهو دم الحيض، فهنا تستمر حتى إذا انقطع طهرت. فإذا جاء، ولو مثلاً بعد سبعة أيام، ثمانية أيام، أو أقل أو أكثر، فإنه يعتبر حيضاً. على قول الفقهاء، معنى على قول بعض أهل الفقه: على أن أقل ما يمكن أن تحيض به المرأة ثلاث حيض في الشهر، وبعضهم منع ذلك. فلذلك فما دام أن الله عز وجل جعل هذا الأمر للمرأة، فالأصل أنها صادقة، إلا مثلاً كما ذكر بعض الفقهاء: إذا كان القاضي أحس بكذب هذه المرأة، فإن له أن يدخل عليها نساء. وإلا فالأدلة دلت على أن المرأة مصدقة في ذلك؛ لأن الله عز وجل هددهن بعد ذلك فقال: ﴿ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾، ﴿ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾. قال رحمه الله: هنا قال: فإذا استعجلت فأخبرت به وهي كاذبة، ففيه من انقطاع حق الزوج عنها وإباحتها لغيرها؛ لأن لو قالت: إن عدتها انتهت، وأن الحيضة الثالثة قد جاءت، أو انتهت الحيضة الثالثة، معنى ذلك أنها أحلت لغيره أن يتزوجها، وانتهت عدتها. أيضاً لا يجوز له أن يرجع، معنى يرجعها بعد ذلك، معنى ليست له. معنى إذا انتهت عدتها على ثلاث الحيض: انفصل عن هذا النكاح، انقطع، ما تكون بعد ذلك زوجته. أما في العدة فيجوز له أن يرجعها. وأما إذا انتهت العدة فتكون بائناً عليه. فإن أرادت، فإن أراد أن يرجعها وهي رضيت بذلك، ترجع بمهر جديد وعقد جديد، بمهر جديد وعقد جديد، إلا إن كانت الطلقة الثالثة، فلابد أن تنكح زوجاً غيره بعد ذلك. إذا طلقها ذلك الزوج وأراد أن يرجع لها ترجع. فلذلك فإذا قالت وكذبت في كلامها، وأنها حاضت ثلاث حيض وهي لم تحض، معنى ذلك أنها ارتكبت محذوراً عظيماً، وهو أنها حرمت نفسها على زوجها، وأباحت نفسها لغيرها، وأباحت نفسها لغيرها. وهذا حكم عظيم، فالذي يأتيها وهي في العدة يعتبر زنا، ما يعتبر، والعقد باطل، العقد يعتبر باطلاً. فلذلك فهي تتحمل هذه التبعات. قال: وما يتفرع عن ذلك من الشر كما ذكرنا. وإن كذبت وأخبرت بعدم وجود الحيض لتطول العدة، فتأخذ منه نفقة غير واجب عليه، بل هي سحت عليها محرمة من جهتين: إذا كان مثلاً الثلاث حيض انتهت، لكن هي تكذب، تقول: الحيض لم يأتِ بعد، لأجل أن تطول المدة لأجل النفقة. فقال رحمه الله: فهذا سحت عليها محرمة من جهتين: من كونها لا تستحقه، لأنها لو بانت انتهت عدة وخلاص بانت، ما عليها نفقة عليها. ومن كونها نسبته إلى حكم الشرع وهي كاذبة. معنى النفقة على أنها نفقة شرعية وهي كاذبة في ذلك؛ لأنها كذبت ولم تخبر بالحق الذي حصل لها، وأنه قد انتهى حيضها، وإنما قالت: إن الحيض لم ينتهِ، أو لم يأتِها الحيض بعد، وتأخرت العادة، وكذا، وهي كاذبة في ذلك. فهي كما قال المؤلف هنا: فهذه النفقة تكون عليها سحتاً من جهتين: من كونها لا تستحقه، ومن كونها نسبته إلى حكم الشرع وهي كاذبة. وكذلك أيضاً، وكذلك أيضاً حرمت عليه، أو حرمت على غيرها نكاحها؛ لأنها الآن تدعي أن عدتها لم تنتهِ. قال: وربما راجعها. قال: ومن كونها نسبت إلى حكم الشرع وهي كاذبة، وربما راجعها بعد انقضاء العدة، فيكون ذلك سفاحاً لكونها أجنبية منه. معنى ذلك: أن هذا متى؟ إذا قالت: إن العدة قد انتهت، أو أن العدة باقي، أقصر؟ معنى: إذا قالت: إن العدة، أو أن الحيض تأخر، فراجعها، فالآن ارتكبت محذوراً عظيماً أيضاً، وهي أن زوجها، أو أن هذا الرجل يأتيها وهي لا تحل له؛ لأنها قضت عدتها التي كانت له ولم يراجعها. فإن راجعها في هذه الفترة التي كذبت فيها، أنها قالت: تأخرت العادة الثالثة، مثلاً الحيضة الثالثة، وهي قد جاءتها، لكن هي تكذب، تقول: تأخرت، لعجل النفقة مثلاً. فالآن معنى ذلك: أنها، أو أنها تريد هذا الزوج أن يراجعها مثلاً، أراد أن يراجعها، لكن أخبر أن العدة قد، قد تكون انتهت، فقالت: لا، الحيضة الثالثة لم تَعُد. معنى كذبت. فهنا إذا راجعها فهي يعتبر سفاح، زنا، ما تعتبر زوجته. وهذه التي تتحمل تبعات هذا الأمر. فإذا جاء مثلاً منهم أولاد في هذه الفترة، يعتبرون أولاد زنا بالنسبة لها وهي تعرف، أما الزوج فهو لا يدري. فلذلك فتبعات كذب المرأة في هذا عظيمة. ولأن الأمر في كشف هذه الأمور، أو كشف على المرأة، يكون أيضاً فساداً. فجعل الله عز وجل هذه الأمور للمرأة، فقال: ﴿ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾. ثم قال رحمه الله: فلذلك قال جل وعلا، وذكر الآية، ثم قال: فصدور الكتمان منهن دليل على عدم إيمانهن بالله واليوم الآخر. وإلا فلو آمن بالله واليوم الآخر، أو فلو أمن بالله واليوم الآخر، وعرفنا أنهن مجزيات عن أعمالهن، لم يصدر منهن شيء من ذلك. وقال: في ذلك دليل على قبول خبر المرأة عما تخبر به عن نفسها من الأمر الذي لا يطلع عليه غيرها، كالحمل والحيض ونحوهما. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في الإرضاع: «كيف وقد قيل». لأن هذه الأمور تتعلق بالمرأة. فالأمر الذي يتعلق بالمرأة، كما ذكر الحافظ ابن رجب في القواعد، وكذلك ذكره السعدي: أن الأمور التي تتعلق بالمرأة فهي مصدقة فيها، فهي مصدقة فيها. واستدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كيف وقد قيل»، وأيضاً بهذه الآية: ﴿ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾. طيب، إن شاء الله أكتفي بهذا، ونكمل في الدرس اللاحق. الحمد لله رب العالمين.