الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 71، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يرى الشيخ السعدي أن آية الوصية بالبقاء حولاً لم تنسخها آية العدة، بل تكاملتا؛ الأولى وصية مستحبة لإكرام الزوجة بتركها في بيتها سنة، والثانية فرض واجب على المرأة بالتربص أربعة أشهر وعشرة أيام.
يشرح المقطع أحكام الإحداد خلال العدة، مبيناً ما يحرم من الزينة والطيب وما يباح من الدهون الطبيعية، ويرد العادات المبتدعة كاختصاص السواد والحبس في البيت. ويؤكد أن نقض العدة بالخروج ليس له أصل في الشرع.
يبيّن المقطع أن العدة لا تنتقض برؤية رجل أو شمس، بل تستمر أربعة أشهر وعشرة أيام، وأن الإحداد واجب على الزوجة فقط. ويحرم على غير الزوجة الإحداد فوق ثلاث ليال مستدلاً بأحاديث صحيحة وآية قرآنية.
يجوز للمرأة أن تتزين وتستخدم الحناء والكحل بعد انتهاء عدتها التي تبلغ أربعة أشهر وعشراً. أما خلال فترة العدة فلا يحل لها استعمال الزينة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال العلامة السعدي رحمه الله: عند قول الله جل وعلا: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾. قال رحمه الله: اشتهر عند كثير من المفسرين أن هذه الآية الكريمة نسختها الآية التي قبلها، وهي قوله جل وعلا: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ﴾. وأن الأمر كان على الزوجة أن تتربص حولاً كاملاً، ثم نسخ بأربعة أشهر وعشرة. ويجيبون عن تقدم الآية الناسخة: أن ذلك تقدم في الوضع لا في النزول، لأن شرط الناسخ أن يتأخر عن المنسوخ. وهذا القول لا دليل عليه. ومن تأمل الآيتين اتضح له أن القول الآخر في الآية هو الصواب، وأن الآية الأولى في وجوب التربص أربعة أشهر وعشرة على وجه التحتم على المرأة. وأما في هذه الآية فإنها وصية لأهل الميت أن يبقوا زوجة ميتهم عندهم حولاً كاملاً، جبراً لخاطرها وبراً بيمين بميتهم. وهذا اجتهاد من الشيخ رحمه الله لأجل التوفيق بين الآيتين، لأنه صحيح لم يثبت أن هذه الآية كانت قبل تلك الآية، وإنما قال العلماء هذا لما رأوا من تعارض بين الآيتين أو ظاهر التعارض، فقالوا: تلك نسخت هذه. لكن إن كان هناك جمع فهو أولى من النسخ، لأن النسخ لابد أن يدل عليه دليل. فأبان الشيخ رحمه الله أن هذه الآية ليس المراد بها العدة، ليس المراد بها عدة الوفاة مثل التي تقدمت، وإنما هنا المراد بها الوصية لأهل البيت أنهم يتركوا زوجة الميت في بيتهم حولاً كاملاً إكراماً لميتهم. وليس كما ظنه بعضهم أنها تجلس بعد الأربعة أشهر وعشرة أيضاً في هذا الوقت إلى سنة، تكون أيضاً لا تخرج، لكن لها أن تلبس بعض الألبسة كما يفعله كثير من النساء في هذه البلدة أو في غيرهم. فهذا أيضاً ليس المقصود. ولهذا قالوا: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا ﴾، فعلاً يموتون، يتوفاهم الله ويذرون أزواجاً، فعلاً يتركون زوجات. فقال: ﴿ وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ﴾، من باب الإكرام، ومن باب أيضاً رد الجميل لهذه المرأة أنها بقيت مع ميتهم، أنهم يتركون تتمتع إلى الحول غير إخراج، أي لا يخرجونها، يجلسونها في بيت زوجها، لا ينبغي لهم أن يخرجوها. ثم قال: ﴿ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ ﴾. قوله: ﴿ وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم ﴾، أي وصية من الله لأهل الميت أن يستوصوا بزوجته ويمتعوها ولا يخرجوها. فإن راغبت أقامت في وصيتها، وإن أحبت الخروج فلا حرج عليها. ولهذا قال: ﴿ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ ﴾، أي من التجمل واللباس. لكن الشرط أن يكون بالمعروف الذي لا يخرجها عن حدود الدين. والاعتبار أنا بالمعروف، أي بما هو معروف في الشرع واللغة، أو في الشرع والعادة والعرف. لا ينبغي لها أن تتكشف وتتبرج. قالوا: ختم الآية بهذين الاسمين العظيمين الدالين على كمال العزة وكمال الحكمة، لأن هذه أحكام صدرت عن عزته، ودلت على كمال حكمته حيث وضعها في مواضعها اللائقة بها. فلهذا فالمرأة هنا ليس المراد أنها تعتد سنة وتحد على ميتها سنة، لا. فالإحداد لا يجوز على ميت من زوجته معنى بعد أربعة أشهر وعشرة، كما تقدم معنى في الآية التي تقدمت. ومعنى الإحداد: هي ترك الزينة، أن المرأة تترك الزينة لموت زوجها، تترك الزينة أربعة أشهر وعشرة، لا تلبس لباس زينة، ولا تكتحل، ولا تتعطر، ولا تمس شيئاً من الصوابين التي فيها عطر، وكذلك الدهون أو الزيوت التي فيها عطر، أنها لا تدهن بزيت معطر، بل تدهن بالزيوت الطبيعية، مثل زيت السمسم، زيت الزيتون، وغيرها. فلها أن تدهن به إذا كان هذا الدهن ليس على سبيل الزينة، أن تدهن به ليس على سبيل الزينة وإنما لأجل أن لا يتجعد شعرها، فهذا جائز. أيضاً تدهن جسمها لأجل البرد وغيرها من هذه، فهذا لا شيء فيه. أما لأجل الزينة فلا يجوز، لا تتزين بشيء سواء كان عطراً أو دهناً أو غيرها من الألبسة. وكل ما كان فيه زينة للمرأة فإنها تتركه. وهذا بحسب العرف، أحياناً قد يكون لباس عند أناس يعتبر زينة، ولباس عند المجتمعات الأخرى ليس بزينة، وإنما يعتبر مما تكون عادة النساء تلبسه، عادة النساء تلبسه. وعن مسألة السواد، فهو مما لا دليل عليه، أنها تلبس السواد، أو أنها تجلس في مكان واحد لا تتحرك منه يمنة ولا يسرة. هذا ليس أيضاً من الأشياء التي جاءت في الإسلام. أو أنها لا تخرج للشمس كما يقولون، بل بعضهم يقول: أن خروجها للشمس ينقض عدتها. وهذا أيضاً كلام باطل. ومسألة نقض العدة هذا ليس موجوداً في الشرع. الآن عند كثير من النساء شيء يسمونه نقض العدة، على أن العدة يقولون: انتقضت إذا رأت رجلاً، أو رأت الشمس، أو رآها رجل، أو حتى صبي أحياناً مميز، يقولون: العدة انتقضت، تعتد مرة أخرى. هذا كلام غير صحيح. فالعدة لا تنتقض أبداً بشيء. قد يكون هناك أشياء محرمة وهي زينة مثلاً في وقت العدة، فهذه أشياء محرمة، لكن لا تنقض العدة، لا تنقض العدة، بل العدة تستمر أربعة أشهر وعشرة. هذا الإحداد للزوجة. أما غير الزوجة فلا يجوز، لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج، أربعة أشهر وعشرة. وجاء في الصحيحين حديث زينب، وكذلك جاء من حديث أم سلمة وغيرها من الصحابة. فالنبي عليه الصلاة والسلام بين أن المرأة ليست على إيمان... لا تؤمن امرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث. فقال العلماء: أن الإحداد على الميت واجب، أي من زوجته واجب من زوجته. أما غير الزوجة فليس بواجب، حتى ابنته ليس واجب عليها أن تحد على أبيها. إن حدت على أبيها فهو جائز، وإن لم تحد فهو أيضاً كذلك جائز. فالآن تجد أن هذه عادات الناس كثيرة في هذا الباب، حتى أن المرأة تجلس، أو بعض النساء ليس لهن علاقة بهذا الرجل، فتقول: نؤازر امرأة، فتمتنع عن الزينة. بل بعضهم يمتنع أربعة أشهر وعشرة كأنها زوجته. هذا كله مما لا يجوز. بل النبي عليه الصلاة والسلام ذكر أنها إن كانت هذه المرأة تؤمن بالله واليوم الآخر فلا تحد على ميت فوق ثلاث، إلا الزوجة على زوجها أربعة أشهر وعشرة. فهذا يعتبر من الباطل، وأيضاً من الأشياء المحرمة، وهو الإحداد أكثر من ثلاثة أيام لغير الزوجة. وهل الرجل يحد؟ هل إحداد يكون للرجل؟ ذكر بعض الفقهاء أن، وإن كان لم يأت في الشرع شيء من هذا، لكن ممكن أنه يحد عنه من باب الحزن فقط، إحداده من باب أنه يحزن على ميت، فمثلا يبكي أو كذا. وعن الإحداد كإحداد المرأة، فهذا لم يأت في الرجل. ولهذا كما قلنا: أن حتى المرأة غير الزوجة مباح أن يجوز لها أنها تحد، لكن لا يكون أكثر من ثلاثة أيام أو ليالي. وقال الله عز وجل: ﴿ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ ﴾، من التزيين واللباس والتجمل وغيرها. وهل معنى ذلك أنهن إذا كن في بيت زوجهن لا يفعلن ذلك؟ لا، بل يجوز أن تفعل، أنها تتزين وتستعمل مثلاً الحناء، تستعمل الكحل بعد انتهاء العدة، أربعة أشهر وعشر. إذا انتهت العدة، أما قبل الانتهاء لا يجوز، لا يجوز أن تستعمل الزينة في وقت عدتها. طيب، هذا ما يذكر الله تعالى عنه.