تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 70

تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 70

الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 70، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير آيات حفظ الصلاة والصلاة الوسطى

يشرح المقطع تفسير آية حفظ الصلاة والصلاة الوسطى مبيناً أن القنوت هو دوام الطاعة مع الخشوع، ومستدلاً بأحاديث النهي عن الكلام في الصلاة وإجماع العلماء على بطلانها به. كما يفسر آية صلاة الخوف مبيناً سقوط القيام فيها وأصل وجوب القيام في الفريضة واستثناؤه في النافلة والمرض والعجز.

رخص الصلاة للمريض والخائف وسقوطها

يبين المقطع رخصة الصلاة جالساً للمريض العاجز عن القيام أو المشقة الشديدة مع حصول أجر القائم، كما يستعرض رخص صلاة الخوف وقصرها وسقوط بعض أركانها عند شدة الخوف. ويؤكد أن الصلاة لا تسقط عن المكلف بحال إلا إذا زال عقله أو أغمي عليه وهو قول الجمهور.

أحكام صلاة الخوف والركبان وذكر الله

يشرح المقطع أحكام صلاة الخوف للماشي والراكب مجيزاً الصلاة على المركوبات الحديثة مع الإيماء بالسجود وترك الاستقبال عند العجز. ويبين أن الأمر بذكر الله عند الأمن يقتضي الإكثار من الذكر شكراً على نعمة الأمن والعلم وسبباً لتيسير العلوم النافعة.

فضل الشكر على زيادة العلم والفوائد

يشير المقطع إلى أن الإكثار من ذكر الله وشكره يجلب زيادة في العلوم والفوائد مستدلاً بقوله تعالى: ﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ﴾. فعندما يشكر طالب العلم ربه على ما أنعم به يزده الله بمزيد من المسائل والفوائد.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فنازلنا في قول الله جل وعلا، وتفسير قول الله جل وعلا: ﴿ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴾ [البقرة: 238]، ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 239]. وقوله: ﴿ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴾، قال المفسرون: أي داعين، مخلصين، خاشعين؛ فإن القنوت: دوام الطاعة مع الخشوع. ولهذا جاء في حديث زيد بن أرقم في الصحيحين: أن النبي عليه الصلاة والسلام لما نزلت هذه الآية، أو قال: لما نزلت هذه الآية، أمرنا بالسكوت، وجاء في رواية مسلم: ونهينا عن الكلام، ونهينا عن الكلام. استدل بهذا الحديث العلماء على بطلان صلاة من تكلم في الصلاة، من تكلم في الصلاة. وجاء في حديث ابن مسعود: «إن في الصلاة لشغلاً»، وجاء في رواية لأبي داود وأحمد: «إن الله يحدث في الصلاة ما يشاء»، وقال: «إن الله يحدث ما يشاء، وقد أحدث أن لا تتكلموا في الصلاة»، وغير ذلك من الأحاديث التي جاءت في النهي عن الكلام في الصلاة. ولهذا أجمع العلماء على أن الكلام في الصلاة مبطل، يبطل الصلاة، لكن اختلفوا في بعض المسائل: هل هي داخلة في الكلام أو ليست داخلة؟ هل هي داخلة في الكلام أو ليست بداخلة؟ وذكر الإمام من القدامى الإجماع، كذلك ذكره النووي في المجموع: على أن الضحك إذا كان فيه قهقهة فهو مبطل للصلاة؛ لأنه يعتبر مثل الكلام. وطرد هذا الإمام الشافعي، أن جعله أصلاً له، فجعل كل ما يكون كلاماً فأخرج منه حرفين، يعتبر عنده كلاماً، مثل: النحنحة، التنحنح، مثلاً في الصلاة، أيضاً البكاء، أيضاً التثاؤب إذا أخرج صوتاً، مثلاً قال: «ها»، عنده مبطل للصلاة. وعند أحمد: أن هذا لا يسمى كلاماً في لغة العرب، ولا في عرف الناس ما يسمى كلاماً. ولهذا جاء البكاء عن النبي عليه الصلاة والسلام، وإن كان البكاء الذي يريد أو الذي يقول عليه الشافعي أنه يبطل، الذي يخرج الحروف. وبكاء النبي عليه الصلاة والسلام لا يخرج شيئاً من الحروف عليه الصلاة والسلام، وإنما كان بكاؤه أزيزاً كأزيز المرجل، كما في حديث عبد الله بن الشخير، وأيضاً كان بكاؤه دون صوت، مثل ما جاء في حديث عبد الله بن مسعود، لما قال له: «اقرأ»، قال: «أقرأ وعليك أنزل يا رسول الله؟» قال: «اقرأ، فإني أحب أن أسمعه من غيري»، قال: فقرأت عليه من سورة النساء حتى إذا بلغت: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ﴾ [النساء: 41]، قال: «حسبك»، قال: فنظرت إليه، فإذا عيناه تذرفان. وجاءت أحاديث كثيرة في بكاء النبي عليه الصلاة والسلام، أنه كان بدون صوت. ولهذا يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: إن بكاء النبي عليه الصلاة والسلام كضحكه، بكاء النبي عليه الصلاة والسلام كضحكه، مثل ما يضحك فهو لا يضحك قهقهة، وإنما ضحكه تبسم، ابتسامة، فكذلك أيضاً بكاؤه لا يخرج صوتاً. لكن هل إذا أخرج صوتاً، أي البكاء، يعتبر باطلاً؟ فالظاهر أنه ليس بباطل، لا يبطل، كما قال الإمام أحمد؛ لأنه لا يسمى كلاماً، لا يسمى كلاماً، فالعبرة بما يسمى كلاماً، العبرة بما يسمى كلاماً، وليس العبرة بإخراج حرفين أو ثلاثة. فكذلك التثاؤب، والتحمه، أو التنحنح، كله ليس بمبطل على الصحيح؛ لأنه ليس بكلام. قال رحمه الله: وقوله: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا ﴾، حذف المتعلق، لأعم الخوف من العدو، والسبع، وفوات ما يتضرر العبد فوته. ﴿ فَصَلُّوا ﴾، ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ ﴾، أي: أخافكم عدو، أو أخافكم حيوان، أو أخافكم شيئاً من هذه الأمور التي يتضرر بها العبد، قال: ﴿ فَصَلُّوا رِجَالًا ﴾، ماشين على أرجلكم، ولو كنتم تمشون، ﴿ أَوْ رُكْبَانًا ﴾، على الخيل والإبل وسائر المركوبات. وفي هذه الحال لا يلزمه الاستقبال، فهذه صفة صلاة المعذور بالخوف، فإذا حصل الأمن صلى صلاة كاملة. فهذا دليل على صلاة الخوف، وأن صلاة الخوف يسقط معها القيام. ﴿ فَلَمَّا قَامُوا وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴾، أي: في صلاتكم، أوجب الله عز وجل القيام في الصلاة، لكن يسقط هذا القيام، أو يستثنى عدة حالات، أو تسقط عدة حالات، فلا يجب فيها القيام، وإلا الأصل أنه واجب. ﴿ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴾، في حديث عمران الذي في البخاري: «صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب». فهذه الأحاديث أخذ العلماء أن القيام ركن من أركان الصلاة، لكن في الفريضة، لكن في الفريضة عند عامة العلماء. لهذا فَالقيام في الفريضة يستثنى في حالات: أولاً: في النافلة، في النافلة يستثنى. كذلك أيضاً في المرض، فإذا لم تستطع فجالساً، أو فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب. فأيضاً يرخص لمن كان مريضاً لا يستطيع، العاجز عن القيام، أو يجد مشقة شديدة في القيام، يجد مشقة شديدة في القيام، فانه إذا قام وتكلف نفسه على القيام، فله أجر كامل، أو ضعف أجر الصحيح، فإن جلس فله أجر القائم؛ لأنه معذور، لأنه معذور. وقد جاء في الصحيحين في حديث أنس وغيره، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «صلاة الجالس نصف صلاة القائم»، نصف صلاة القائم، أي أجره. لكن قال العلماء: إن المراد إذا كان يستطيع القيام لكن بمشقة شديدة، فإذا قام فانه يتحصل على ضعف الأجر لقيامه ولمشقته، لتحمله المشقة، فإن صلى جالساً فله أجر القائم؛ لأنه معذور بهذا. قال الإمام الخطابي رحمه الله، واستحسنه الحافظ ابن حجر، وكذلك الشيخ الألباني رحمة الله عليه، وهو توجيه للأحاديث صحيح، فبدل أن نحمله على النافلة فقط، أيضاً نحمله على المريض؛ لأنه قد جاء عند أحمد، وأيضاً عند البزار والطبري، أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على قوم مرضى، فقال لهم: «هذا صلاة القائم»، أو قال: «صلاة القاعد على نصف من صلاة القائم»، نصف من صلاة القائم. لهذا تسقط في المرض بالعجز. ومن ذلك أيضاً من تلك المواضع: إذا خاف، إذا خاف بعدو، مثلاً مثل من يفعلون مثلاً الآن، يجلسون عند سترة، يتسترون بها، لأجل أن لا يقع فيهم رصاص العدو، سلاحه، فيجعل له سترة، فإذا قام ممكن أن يصيبوه، فيصلي وهو جالس. كذلك أيضاً إذا خاف أن يسقط من على سفينة، من مثلاً رياح شديدة، وهو على مكان مرتفع، أو كذلك على مركوب، أو على غيرها، فإذا خاف على نفسه يسقط، فانه كذلك يصلي جالساً. أو إنسان مثلاً كما قلنا مريض، عنده مثلاً نوبة، ويغيب، معناه: إذا يغمى عليه، إذا مثلاً صار قائماً مدة أو فترة سيغمى عليه، وهو يجلس، وهكذا. طيب، أيضاً كذلك إذا خاف العدو، وخاف أيضاً أن يقع شيء، ولهذا شرعت صلاة الخوف، شرعت صلاة الخوف، وهو قول أكثر العلماء. وأما ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام في غزوة خيبر، أنه لم يصل إلا بعد المغرب، صلى الظهر والعصر، وفي رواية الصحيحين: صلى العصر والمغرب والعشاء، فهذا كان قبل أن ينزل الله عز وجل عليه، وأن يوحي إليه بصلاة الخوف، لأن هذا في غزوة خيبر، صلاة الخوف نزلت في غزوة ذات الرقاع، فهذا متأخرة عنها. لهذا فلا عذر أن يؤخر الصلاة إلى وقت المغرب، مثلاً وقت صلاة الظهر والعصر، لا يجوز له أن يؤخرها إلى المغرب، بل يصليها، يجمع الظهر والعصر، إن لم يستطع أن يصلي كل الصلاة في وقتها. لهذا أيضاً سقطت حتى الأفعال. قول الله عز وجل: ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ [النساء: 101]، ﴿ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾، هذه الآية، الصحيح من قولها العلماء: أنها نزلت في قصر الصلاة، قصر الصلاة من ناحية العدد، ومن ناحية الصفة، من ناحية الصفة. لهذا قال: ﴿ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾، لهذا فأيضاً حتى صفة الصلاةحياناً تقصر، إما بتخفيف القراءة، بل حتى أحياناً بترك بعض الأركان. ولهذا جاء في حديث عبد الله بن عمر، طريق مالك عن نافع عن ابن عمر، قال نافع، وقال عبد الله بن عمر: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا ﴾، قال: مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، قال: فإذا اشتد الخوف أكثر من ذلك، فإنما هو التكبير والإشارة بالرأس، قال: إذا اشتد الخوف أكثر من ذلك، فإنما هو التكبير والإشارة بالرأس. فتبين من هذا أنه في الخوفحياناً تسقط حتى الأركان، لكن الصلاة لابد أن يصليها. ومن هذا أقض العلماء بعمومات هذه الأدلة على أن الصلاة لا تسقط بحال، إلا إذا لم يستطع أن يصلي، بمعنى أنه غشي عليه. أما ما دام أن عقله فيه وقلبه حي، فإنه لا بد أن يصلي، فهذا قول جمهور العلماء، قالوا: الصلاة لا تسقط، حتى يصلي بعينيه، حتى يصلي بعينيه. وذهب الحنفية إلى أنه إن لم يستطع أن يحرك رأسه، فإنها تسقط عنه الصلاة، واستدل بحديث عمران، وهو أقرب من ناحية الاستدلال، لكن من نظر إلى الأدلة العامة التي تذكر في صلاة الخوف في غيره، يتبين له أن الصلاة لا تسقط بحال، إلا إذا ذهب عقل الإنسان، أو غشي عليه، فهنا لا يصلي. لكن إذا مثلاً لم يستطع أن يحرك رأسه، لكن استطاع أن يحرك عينيه، يصلي، يصلي بقلبه. وإن لم يصلي، وأخذ بقول الآخرين، بقول الآخرين من علماء الحنفية وغيرهم، فهذا لا بأس، لكن أن استدلالهم قوي، استدلالهم قوي. قال: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا ﴾، رجالاً، قال: ماشين، أنا حتى لو كان يمشي، إذا اضطر إلى هذا، لأنه مثلاً إذا بقي ممكن أن العدو يأتيه، فيصلي وهو ماشٍ. وجاء حديث في المشي في الصلاة، من حديث عبد الله بن أنيس، لكن الحديث فيه ابنه، وهو لم يعرفه العلماء، ابن عبد الله بن أنيس لم يعرفه العلماء، ولم يأت من طريق أخرى يدل عليه، وهو أنه لما أمره النبي صلى الله عليه وسلم بقتل رجل من المنافقين، وقال له: «معنى تكون في وقت كذا في ذلك المكان»، فأسرع، فجاء وقت صلاة العصر وهو يمشي، فصلاها وهو يمشي. لكن الحديث كما قلنا في إسناده، لكن العمل صحيح، أنه إذا خاف مثلاً من عدو، أو خشي أن يذهب عليه الوقت، وهو لا يستطيع مثلاً أن يقف، فإنه يصلي. لهذا أجاز العلماء الصلاة في الطائرة، أجاز العلماء الصلاة في الطائرة، إذا خاف الإنسان الوقت، أما إذا لم يخف الوقت، فإنه يصلي إذا نزل، وإذا استطاع أن يصلي وهو قائم في الطائرة، فهذا واجب، وإلا جلس. طيب، قال: قالوا: ركباناً، أي على الخيل والإبل ووسائل المركوبات. لهذا أيضاً يصلي الرجل وهو على مركوب، على ناقته، على سيارته، يصلي النافلة، كما جاء النبي صلى الله عليه وسلم في السفر. واختلفوا من حضر، هل يصلي أو لا؟ فلم يأت شيء صريح إلا في صلاة الخوف، وأما في صلاة النافلة بدون خوف، لم يأت شيء صريح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعل ذلك في الحضر، لكن لها قواعد عامة، فأخذ بذلك بعض الأئمة، على أنها عامة، ولم يفصل النبي صلى الله عليه وسلم في سفر أو في غيره. لهذا فإذا كان راكباً صلى أي نافلة، وإذا أراد أن يصلي الفريضة ينزل ويصلي الفريضة. أيضاً كذلك ما نقل هنا: ﴿ أَوْ رُكْبَانًا ﴾، أي على الخيل والإبل وسائر المركوبات، تدخل منها هذه المركوبات الحديثة. وفي هذه الحالة لا يلزمه الاستقبال، فهذه صفة صلاة المعذور بالخوف، فإذا حصل الأمن صلى صلاة كاملة. ويدخلوا في قوله: ﴿ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ ﴾، لهذا فيصلي صلاة السفر مثلاً إذا كان مركوباً، أو حتى على الحضر، على قول كثير من العلماء. أيضاً تجد أنه يترك بعض الأركان، كالسجود مثلاً، فيومئ إيماءً برأسه، يومئ إيماءً برأسه، حتى لو كان إنسان في السيارة، وأرى مثلاً سيخرج عليه وقت النافلة، يصلي وهو في السيارة، سواء كانت السيارة مستقبل القبلة أو غير مستقبلها، فإن النبي عليه الصلاة والسلام أجاز هذا، لكن إن استطاع أن يستقبل القبلة فهو أولى. قال: ﴿ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ ﴾، أي: تكميل الصلوات، ويدخل فيه أيضاً الكثار من ذكر الله، شكراً له على نعمه، نعمة الأمن، وعلى نعمة التعليم، لما فيه سعادة العبد. ﴿ فَإِذَا أَمِنْتُمْ ﴾، ﴿ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ ﴾، أنا إذا جاءكم الأمن، فاذكروا الله، وليس المراد: اذكروا الله مرة، عما ذهب عليكم، لا، وإنما المراد: أن نذكر الله عز وجل كثيراً، تعويضاً، وأيضاً كذلك استكمال ما قد ذهب من الأركان، ومن غيرها من النقص. وهنا قول: ﴿ فَاذْكُرُوا اللَّهَ ﴾، يدخل فيه التحميد، والتسبيح، والتكبير، والتهليل، والاستغفار، والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، فكل هذا من ذكر الله. قالوا في الآية الكريمة: فضيلة العلم، وأن على من علمه الله ما لم يكن يعلم، الإكثار من ذكر الله؛ لأن الله عز وجل قال: ﴿ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴾، لهذا يذكر الله عز وجل، المسلم يشكر الله أن تعلم مسألة من مسائل العلم، تعلم شيئاً في التوحيد، تعلم شيئاً في الفقه، هذه نعمة عظيمة، يشكر الله عز وجل عليها، أن جعله طالب علم، يطلب علم الكتاب والسنة. قالوا: فيه إشارة أيضاً، أن الإكثار من ذكره سبب لتعليم علوم أخر، أن إذا ذكر الله عز وجل العبد كثيراً، علمه ما لم يكن يعلم. أن ليس معنا ذلك كما يقوله الصوفية، من الإلهام، أو الذوق، أو الكشف، لا، المراد: أنه يوفقه الله عز وجل لعلوم ما كان يعلمها، كلما كان ذاكراً لله، كلما أعلمه الله عز وجل من هذه العلوم، وأعانه، أعانه على العلم، وحفظه لذلك العلم، ويسر له هذا العلم. وكما قال الله عز وجل: ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ﴾ [القمر: 17]، أنا كلما قرأت القرآن، كلما تيسر لك هذا القرآن، تيسر لك أيضاً غيره، مما هو متعلق به. قالوا: فيه الإشارة أيضاً، أن الإكثار من ذكره يسبب لتعليم علوم أخر، لأن الشكر مقرون بالمزيد، ﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ﴾ [إبراهيم: 7]، فكلما انشكر، إذا شكر طالب العلم ربه جل وعلا، على ما أنعم عليه من هذه الفوائد والمسائل، زاده الله عز وجل بهذه المسائل والفوائد. فهذا إن شاء الله تعالى ما ذكره المؤلف، وما يذكر في هذه الآية، فنكتفي بها، والله تعالى أعلم.