الدرس في شرح منظومة السير إلى الله والدار الآخرة للعلامة السعدي 13، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
الإحسان هو مرتبة عظيمة في الدين تتضمن إتقان الظاهر والباطن ومعاملة الخلق والخالق بإحسان. يترتب على الإحسان محبة الله ومعيته للعبد.
الإحسان مع الخالق قائم على مرتبتين: الإحسان المجزء وهو الإخلاص والمتابعة، والإحسان المستحب وهو مقام المشاهدة والمطالعة. يتضمن ذلك مراقبة الله تعالى في العبادات.
يتحقق الإحسان في العبادة بإخلاصها ومتابعتها على الوجه الواجب أو المستحب، ويتضمن مقامي المراقبة والمشاهدة. من حقق مقام الإحسان نال المنزلة العليا والأجور العلية.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، مواصلة في منظومة السير إلى الله وإلى الدار الآخرة، قال إمام السعدي رحمه الله تعالى: «عبد الإله على اعتقاد حضوره فتبوأوا في منزل الإحسان». في هذا البيت يذكر الناظم رحمه الله تعالى منزلة الإحسان، والتي تعتبر من خواص مراتب الدين، إذ أن مراتب الدين ثلاثة، أوسعها الإسلام، ثم الأوسط الإيمان، ثم الأخص الإحسان. فالإحسان هي المرتبة العظيمة من مراتب الدين. وقوله رحمه الله تعالى: «عبد الإله»، إذن الضمير في قوله «عبد» أي هؤلاء الخلص، لأن قد ذكرنا وقد ذكر العلماء أن أهل الملة هم على مراتب ثلاثة، منهم المسلم، ومنهم المؤمن، ومنهم المحسن. فأخص هؤلاء أهل الإحسان الذين استطاعوا أن يصبروا على هذا المقام العظيم الذي سيأتي معنا ما هو ضابطه. ولعظم مقام الإحسان ولعلو منزلة المحسنين، فإن الله جل وعلا أعطاهم من الأجر ما لم يعط أحدا من العالمين، لأنهم احتلوا أو وصلوا إلى مرتبة عليا في الدين. فهؤلاء تتنزل عليهم محبة الله جل وعلا، والله يحب المحسنين، الله يحبهم، يختارهم من سائر خلقه، فيصطفيهم بمقام المحبة. وما ظنك بعبد يحبه الله؟ فالله عز وجل يسر أموره، ويجعل له من كل ضيق مخرجا، ومن كل هم فرجا. وأن الله عز وجل يدفع عنه ويرزقه ويسر أمره إلى آخر تلك الآثار من آثار المحبة. وأيضا من فضل الله عز وجل على المحسنين أن الله عز وجل يشملهم بمعيته، «إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون»، مع المحسنين، سبحانه وتعالى معهم، يؤيدهم، يناصرهم جل وعلا، «إني معكما أسمع وأرى». وما ظنك بعبد الله معه؟ من هذا الذي يضره؟ ومن هذا الذي يؤذيه؟ لا أحد، فالله عز وجل حافظه، والله ناصره. الشاهد إخواني في الله أن الله عز وجل أعطى لأهل الإحسان منزلة عليا، لأنهم وصلوا إلى هذه المنزلة، تعدوا مسألة الإسلام، ووصلوا إلى مرتبة الإيمان، حتى وصلوا إلى مقام الإحسان. فهذا إخواني في الله في قول الناظم: «عبد الإله على اعتقاد حضوره»، وهذا سيأتي معنى ما المقصود «على اعتقاد حضوره». قال: «فتبوأوا منزل الإحسان». الإحسان مقام من مقامات الدين، ما معنى الإحسان؟ للعلماء عدة تعاريف لهذا المقام السامي ولهذا المنزل العلي. ومن أشمل وأفضل التعاريف في ضبط مقام الإحسان، قال العلماء: هو الإتقان، بمعنى أدق هو إتقان الظاهر والباطن، هذا هو الإحسان، الإتقان للظاهر والباطن، لظاهرك ولباطنك. لما كانت مراتب الدين ثلاثة كما أسلفنا، أولاها الإسلام، والإسلام يعتني بالعمل الظاهر، ثم الإيمان، وهو الذي يعتني بالأمر الباطن، يأتي الأعلى والأغلى وهو الإحسان، وهو الشامل للمرتبتين، فهو إتقان للظاهر وللباطن، إتقان للظاهر والباطن، فهذا هو من أشمل التعاريف في معرفة ضابط الإحسان، وهو الإتقان للظاهر والباطن. فمن صنع ذلك فهو محسن. وهنا تأتي مسألة تتفرع عن هذه المسألة، وهي من أهم المسائل في مقام الإحسان، قسمه العلماء إلى قسمين اثنين. ولابد يا عبد الله أن تتعرف على مراتب وأقسام الإحسان. أقسام الإحسان ينقسم إلى إحسان مع الخلق وإحسان مع الخالق. أما الإحسان مع الخلق، وهذا يكون في باب المعاملات، أن تعاشر الناس في باب العلاقات، في باب المعاملات، أن تحسن مع الناس كما قال ربنا: «وأحسن كما أحسن الله إليك»، أي أحسن إلى الناس كما أن الله أحسن إليك. وقال الله: «وبالوالدين إحسانا». فالإحسان يكون في التعامل مع الناس. وكما قال القائل: «وحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم»، فلطالما استعبد الإنسان إحسانا، فالإحسان به تستعبد القلوب، يكون لك الظفر والظهور. وهذا المقام الإحسان مع الناس، ضابطه كما قال العلماء: هو بذل الندى، وكف الأذى، وطلاقة الوجه. إذا أردت أن تعرف أنك محسن مع الناس، تأمل في هذه الركائز الثلاث، إحسانك مع الناس يكون ببذل الندى، وبكف الأذى، وبطلاقة الوجه. بذل الندى بمعنى بذل الخير والمعروف، وكف الأذى أن تكف شرك عن الناس، وطلاقة الوجه أن يكون وجهك منبسطا لكل من تعاشره. إذا فعلت ذلك فأنت محسن مع خلق الله. وأما الضابط والمرتبة الثانية من أقسام الإحسان، وهو الإحسان مع الخالق، وهذا المقام وهذه المنزلة وهذا القسم هو المراد الذي يريده الناظم رحمه الله تعالى من قسمي الإحسان، ما أراد أن يتحدث عن الإحسان مع الخلق مع الناس. ولهذا عرجنا عليه دون تعليق، وإنما ذكرنا التعريف، وإنما التفصيل ها هنا وهو الإحسان مع الخالق. وذلك في علاقة العبد مع ربه، ينبغي أن تكون قائمة على الإحسان. وإحسانك مع الله عز وجل، قال العلماء: وذلك في باب العبادة، لأن الناظم قال: «عبد الإله»، «عبد الإله» فهؤلاء عبد الرب عز وجل على منزلة الإحسان. إذن هؤلاء عبدوا الرب عز وجل بمقام الإحسان. طيب الإحسان هنا مع الرب عز وجل في باب العبادة والطاعة، قال العلماء: يقوم على مرتبتين، إحسان مجزء وهو الإحسان الواجب أن تؤديه في كل عبادة، وهذا القدر واجب، بحيث أن ما بعد هذا الإحسان إثم وحرمان، إثم ومعصية وخذلان. وهو أن يكون تعبدك لله جل وعلا قائم على الإخلاص والمتابعة، هذا أقل مراتب الإحسان، وهو واجب. أقل مراتب الإحسان وهو واجب أن تؤدي العبادة وأنت تريد بها وجه الله، لا رياء ولا ثناء ولا سمعة، وأن تكون هذه العبادة لوجه الله، وأيضا على وفق سنة النبي عليه الصلاة والسلام، متبعة لا مبتدعة، من غير بدع ولا محدثات ولا مضلات. هذا المقدار هو نوع من أنواع الإحسان، يسميه العلماء بالإحسان المجزء، وهو الواجب في كل عبادة، في صلاتك، في صيامك، في زكاتك، في حجك، في تنفلك، في ذكرك لله، أن تكون لله، وأن تكون على وفق السنة النبوية. وهناك إحسان وهي المرتبة العليا، وهي أرفع مراتب الإحسان، وهو الذي جاء في قوله عليه الصلاة والسلام: «اعبدوا الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، هذا هو الإحسان في العبادة. وهذه المرتبة المستحبة التي يصل إليها الخواص من خلقه، أنك عندما تعبد الرب، وهذا الذي أشار إليه الناظم بقوله: «عبد الإله على اعتقاد حضوره فتبوأوا في منزل الإحسان»، على اعتقاد حضوره بأن الله حاضر. وذلك حينما تؤدي العبادات، فهذا المقام أشار إليه نبينا عليه الصلاة والسلام أن تعبد الله كأنك تراه، أي كأنك ترى الرب أمامك عز وجل، الرب لا يرى بالعين المجردة حاشا وكلا، «إنك لن تراني»، إن الله لا يرى أي في الدنيا، ولكن جل في علاه يرى في الآخرة. وإنما ترى الرب عز وجل كما قال علماء بقلبك، وذلك بما يكون من آثار أسمائه وصفاته، تستشعر بأنك ترى الله سبحانه وتعالى مستحضرا أسماءه وصفاته جل في علاه. لأن من فعل هذا المقام، وهذا الذي يسميه العلماء بمقام المشاهدة والمطالعة، بأن تطالع الرب، تطالع آلاءه وأسماءه وصفاته، فإن العبد إذا استحضر ذلك في تعبده كان ذلك من أعظم الدواعي على الانضباط والإتقان. وإن العبد لا يزال هذا حاله في كل عباداته وفي كل طاعاته مستحضرا لمقام المشاهدة. ثم إذا توفاه الله على هذا المقام، فإن الله يجزيه الجزاء الأوفى، والجزاء من جنس العمل. لما تطلع إلى رؤية الله في هذه الدنيا بآلائه وأسماءه في عباداتك وطاعاتك، فالله عز وجل يمكن له أن يراه. ولهذا قال ربنا عز وجل: «للذين أحسنوا الحسنى وزيادة»، ما الذي فسر به الزيادة عند كثير من المفسرين؟ قالوا: هي رؤية الله عز وجل لمن؟ للمحسنين، للذين أحسنوا. ومن صفات المحسنين مقام المطالعة لما جاهدوا أنفسهم على اعتقاد حضوره جل وعلا، فلما كان كذلكم حقق الله عز وجل مرادهم يوم القيامة، فكان من أعظم الجزاء أن الله أعطاهم الزيادة، وهي رؤيته جل وعلا. إذا ما استطاع الإنسان، وقل من يوفق، وأكثرنا ما يستطيع. فإن لم تستطع يا عبد الله أن تستحضر مقام المطالعة والمشاهدة لله، قال عليه الصلاة والسلام: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، فإنه يراك، انتقل بعد ذلك إلى مقام المراقبة، وهي من قسمي مقام الإحسان مع الله عز وجل، أن تستشعر أن الله يراقبك، ولابد بأن الله مطلع عليك، مطلع على حالك، مستمع لأقوالك، ناظر لأفعالك، أينما كنت، في رأس جبل أو في بطن واد، ولو كنت في جنح الظلام، ولو كنت في الزوايا وخلف الكواليس ووراء الدهاليس، فالله يراك، والله مطلع، والله محيط بك جل وعلا. ألم يعلم بأن الله يرى؟ سبحانه جل وعلا، فالله مطلع عليك، وهو عليم بذات الصدور، حتى الذي تجعله في صدرك، فالله مطلع عليك، لا تخفى عليه خافية سبحانه وتعالى. وهنا أشار الناظم إلى مسألة المراقبة في باب العبادة: «عبد الإله». فإن من أشد المواقف الذي ينبغي أن نستحضر فيها مراقبة الله، نستحضر فيها مراقبة الله عز وجل في باب العبادات والطاعات، لأنك إذا استحضرت ذلك كان ذلك داعيا لك إلى أنك تحسن في عباداتك وطاعاتك لربك، وهو يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين. عندما تؤدي العبادات استحضر مقابل مراقبة. لكن فلينظر كل واحد منا إلى نفسه، مثلا في باب الصلاة، هل نستشعر هل نستشعر مقام المطالعة والمشاهدة بأننا نعلم وأننا نرى أن الله أمامنا بأسمائه وصفاته؟ الجواب لا، إلا من قل. طيب إذن ننتقل، هل نستشعر بمراقبة الله لنا؟ وأننا بين يديه، وأننا مواقفون أمامه جل وعلا، وأنه مطلع على ما نذكره من الفاتحة والتكبير والتهليل والركوع والسجود؟ أم أن تجد أن الواحد منا يسرح؟ إن سألت عن أذهاننا وعن أفكارنا تذهب يمنة ويسرة، وكأننا ما نستشعر بعظيم مراقبة الله لنا. لو أن الواحد منا حقق هذا المقام لما كانت هذه صلاتنا أبدا، لما يكتنفها من الغفلة وعدم الاستحضار، وكثرة الذهول والنسيان، وعدم التدبر لآيات القرآن، بل حتى عديم الإتقان، الإتقان لصلاتنا. يبقى الواحد وهو يهرش، وهو يكرش، وهو يلعب، يكاد أن يلتفت، وذلك الذي يلعب بساعته، وذلك والله. لو أنك يا عبد الله وقفت أمام سلطان من سلاطين الأرض، لربما جاءتك الرجفة من شدة هيبة هذا الموقف، فما ظنك برب الأرباب جل وعلا؟ ينبغي الإنسان أن يستحضر هذا المقام، بأن يستشعر بأن الله معه، بأن الله يطلع عليه. فإن الإنسان إذا حقق هذا المقام كان الأمر كما قال الناظم: «عبد الإله على اعتقاد حضوره فتبوأوا في منزل الإحسان». إذن خلاصة هذا المقام إخواني في الله، علمنا علينا أن نعلم أن الإحسان من أخص مراتب الدين، وأن من حقق هذا المقام كانت له المنزلة العليا والأجور العلية، من محبة الله له، ومن معية الله إياهم. وهكذا ما يكون من معرفتنا إلى معنى الإحسان، وهو الإتقان للظاهر والباطن، وهو ينقسم إلى قسمين، إحسان مع الخلق، وهو بذل الندى وكف الأذى وطلاقة الوجه. ومن الإحسان مع الله عز وجل، وذلك في علاقتنا مع ربنا، وهو يكون إما بالقدر المجزء الواجب، بأن تكون العبادة على إخلاص ومتابعة، أو تكون على القدر المستحب بين مقامي المراقبة أو المشاهدة. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.