الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 90، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع تفسير السعدي لآية الإنفاق في سبيل الله، مبيناً أن سبيل الله يشمل الجهاد وطلب العلم والحج والمشاريع الخيرية وإغاثة المحتاجين. ويؤكد أن هذه النفقات يضاعف الله أجرها إلى سبعمائة ضعف وأكثر لمن يشاء.
يوضح المقطع أن الله يضاعف الحسنات لمن يشاء حتى سبعمائة ضعف وأكثر، بينما تكتب السيئة واحدة إلا في الأزمنة والأمكنة المقدسة فتتضاعف عقوبتها. ويذكر أمثلة على دخول الجنة بأعمال يسيرة صادقة، ويؤكد أن الإنفاق على المحتاجين يندرج تحت هذا الضعف العظيم بحسب إيمان المنفق وإخلاصه.
يبيّن المقطع أن قبول الأعمال وتضاعف أجرها عند الله مرهون بتقوى العبد وإخلاص نيته، لا بكثرة المال المنفق فقط، مستدلاً بحديث الصحابة وحديث أفضل الصدقة التي تكون من صحيح شحيح يخشى الفقر ويأمل الغنى، وآية «لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون».
يشير المتحدث إلى وجود ثواب آخر للمنفقين أموالهم في سبيل الله مستوفين الشروط، ويذكر أنه سيذكر الآية ذات الصلة في الدرس القادم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه أجمعين. قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. قال رحمه الله: هذا حث عظيم من الله لعباده على إنفاق أموالهم في سبيله، وهو طريقه الموصل إليه. فيدخل في هذا إنفاقه في ترقية العلوم النافعة، وفي الاستعداد للجهاد في سبيله، وفي تجهز المجاهدين وتجهيزهم، وفي جميع المشاريع الخيرية النافعة للمسلمين. هذا في سبيل الله. وبعضها العلم، يعني يقول: أن في سبيل الله ما يتعلق بالجهاد والمجاهدين. وهنا الشيخ أدخل طلب العلم، وما كان فيه حق على طلب العلم أو الإنفاق على طلبة العلم، أيضاً كذلك من الجهاد في سبيل الله أو في سبيل الله. والنبي عليه الصلاة والسلام قال: «الحج من سبيل الله». فبعضهم قال: أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الحج من سبيل الله»، أي داخل في هذا النوع، وهو نوع من كان في سبيل الله. ومنهم من قال: أنه أراد الأمر العام في سبيل الله، أي في الطريق الموصل إليه، وهو كل خير يكون في سبيله. وهنا الشيخ كأنه يرى ذلك، فوسع، فقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، قال: في الاستعداد أو ترقية العلوم النافعة، والاستعداد للجهاد في سبيله، وفي تجهز المجاهدين، وكذلك في جميع المشاريع الخيرية التي ينتفع بها، والتي يعود نفعها للمسلمين. قال: ويا لذلك الإنفاق على المحتاجين والفقراء والمساكين. وقد يجتمع الأمران، فيكون في النفقة دفع الحاجات والإعانة على الخير والطاعات. قال: فهذه النفقات مضاعفة، هذه المضاعفة بسبعمائة إلى أضعاف أكثر من ذلك. ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. ومعنى ذلك كما جاء في حديث عبد الله بن عباس: «من همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة». وكذلك في حديث أبي هريرة: «إن الله كتب الحسنات والسيئات، فمن همّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، فإن عملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة». فربنا جل وعلا من كرم به سبحانه وتعالى وجوده، أنه جل وعلا يضاعف الحسنات. وأما السيئات فيكتبها، إن عملها شخص سيئة واحدة. السيئات لا تتضاعف، لكن أحياناً يتضاعف جرمها إذا كانت هناك أمور تضاعفها، مثل بعض الأزمنة والأمكنة. فمثلاً المعصية في الأشهر الحرم ليست كالمعصية بغيرها، المعصية في الحرم ليست كالمعصية في غيره. وهكذا، فالله عز وجل يقول: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. فتتضاعف السيئة في بعض الأماكن وبعض الأزمنة. لكن الحسنة يضاعفها الله عز وجل لمن يشاء، وقد يدخل في ذلك أيضاً تضاعفها في بعض الأماكن وبعض الأزمنة، لكن يضاعفها الله عز وجل حتى بدون ذلك. وقد يدخل فيه النية الحسنة، فأدخل الله عز وجل الجنة امرأة بغي شفقت على كلب ورحمته، فشفق الله عز وجل عليها. وأدخل الله عز وجل الجنة رجلاً كان يداين الناس ثم يعفو عنهم وينظر المعسرين، وغيرها من الأعمال العظيمة التي هي أعمال قد تكون قليلة في نظر الشخص لكن يضاعفها الله عز وجل. أيضاً ربنا سبحانه وتعالى يضاعف صدقة العبد ويربيها كما يربي أحدكم فلوه حتى تصير كالجبل. وهذا كله من كرمه سبحانه وتعالى وجوده جل وعز. فقال: في هذا أيضاً يدخل في ذلك الإنفاق على المحتاجين والفقراء والمساكين، وقد يجتمع الأمران، فيكون في النفقة دفع الحاجات والإعانة على الخير والطاعات. فهذه النفقات مضاعفة، هذه المضاعفة بسبعمائة إلى أضعاف كثيرة أكثر من ذلك. ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، وذلك بحسب ما يقوم بقلب المنفق من الإيمان والإخلاص التام، في ثمرات نفقته ونفعها. وهذا أيضاً موجود في الحديث. ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه». قال: «ولا حتى نصف مد». إذا قدمه صحابي صدقة، وقدمه غيره، أو قدم غيره أكثر من ذلك، ولو كان شيئاً كثيراً مثل جبل أحد، فلا يساوي ما قدمه ذلك الصحابي. فلذلك قال العلماء: أن الحسنات إذن تتضاعف بالنسبة لتقوى الله جل وعلا، كلما كان العبد أتقى لله كان أجره أعظم عند الله. ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾. قالوا: ذلك بحسب ما يقوم بقلب المنفق من الإيمان والإخلاص التام، وفي ثمرات نفقته ونفعها. فإن بعض طرق الخيرات يترتب على الإنفاق فيها منافع متسلسلة ومصالح متنوعة، فكان الجزاء من جنس العمل. كما ذكرنا أن الله أدخل امرأة البغي الجنة بسبب رحمتها الكلب. ومسألة الجزاء من جنس العمل هذا موجود في الأحاديث وهي كثيرة جداً. فالله عز وجل يعطي العبد ويجازيه بحسب قربه إلى الله سبحانه وتعالى، كذلك بحسب إخلاصه ونيته. وكما يقول الفقهاء: فرب نية ضاعفت الأجر وجعلت أكبر في العمل. النية تكبر العمل، تجعله كبيراً عظيماً. فإنسان مثلاً يدفع، ينفق مثلاً مالاً مئة ريال، لكن عنده أموال كثيرة. وإنسان ما عنده شيء لكن عنده هذه المئة فأنفقها، فهذا أجرها عظيم. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لما سئل عن أفضل الصدقة: «أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل الغنى وتخشى الفقر». تخشى الفقر وتأمل الغنى. قال: «أنت تصدق وأنت صحيح شحيح». صحيح: ليس مريضاً، فالمريض يتصدق لأجل مرض. لكن أنت صحيح معافى. وأيضاً شحيح: معنى ذلك عندك هذا المال تريده لنفسك لأنك تحتاجه. وزيادة على ذلك قال: «تخشى الفقر وتأمل الغنى». تخشى أنك تفتقر، عندك ما عندك إلا هذا المال، وما عندك كسب آخر، وما ترجو مثلاً مالاً يأتي من مكان. فلذلك وتأمل الغنى بهذا المال، فتنفق هذا المال في سبيل الله. لهذا قال الله عز وجل: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، ما يحبه الشخص ويحتاجه. فقال رحمه الله: فكان الجزاء من جنس العمل. قال: ثم أيضاً ذكر ثواباً آخر للمنفقين أموالهم في سبيله، أي في الآية الأخرى: نفقة صادرة مستوفية لشروطها، منتفية موانعها. طيب، إن شاء الله تعالى أذكر هذه الآية في الدرس اللاحق، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.