أخطاء المصلين 56

أخطاء المصلين 56

الدرس في أخطاء المصلين 56، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

النهي عن تجصيص القبور ورفعها فوق المشروع

يوضح المقطع أحاديث نبوية تنهى عن تجصيص القبور والبناء عليها ورفعها فوق الحد المشروع، مستدلاً بأقوال جابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري وعلي بن أبي طالب. ويبين أن رفع القبر أكثر من شبر يعتبر من المنكرات المخالفة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم.

تحريم بناء القباب والمشاهد على القبور

يبيّن المقطع أن بناء القباب والمشاهد والسقائف والإحاطة بالقبور بالأسمنت يدخل في النهي النبوي عن البناء على القبور، مستدلاً بأحاديث صحيحة وأقوال العلماء كابن القيم والشوكاني. ويوضح أن العلماء اختلفوا في طين القبر للتراب فقط، أما استحداث مواد غريبة كالديموك فهو محرم.

مشروعية القبة النبوية وموقف الصحابة من البناء على القبور

يبيّن المقطع أن الصحابة لم يبنوا على القبور ولم يوصوا بذلك، وأن القبة على قبر النبي صلى الله عليه وسلم بنيت في عهد متأخر من قبل بعض الملوك دون رضا العلماء. وبقيت خشية الفتنة كما ترك النبي صلى الله عليه وسلم هدم الكعبة لنفس السبب.

تحريم إدخال القبور في المساجد والأبنية

تؤكد الأحاديث النبوية تحريم بناء القبور أو إدخالها في الأبنية، وتعتبر إدخال القبر في المسجد من باب أولى محرماً. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كل ذلك، مما يجعله من المحظورات الشرعية.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، وصلاة السلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فمن أخطاء الجنائز والمقابر: تجصيص القبور، والبناء عليها، أو أن يزاد عليها. فقد جاء في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه. والنهي هنا للتحريم في قول جماعة من العلماء؛ لأن الأصل في النهي أنه للتحريم. وكذلك جاء عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يبنى على القبر، نهى أن يبنى على القبر. رواه ابن ماجه، وصححه العلامة الألباني عليه رحمة الله. وجاء أيضًا في صحيح مسلم عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ألا تدع تمثالًا -وفي رواية: صورة- إلا طمستها، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته». والقبر المشرف هو القبر المرتفع، هو القبر المرتفع. لماذا أمره أن يسويه؟ لأن ارتفاع القبر، كما ذكر العلماء، ليس من هدي النبي عليه الصلاة والسلام، بل مما نهى عنه عليه الصلاة والسلام. ولذلك أجاز العلماء أن يرفع القبر عن الأرض قدر شبر حتى يعرف أنه قبر ولا يهان. أما أن يرفع أكثر من ذلك، فهذا هو عين ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومن هنا، ولسماعك لهذه الأحاديث، يتبين لنا الخطأ الذي يقع فيه كثير من المسلمين في مقابرهم في تجصيص القبور. ومراد بالتجصيص: المأخوذ من الجص، والجص هو يسمى في اللغة الكلس، وعندنا يسمى النورة، فيطلى بها القبر، يطلى بها القبر. فهذا مما نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام. وبمعناه بل أشد منه: أن يبنى على القبر بناء محكمًا، كأن يؤتى بالأحجار أو بالطوب والإسمنت، فيجعل على هذا القبر بناء مربعًا أو بناء مستطيلًا. فهذا أيضًا يدخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم، أو نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبنى عليه، أن يبنى عليه. وكما ذكر كذلك الإمام الشوكاني رحمه الله حيث قال: «ومن رفع القبور... ومن رفع القبور... ومن رفع القبور الداخل تحت الحديث دخولًا أوليًا: القباب والمشاهد المعمورة على القبور». وأيضًا هو من اتخاذ القبور مساجد، وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم فاعلها. فهذه المشاهد والقباب التي تبنى على القبور، هذا هو عين ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. تدخل المقابر تجد القباب على بعض القبور، وتجد البناء كذلك على بعض القبور، فهذا عين ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والناس الآن تفننوا في هذا الأمر، منهم الآن من يأتي بالداموك ويحوط القبر به، هذا بمعنى البناء، بمعنى البناء؛ لأنه من الإسمنت، ليس من أصر الطين. العلماء اختلفوا في التطين، يعني أن يطين القبر بمعنى يلطخ بالتراب والماء، والصحيح أن هذا يجوز إذا كان فيه حفظ للقبر من الاندثار، وكذلك من أخذ الرياح للتراب إذا لم يكن عليها الماء. انظروا، ذكرنا ذلك لنعلم أن العلماء اختلفوا في هذه المسألة، وهي من أصل التراب الذي يدفن به القبر، فكيف أن نستحدث أشياء خارجة عن التراب وعن ما يخرج من القبر، فتوضع في القبر ويحوط بها القبر؟ هذا أيضًا مما يدخل في النهي. أو كذلك السقائف: يجعل بناء ثم يسقفها، هذا في معنى البناء على القبور، يدخل في معنى البناء على القبور. فهذه الأحاديث صريحة وظاهرة في النهي عن هذا الفعل. فإذا سأل سائل: ولماذا يفعلها بعض الناس في المقابر؟ فيقال: هذه لعدة أسباب، منها: أولاً: اتباع الهوى، مع أن الأحاديث صريحة وهم يقرؤونها في صحيح مسلم، لكنهم بسبب تعلقهم بتعظيم القبور وبتمييز قبور بعضهم أبوا إلا أن يخالفوا الهدي النبوي. وهناك أمر آخر وهو: الجهل بدين الله سبحانه وتعالى، بأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، وبأقوال أهل العلم في هذه المسألة. الظاهر الواضح البين: من هو أفضل الناس؟ هل هم المتأخرون، أو أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام؟ هل ثبت أن أحدًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بنى على قبره، أو أوصى بذلك، أو بنى أحد من الصحابة على قبور آبائهم، أو على قبور شهدائهم، أو على قبور أبنائهم؟ أبدًا لم يثبت ذلك عن أحد منهم، وهم الذين تنزل عليهم الوحي وعرفوا وصول هذا الدين، فالتزموا بما جاء به هذا الدين من مثل هذه النصوص الشرعية. وإذا قال قائل: ها هو مسجد، أو ها هو قبر رسول الله صلى الله عليه وعلى الله عليه القبة، فيقال: هذه القبة لم تبنَ في عهد الصحابة، ولا في عهد التابعين، ولا في عهد تابعي التابعين، وإنما بناها ملك من الملوك، الملوك المتأخرين. وقالوا له: قالون، ولم يرتضِ أهل العلم هذا الفعل. فهذه القبة كما قال الإمام الصنعاني: «مسألة دولية لا دليلية»، يعني فعلها بعض أهل الدول وبعض أهل الملك، وليس عليها دليل، بل الدليل يخالف فعل ذلك. إذا قال قائل: لماذا لم تهدم؟ لماذا لم تهدم وقد عرف أن هذا مخالف للدليل؟ فالجواب: خشية الفتنة. فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ترك بناء الكعبة على قواعد إسماعيل خشية أن يفتتن الناس، فقال لعائشة: «لولا أن قومك حديث عهد بإسلام، لهدمت الكعبة وبنيتها على قواعد إبراهيم». فلا يستدل مستدل بمثل هذا البناء. طيب، قد يقول قائل: ولماذا هو في الغرفة، حجرة عائشة رضي الله تعالى عنها؟ لأنه ورد بذلك الدليل، وهو مما اختص به النبي والأنبياء. فلما توفي النبي صلى الله عليه وسلم توفي في حجرة عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، فاختلف الصحابة أين أن يدفنوا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فأبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه فصل في خلافهم بحديث نبوي سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من نبي يقبض إلا دفن حيث قبض»، أو: «ما من نبي مات إلا ودفن حيث قبض»، ودفن حيث قبض، يعني يدفن الأنبياء في المكان الذي يموت فيه. والنبي صلى الله عليه وسلم مات في حجرة عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، فكانت موضع قبره عليه الصلاة والسلام. فالأحاديث صريحة في النهي عن إدخال القبر إلى بناء، أو البناء عليه، أو إدخال القبر -من باب أولى- إلى المساجد. فكل ذلك مما نهى عنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.