الدرس في شرح أسماء الله الحسنى 56، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
اسم الله المجيد يعني الموصوف بالمجد وعظيم الصفات، وهو دال على أوصاف الله مثل العلم والقدرة والرحمة. ورد هذا الاسم في كتاب الله وسنة رسوله.
القرآن الكريم، خاصة آية الكرسي و سورة الفاتحة، يحتوي على تمجيد الله. الصلاة أيضًا تمجد الله وتثني عليه، واسم الله 'المجيد' يحث على تمجيد الله بالعبادات.
تمجيد الله في الصلاة والدعاء مهم جدًا، حيث يُوصى بالتكبير والتهليل والتحميد والتسبيح. النبي صلى الله عليه وآله وسلم شدد على تمجيد الله في الدعاء.
بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فمن أسماء الله الحسنى التي ذكرها الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله تعالى- في كتابه "القواعد المثلى" اسم الله جل وعلا "المجيد". فالمجيد اسم من أسماء الله جل وعلا الحسنى، قد ورد هذا الاسم في موضعين من كتاب الله جل وعلا. في قوله عز وجل: ﴿قالت يا ويلتا أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب * قال وتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد﴾، وهكذا في قوله جل وعلا في سورة البروج: ﴿وهو الغفور الودود ذو العرش المجيد﴾، على قراءة الرفع "ذو العرش المجيد". وهذه فيها قراءتان: بالرفع والجر، فعلى قراءة الرفع يكون هنا "المجيد" من أسماء الله جل وعلا. وثبت في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، كما في حديث كعب بن عجرة، وهكذا من حديث أبي حميد الساعدي -رضي الله تعالى عنهما- في الصحيحين: "سألوا الرسول عليه الصلاة والسلام، أو قالوا: يا رسول الله، علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ فقال عليه الصلاة والسلام: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وآل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد". وفي لفظ حديث أبي حميد الساعدي: "أنه قال عليه الصلاة والسلام: قولوا: اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد". فالمجيد من أسماء الله جل وعلا الحسنى، ورد في كتاب الله، وورد في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. ومعناه -كما يقول الإمام ابن قيم -رحمه الله تعالى- في نونيته: "وهو المجيد صفاته أوصاف تعظيم، فالوصف شأنه أعظم شأني". فمعنى اسم الله جل وعلا "المجيد" أي: من له المجد العظيم، الذي له المجد العظيم. ومعنى المجد: عظمة الصفات وسعتها، فكل وصف لله جل وعلا فشأنه عظيم. كل وصف لله جل وعلا، وكل وصف للمجيد شأنه عظيم، فهو العليم الكامل في علمه، القدير الذي لم يعجزه شيء، الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء، الحليم الكامل في حلمه، الحكيم الكامل في حكمته، إلى بقية الصفات التي بلغت غاية في المجد، الذي ليس فيها شيء من قصور أو نقصان. ذكر هذا العلامة السعدي -رحمة الله تعالى عليه-، وهكذا الهراس في شرح نونية أبيات ابن القيم -رحمة الله تعالى عليهما-. فتبين بهذا أن "المجيد" هو الموصوف بالمجد الذي هو عظيم الصفات وواسع الصفات. وهذا يدلنا على أن اسم الله جل وعلا "المجيد" هو اسم دال على عدة أوصاف. فأسماء الله جل وعلا منها ما يدل على أوصاف وعلى وصف معين مفرد، وعلى أوصاف متعددة. فالمجيد اسم من أسماء الله جل وعلا دال على عدة أوصاف. ولذلك عند بعضهم العلم أن اسم الله جل وعلا الأعظم هي أسماؤه جل وعلا التي دلت على أوصاف متعددة، كما قرر ذلك العلامة السعدي -رحمة الله تعالى عليه-. قد اختلف في اسم الله الأعظم على أقوال، ومن الأقوال أن اسم الله جل وعلا الأعظم: الأسماء الدالة على عدة أوصاف. فيكون من هذه الأسماء "المجيد" على قول من يقول: إن اسم الله جل وعلا الأعظم الأسماء الدالة على عدة أوصاف؛ لأن "المجيد" اسم دال على عدة أوصاف. والله جل وعلا المجيد مجد نفسه في كتابه الكريم في آيات كثيرة، بل القرآن كتاب الله جل وعلا كله تمجيد لله جل وعلا وثناء وتعظيم. فما من آية من آيات كتاب الله جل وعلا إلا وقد تضمنت التمجيد والثناء والتعظيم لله سبحانه وتعالى. وأعظم آية القرآن وأعظم سور القرآن وأفضلها قد تضمنت هذا الثناء والمجد للمجيد جل وعلا. فآية الكرسي هي أعظم آية في كتاب الله جل وعلا، وفيها من التمجيد الكثير للمجيد جل وعلا. فهذه الآية آية الكرسي قد تضمنت خمسة أسماء أثنى الله جل وعلا على نفسه بها، وتضمنت ما يزيد على العشرين صفة. آية الكرسي تضمنت ما يزيد على عشرين صفة ثابتة لله جل وعلا. وهذا يفيدنا أن آية الكرسي هي من أعظم آية القرآن، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. وذلك لأنها تضمنت التمجيد والثناء لله سبحانه وتعالى بذكر أسمائه وصفاته جل وعلا. وهكذا سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن، سورة أخلصت في تمجيد الله جل وعلا وفي الثناء عليه، فهي كلها سورة. ولذلك سميت سورة الإخلاص؛ قال العلماء: لأنها أخلصت في ذكر ما يتعلق بالله جل وعلا من تمجيد وتعظيم وثناء. وهكذا كذلك سورة الفاتحة التي هي أعظم سور القرآن، أعظم سورة هي سورة الفاتحة، بخبر رسول الله عليه الصلاة والسلام. وهذه السورة إذا تأملتها وجدت هذه السورة قد تضمنت من الثناء العظيم والتمجيد للمجيد سبحانه وتعالى الشيء الكثير. بل هذه السورة سورة الفاتحة -كما سماها النبي عليه الصلاة والسلام الصلاة- هي قسمة نصفان، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام في مسلم عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "إن الله جل وعلا يقول: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين". فإذا قال العبد: "الحمد لله رب العالمين"، قال الله جل وعلا: "حمدني عبدي". وإذا قال: "الرحمن الرحيم"، قال الله جل وعلا: "أثنى علي عبدي". وإذا قال: "مالك يوم الدين"، قال الله جل وعلا: "مجدني عبدي". وإذا قال: "إياك نعبد وإياك نستعين"، قال الله جل وعلا: "هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل". وإذا قال: "اهدنا الصراط المستقيم"، قال الله جل وعلا: "هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل". إذن سورة الفاتحة نصفها لله جل وعلا، بخبر رسول الله عليه الصلاة والسلام. وهذا النص الذي هو لله كله ثناء وتعظيم وتمجيد: "حمدني عبدي، أثنى علي عبدي، مجدني عبدي". ولذلك من مقتضى التعبد لله جل وعلا باسمه "المجيد" أن يمجد العبد ربه سبحانه وتعالى المجيد بالثناء عليه والتعظيم والتهليل والتكبير والاستحباب وفعل الطاعات والعبادات. فكل ذلك من تمجيد الله سبحانه وتعالى. والقرآن كما تقدم كله تمجيد الله جل وعلا، بل وصف الله جل وعلا المجيد سبحانه وتعالى كلامه القرآن بأنه مجيد في موضعين، كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ﴾، وقال جل وعلا: ﴿قاف والقرآن المجيد﴾. فوصف الله جل وعلا كتابه القرآن الذي هو كلامه سبحانه وتعالى بأنه مجيد. وهكذا نبينا عليه الصلاة والسلام كان يمجد ربه جل وعلا المجيد. فالصلاة إذا تأملت الصلاة وجدت هذه الصلاة كلها تمجيد الله جل وعلا. فإذا رفع العبد من ركوعه واعتدل قال ما يقول النبي عليه الصلاة والسلام: "اللهم ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه". وفي لفظ: "الحمد لله ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، كلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد". فهذا فيه تمجيد لله سبحانه وتعالى. وهكذا الركوع تمجيد وتعظيم لله سبحانه وتعالى، وهكذا السجود، وهكذا في التشهد الأخير، فإن العبد يثني على ربه جل وعلا ويدعو ربه سبحانه وتعالى ويختم صلاته بالتحميد والتمجيد لله سبحانه وتعالى. ولذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم -وهذا الحديث الذي تقدم ذكره هو في الصحيح- من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-، وحديث فضالة بن عبيد -رضي الله تعالى عنه- عند أبي داود، وهو في الجامع الصحيح لشيخنا العلامة الوادعي -رحمة الله تعالى عليه-: "أن النبي عليه الصلاة والسلام سمع رجلا يدعو في صلاته لم يمجّد الله ولم يصل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: عجل هذا". ثم دعاه عليه الصلاة والسلام، فقال له: "إذا صلى أحدكم فليبدأ بتمجيد الله، ويصلي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم يدعو بما شاء". إذا من أدب الدعاء أن يقدم العبد بين يدي دعائه التمجيد لله سبحانه وتعالى والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "عجل هذا"؛ أي: عجل حيث لم يمجد الله جل وعلا ولم يصل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فلذلك على العبد أن يمجد المجيد سبحانه وتعالى بالتكبير والتهليل والتحميد والتسبيح. فكل ذلك من تمجيد الله جل وعلا. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم -كما في صحيح الإمام مسلم -رحمه الله تعالى- من حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-: "أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: إن لله ملائكة يطوفون، فيقول الله جل وعلا لهم: ماذا يقول عبادي؟ فيقولون: يا رب، يحمدونك ويسبحونك ويكبرونك ويمجدونك". فيقول الله جل وعلا لملائكته: "وهل رأوني؟" فيقولون: "لا والله ما رأوك يا رب". فيقول الله جل وعلا لملائكته: "فكيف لو رأوني؟" فيقولون: "لو رأوك لكانوا أكثر لك تسبيحا وتمجيدا وتكبيرا". فيقول الله جل وعلا لملائكته: "وماذا يسألوني؟" فيقولون: "يسألونك الجنة". فيقول الله جل وعلا لملائكته: "وهل رأوها؟" فيقولون: "لا والله يا رب لم يروها". فيقول الله جل وعلا لهم: "فكيف لو رأوها؟" فيقولون: "لو رأوها لكانوا أشد رغبة إليها وأشد طلبا لها". فيقول الله جل وعلا لملائكته: "ومماذا يستعيذون؟" فيقولون: "يستعيذون بك من النار". فيقول الله جل وعلا لملائكته: "وهل رأوها؟" فيقولون: "لا والله ما رأوها". فيقول الله جل وعلا: "فكيف لو رأوها؟" فيقولون: "لو رأوها لكانوا أشد مخافة منها وهربا منها". فيقول الله جل وعلا: "أشهدكم أني قد غفرت لهم". فيقول ملك من الملائكة: "يا رب، فيهم فلان، إنما جاء لحاجة". فيقول الله جل وعلا: "هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم". فكل هذا الذكر من التكبير والتسبيح والتحميد كله من تمجيد المجيد سبحانه وتعالى. ولذلك كان من فضل هذا الفضل وهذا الجزاء العظيم عند المجيد سبحانه وتعالى غفران الذنوب. وهكذا شهادة الرب جل وعلا لملائكته بذلك. وكل ذلك من الأعمال العظيمة التي يحبها الله سبحانه وتعالى المجيد من عباده. فلذلك عبد الله إذا أردت من المجيد جل وعلا أن يغفر لك ذنوبك وأن يحبك وأن يذكرك وأن يثني عليك، فعليك أن تمجده سبحانه وتعالى. وتمجيدك للمجيد جل وعلا يكون بامتثال أوامره جل وعلا واجتناب نواهيه، وما نهى عنه رسول الله عليه الصلاة والسلام، بمتابعة رسول الله عليه الصلاة والسلام، بالمسارعة والمسابقة إلى الخيرات، بتلاوة كتابه العزيز الذي هو كتاب مجيد، فهو كلام الله جل وعلا. تدبر هذا الكتاب، العلم به، العمل به، وكل ذلك من تمجيد المجيد جل وعلا. فاسم الله جل وعلا "المجيد" اسم عظيم وله معان عظيمة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن آمن بأسمائه الحسنى وصفاته العلى وعلم معانيها وأحصاها وعمل بمقتضاها. وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. لا إله إلا الله، محمد رسول الله.