تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 26

تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 26

الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 26، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تعليم عيسى الكتاب والحكمة وتأييده بالمعجزات

يفسر المقطع تعليم الله لعيسى عليه السلام الكتاب والحكمة والنبوة، وتأييده بآيات طبية خارقة كإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى. ويوضح أن الله يؤيد كل رسول بمعجزة تناسب عصره، كما أيد النبي محمداً بالقرآن المعجز الذي عجز الفصحاء عن معارضته.

إعجاز القرآن وآيات عيسى ورد ادعاءات الكاذبين

يسرد المقطع إعجاب الكفار ببلاغة القرآن واستماعهم له سراً، ثم يستعرض معجزات عيسى عليه السلام كخلق الطير وإبراء المرضى وإحياء الموتى. ويحذر من ادعاء بعض الصوفية لقدرات إلهية كإحياء الموتى وعلم الغيب معتبراً ذلك كفراً صريحاً.

خطر ادعاء الألوهية ومعرفة الغيب بالشياطين

يحذر المقطع من عاقبة ترك العبادات المؤدية للكفر وادعاء الألوهية بسبب استحواذ الشيطان، مبيناً أن معرفة الغيب الحقيقية مختصة بالأنبياء كعيسى عليه السلام. ويكشف أن ادعاء بعض الصوفية معرفة الغيب يتم عبر الشياطين التي تلعب بهم وتوهمهم المنزلة العالية.

دليل صدق النبي بموافقة الرسل وعدم المخالفة

يعد توافق النبي محمد صلى الله عليه وسلم مع ما جاء به الرسل السابقين في الأصول والفروع أكبر دليل على صدقه. ويؤكد أن لو كان كاذباً لناقضهم، مما يثبت أنه رسول الله وأن ما جاء به حق لا ريب فيه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال العلامة سعد رحمه الله تعالى: وقوله جل وعلا: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ٤٨]، أي: جنس الكتب السابقة، والحكم بين الناس، ويعطيه النبوة، ويجعله رسولًا إلى بني إسرائيل. عن أن يعلمه التوراة، وأعطاه الإنجيل كتابًا له، لكنه يعلم ما في التوراة والإنجيل، جعله كتابًا له إلى بني إسرائيل. وأرسله جل وعلا إلى بني إسرائيل، أي: عيسى بن مريم. وقال: ﴿وَيُعِيدُهُ بِالْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ وَالْأَدِلَّةِ الْقَاهِرَةِ﴾. وربنا جل وعلا له الحكمة البالغة سبحانه؛ فإنه يعطي الرسل آيات عظيمة على مثلها آمن البشر. وغالبًا تكون هذه المعجزات أو هذه الآيات بحسب ما اعتاده الناس، أو بحسب ما كان مشهورًا عند الأمم. فلما كان السحر عند بني إسرائيل منتشرًا، أرسل الله عز وجل موسى بشيء لا يعرفه حتى السحرة. ولهذا لما رأوه السحرة آمنوا جميعًا، وعرفوا أن هذا ليس بسحر الذي يستخدمونه. وكذلك أيضًا لما انتشر الطب في بني إسرائيل، أرسل الله عز وجل إليهم عيسى بطب لا يعلمه بنو إسرائيل. فكما سيأتي إن شاء الله تعالى أنه يبرئ الأكمة والأبرص ويحيي الموتى، وهذا لا يستطيعونه. لكن الله عز وجل أيده بهذه الآيات. وكما قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «ما من نبي إلا وقد أُعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة». فأعطى الله عز وجل نبينا عليه الصلاة والسلام هذا القرآن العظيم الذي لم يستطع أفصح الناس وأبلغ البلغاء أن يأتوا بسورة من مثله. حاول بعضهم، لكنه صار سخرية للناس، مثل ما فعل ذلك المدبر الكذاب مسيلمة. تجد أن فطاحل العرب ما استطاعوا أن يأتوا بسورة، ويأتي هذا الزنديق البخيل وغيره، يلعب بالآيات، يأتي ببعض الكلمات من القرآن ويأتي بكلمات من عنده، ليرجي للناس أنه يستطيع أن يأتي بآيات مثل الذي في القرآن. وأتى بأشياء يضحك منها، كما يقال: «الثكلة». فأولئك الذين هم أفصح العرب ما استطاعوا أن يأتوا بسورة، فكيف أنت أيها النذل؟ وأيضًا الذي قد ضيع دينه، ضيع لغته، وبثمن بخس أعطاه الغرب، فضيع دينه، فظن أنه يستطيع أن يأتي بمثل القرآن، فعَلَّف سورة سماها «سورة الكوفيد». وهذا زندقة. فالمهم أن الله عز وجل أيد رسله بالآيات العظيمة، وغالبًا يؤيدهم بما يكون مشهورًا عندهم، فيأتي بما هو أعظم منه، بما يستحيل أن يأتوا بمثله. فجاء الله عز وجل بالقرآن حتى إنهم إذا سمعوا هذا القرآن استعجبوا من ألفاظه، وتعجبوا من معانيه. كما قال الأخنس بن شريق لما سمع القرآن في مكة: «إن عليه لطلاوة، وإنه لحلو، إن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو وما يُعلى عليه». ووصفه بأوصاف جميلة جدًا وهو كافر. وكذلك أيضًا كان صحّ عند ابن إسحاق وغيره أن بعض كفار قريش، كأبي جهل والأخنس بن شريق وغيرهم، كانوا يأتون ويستمعون القرآن خفية، وكانوا يمنعون النساء والأطفال حتى لا يتأثروا بالقرآن. ولهذا لما بنى الصديق رضي الله عنه بيتًا أو مسجدًا عند بيته، فكان يقرأ القرآن، فيأتي النساء والأطفال وغيرهم يسمعون قراءة أبي بكر رضي الله عنه. فلهذا، فربنا جل وعلا أعطى عيسى بن مريم عليه السلام آية عظيمة وهي في الطب، لأن الطب كان مشهورًا عندهم، لكن لا يستطيع أن يفعلها الأطباء. فقال جل وعلا على لسان عيسى: ﴿إِنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩]، أي: تدلكم أني رسول الله حقًا. وذلك: أيش هذه الآيات؟ ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٤٩]. وهذا لا يستطيعه البشر، ولا يستطيع هذا الطب أن يفعل طيرًا من طين، ثم ينفخ في هذا الطير فيكون له روح فيطير، فيكون طيرًا بإذن الله. ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَةَ﴾ [آل عمران: ٤٩]، وهو: ممسوح العينين الذي فقد بصره وعينه. وبعضهم يقول: إن الأكمة هو الذي ولد أعمى، أي: ولد وهو أعمى. ومنهم من يقول: إنه ممسوح العينين وفاقد البصر. ﴿وَالْأَبْرَصَ﴾ [آل عمران: ٤٩]، والبرص هو مرض جلدي، ولم يكن في بني إسرائيل - وإلى الآن تجد أن البرص من الأمراض التي لا يستطاع علاجها، وإن كان مثلًا يستطيعون أن يجعلوه يقف معنا في بعض الأماكن، أما أنه يذهب بالكلية فهذا غالبًا لا يذهب إلا إذا كان له سبب، وذهب ذلك السبب. ﴿وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى﴾ [آل عمران: ٤٩]، وهذا أيضًا أعطاه الله عز وجل هذه الآية التي ليس لأحد، أو ليس لإنسان، وإنما هي لله عز وجل، فأعطاها عيسى أنه يحيي الموتى بإذن الله. ﴿وَأُنَبِّئُكُم﴾ [آل عمران: ٤٩]، فهذا يعطاه الله عز وجل آية من آيات الله، وليس أن الإنسان يخترع شيئًا من عنده ويقول: «أنا أحيي الموتى بإذن الله»، مثل ما يقوله بعض أهل التصوف من الحلولية والاتحادية. فبعضهم يقول: «أنا أحيي الموتى بإذن الله»، معناه كأنه يتعلق بقوله «بإذن الله»، ويظن أن هذه تشفع لكلامه. مثل ما فعل الفقيه المقدم، أنه قال لأخيه: «قال: أعطيت ثلاثًا، أنا أعطاني الله عز وجل ثلاثًا: أحيي الموتى، وأعلم الشقي من السعيد، وأعلم ما في الأرحام». عن الأشياء التي اختص الله عز وجل بها، أخذها الفقيه المقدم مع ذو النون - أو مع الله؟ - وهذا كفر ما بعده كفر. وقالها أيضًا لما ترك الصلاة وترك الطعام والشراب، وجلس ثلاثة أيام في شمس حتى هلوس، فقال: «أنا الله». أنا أول ما نتج من نتائج هذه العملية التي فعلها، قال: «أنا الله». ونتلبس به شيطان؛ لأنه حتى الصلاة تركها ثلاثة أيام، لم يصل. كفر. ثم رجع، لكن رجع بأكثر من كفره: ادعى الألوهية التي ادعاها فرعون وأمثاله من الجبابرة. قال الله عز وجل: ﴿وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩]. هذه أيضًا آية من الآيات العظيمة، وهي من علم الغيب الذي أطلع الله عز وجل بعض رسله، ومنهم عيسى بن مريم عليه السلام. أما دعوى بعضهم للتصوف أيضًا أنهم يعرفون هذه الأمور، فهذا من الكذب على أصحابهم، أو أنهم يستخدمون الشياطين. يستخدمون الشياطين إن كانوا قد قالوا مثل هذا، أو حصل مثل هذا، يستخدمون الشياطين في من يعتقد فيهم. وأما من لا يعتقد فيما هم عليه، ولا يعتقد أنهم يعلمون الغيب، لا يستطيعون أن يفعلوا شيئًا معه، وخاصة إذا كان يذكر الله؛ لأن أكثر مادتهم هي أنهم يستخدمون الشياطين. قال الله عز وجل على لسان عيسى: ﴿أُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٤٩]. حتى مرَّة فينا ولد معنا شاب، تمسك بالتصوف، وغلا فيه، وصار يمشي مع الحفيظ وكذا والكبار. وكل يوم قبل أن يخرج من الصباح يعمل أولًا حضرة، حضرة هذه تحضر فيها الجن الشياطين. فقيل له: إيش استفدت من مجالستك للصوفية وحضرة وكذا؟ فقال: ﴿أُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾، أنا آتي بالآية على أنه أعطيها. حتى قال رجل له: «هذا عيسى بن مريم، أنا صرت مثل عيسى بن مريم عليه السلام». فهؤلاء تلعب بهم الشياطين، فيظنون مثل هذه الأمور، وأن لهم منزلة عند الله عظيمة، وليس كذلك، بل منزلتهم عند الشياطين التي تلعب بهم. قال رحمه الله: قال: وقوله: ﴿وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٤٩]. ومصدقًا لما بين يدي من التوراة. فأيده الله بجنسين من الآيات والبراهين: الخوارق المستغربة التي لا يمكن لغير الأنبياء أن يأتوا بها. أي: أيد الله عز وجل عيسى بن مريم بجنسين من الآيات: الآيات الشرعية، وهي التوراة، وعلمه التوراة التي كان يدينون بها اليهود، وكذلك أيضًا أعطاه الإنجيل. وكذلك أيضًا الجنس الآخر: أنه أعطاه البراهين والخوارق التي لا يستطيع ولا يتمكن غير الأنبياء منها. قال: لا يمكن لغير الأنبياء أن يأتوا بها. والرسالة والدعوة والدين الذي جاء به، وأنه دين التوراة ودين الأنبياء السابقين. وهذا أكبر الأدلة على صدق الصادقين؛ فإنه لو كان من الكاذبين لخالف ما جاءت به الرسل، ولَناقضهم في أصولهم وفروعهم. فعلم بذلك أنه رسول الله، وأن ما جاء به حق لا ريب فيه. طيب، إن شاء الله تعالى نكتفي بهذا. والله تعالى أعلم.