القول السديد في مقاصد التوحيد  102

القول السديد في مقاصد التوحيد 102

الدرس في القول السديد في مقاصد التوحيد 102، الدرس الثاني بعد المائة:من( باب ما جاء في منكري القدر ... العلم بأن الله لم يجبر العباد على خلاف ما يريدون بل جعلهم مختارين لطاعتهم ومعاصيهم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في الإيمان بالقدر

يؤكد الشيخ على أهمية الإيمان بالقدر كركن من أركان الإيمان، مستدلاً بأحاديث نبوية تبرز فرضية الإيمان بالقدر ومراتبه الأربع. الإيمان بالقدر ركن أساسي لتحقيق التوحيد الكامل لله عز وجل.

مراتب الإيمان بالقدر وتأثيره على التوحيد

الإيمان بالقدر يشمل أربع مراتب: العلم، الكتابة، المشيئة، والخلق. من لم يؤمن بالقدر فقد نقص توحيده وقد يصل إلى الكفر الأكبر أو الأصغر، والإيمان بالقدر ضروري لتحقيق التوحيد الكامل.

الاحتجاج بالقدر على المعاصي ورد العلماء عليه

من يستدل بالقدر على فعل المعاصي يرد عليه بأن القدر هو الذي جعله يصر على فعله. العلماء يستخدمون أمثلة لتوضيح أن الحجة بالقدر على الخطأ غير مقبولة، ويحذر من الاحتجاج بالقدر على المعاصي.

  • 13 جمادى الآخرة 1432هـ - 16/05/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في كتابه "كتاب التوحيد": باب ما جاء في منكري القدر. قال ابن عمر: والذي نفسي بيده، لو كان لأحد مثل أحد ذهبًا ثم أنفقه في سبيل الله، ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر. ثم استدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره»، رواه مسلم. قال: وعن عباد بن الصامت أنه قال لابنه: يا بني، إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب. قال: ربي وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة». يا بني، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من مات على غير هذا فليس مني». وفي رواية لأحمد: «إن أول ما خلق الله تعالى القلم، فقال له: اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة». وفي رواية لابن وهب: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره أحرقه الله بالنار». وفي المسند والسنن، عن ابن الديلمي قال: أتيت أبي بن كعب، فقلت: في نفسي شيء من القدر، فحدثني بشيء لعل الله يذهب من قلبي. فقال: لو أنفقت مثل أحد ذهبًا ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لكنت من أهل النار. قال: فأتيت عبد الله بن مسعود، وحديفة بن اليمان، وزيد بن ثابت، فكلهم حدثني بمثل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: حديث صحيح، رواه الحاكم في صحيحه. قال فيه مسائل: الأولى بيان فرض الإيمان بالقدر، الثانية بيان كيفية الإيمان به، الثالثة إحباط عمل من لم يؤمن به، الرابع الإخبار أن أحدًا لا يجد طعم الإيمان حتى يؤمن به، الخامسة ذكر أول ما خلق الله، السادسة أنه جرى بالمقادير في تلك الساعة إلى قيام الساعة، السابعة براءته صلى الله عليه وسلم ممن لم يؤمن به، الثامنة عادة السلف في إزالة الشبهة بسؤال العلماء، التاسعة أن العلماء أجابوه بما يزيل شبهته، وذلك أنهم نسبوا الكلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقط أورد رحمه الله هذا الباب في سياق ذكره للمسائل التي تنافي التوحيد، فقال: باب ما جاء في منكر القدر، أي: مما ينافي التوحيد إنكار القدر؛ لأنه ركن -أي الإيمان بالقدر- من أركان الإيمان، فلا يتم إيمان مؤمن إلا بالإيمان بالقدر خيره وشره من الله سبحانه وتعالى. والإيمان بالقدر يتضمن الإيمان بأربعة مراتب: الإيمان بعلم الله عز وجل السابق، وأنه علم بالأشياء قبل وقوعها، وهذا معنى عموم علمه، وهو بكل شيء عليم. ومنها: الإيمان بالكتابة؛ فإنه علم بالأشياء قبل وقوعها، وأمر بكتابتها، كما صحت به الأحاديث الكثيرة. ومنها ما ذكره في حديث عباد بن الصامت، وجاء معناه عن ابن عباس وغيره. ولا منافاة بين هذه الكتابة وذاك العلم مع ما يكون من العباد من مشيئتهم واختيارهم في أفعالهم التي يتابع لمشيئة الله. ولهذا كان كذلك الرابع: الإيمان بمشيئة الله عز وجل ونفوذها، وإثبات مشيئة للعبد تابع لمشيئة الله، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. ولا منافاة بين هذه المشيئة التي للعبد مع مشيئة الرب جل وعلا. وقد أثبت الله عز وجل للعبد مشيئة واختيارًا، كما قال سبحانه: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَجْدَيْنِ﴾، وقال سبحانه: ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾، أي: بما يكون من اختياره. والرابع: الإيمان بخلق الله عز وجل لأفعال العباد؛ فالله خلق العباد وخلق أفعالهم من خير وشر، كما قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾، وقال النبي عليه الصلاة والسلام -كما في حديث حذيفة-: «إن الله صانع كل صانع وصنعته». وهذه المراتب الأربعة أنكرها طوائف من أهل البدع جهلًا، وكذلك إعراضًا، فكان بذلك من أنكر شيئًا من ذلك فهو منكر للقدر، حتى لا نظن أن إنكار القدر ينحصر بإنكار العلم، بل من أنكر أحد هذه الخصال الأربع فهو من منكر القدر الذين لم يؤمنوا بالله عز وجل على الوجه الذي أراده الله؛ لأنه لم يؤمن بالقدر. والإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان، وهو كذلك لم يوحد الله حق التوحيد؛ لأن منكر القدر منتقص معنى من معاني ربوبية الرب جل وعلا، ومنتقص معنى من معاني عبودية العبد لربه جل وعلا. ولا يتحقق ذلك إلا بتحقق مراتب الدين الثلاثة، فيكمل توحيد العبد بكمال مراتب الدين: إسلامًا، وإيمانًا، وإحسانًا. فلذلك كان المحسنون هم أكمل المؤمنين إيمانًا، وأكثرهم توحيدًا وإخلاصًا. وكلما نقصت صفات هذه المراتب نقصت خصال التوحيد. ونقصان الإيمان بالقدر قادح في التوحيد، كما هو قادح في الإيمان. ثم ذكر مجموعة من الأدلة التي تدل على هذا المعنى، أولها حديث ابن عمر الذي في صحيح مسلم، وهو حديث عظيم، وفيه مطولًا قصة جبريل عليه الصلاة والسلام حين جاء يعلم الناس دينهم، الحديث المشهور يرويه ابن عمر عن أبيه عمر رضي الله عنه. وللحديث في قصة ابن عمر قصة حين جاء رجلان يسألانه عن القدر، فحدثهم وقال ما قال. والشاهد أنه قال: «لو كان لأحد مثل أحد ذهبًا ثم أنفقه في سبيل الله ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر»، يعني: أن الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان، فمن لم يحققه كان كافرًا لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا. وذكر حديث عبادة بن الصامت، وهذا هو الشاهد، وإلا فالحديث فيه مسائل كثيرة، لكن نقتصر على ما يتعلق بالباب، فيه إثبات مرتبة الكتابة، وفيها التقدير العام الذي أمر الله عز وجل بكتابته. فأول ما خلق الله القلم -يعني بعد خلق العرش كما يفهم من الأدلة الأخرى- فالسنة يفسر بعضها بعضًا. ففي حديث عبد الله بن عمر: أن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف عام، وكان عرشه على الماء. ونحو حديث موسى كذلك، وأحاديث في الباب. فأمر الله بكتابة مقادير كل شيء، هذا من الإيمان بالقدر. وهذه الكتابة لا تنافي عمل العبد، بل هي من لوازم ربوبية الرب جل وعلا كونه الرب الخالق العليم القدير العظيم، فهو سبحانه يعلم ما يكون من خلقه، فأمر بكتابة هذا الذي علمه. وهذا التقدير هو التقدير العام، والتقادير تأتي في الشرع على أربعة معاني: تقدير عام، وهو ما كتب في اللوح المحفوظ. وتقدير عمري، وهو ما يكتب على المخلوق عند خلقه ونفخ الروح فيه، كما في حديث ابن مسعود في الصحيحين. وتقدير سنوي، وهو ما يكون في كل سنة في ليلة القدر، فيها يفرق كل أمر حكيم. وتقدير يومي، وهو ما يكون كذلك. وكل ذلك لا ينافي التقدير العام، بل هو تأكيد له. وقوله في رواية لابن وهب: حديث الذي أشار إليه هو فرع عن الحديث الذي قبله، حديث عباد بن الصامت. ففي هذه الرواية قوله: «أحرقه الله بالنار»، وهي رواية صحيحة، جاء معناها كذلك في السنة. وقوله: «وفي المسند والسنن إلى آخره»، الشاهد منه أن ابن الديلمي سأل أبي، ثم سأل ابن مسعود، وحذيفة، وزيد، وكلهم حدثه بنفس الجواب الذي فيه وجوب الإيمان بالقدر، وأنه إذا مات على غير ذلك لكان من أهل النار، وأنه لو مات على غير ذلك لم يقبل منه صرفًا ولا عدلًا، حتى لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما قبله الله منه، كما جاء بحديث ابن عمر كما تقدم. وهذا يؤكد ما سبق من أن من لم يؤمن بالقدر وبمسائل القدر فإنه يكون ممن قد قدح في توحيده، قد يوصله إلى الكفر الأكبر، وقد يكون من الكفر الأصغر. فمن أنكر العلم كفر بالقدر وكفر بالله. ومن كان عنده شبهة في المشيئة أو في الخلق أو كذلك في الكتابة فإنه يعلم وإلا فهو ظال من الضلال المبتدعة. وقوله: «فيه مسائل: الأولى بيان فرض الإيمان بالقدر»، يعني: كما جاءت به الأدلة من الكتاب والسنة. وأدلة الكتاب كثيرة في الإيمان بالقدر، كقوله جل وعلا: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾، وغير ذلك. وقوله: «الثانية بيان كيفية الإيمان به»، يعني: بأن يؤمن به على ما جاء تفصيله من عموم علم الله عز وجل، وكذلك ما أمر الله بكتابته من التقدير، وما ذكر من مراتب القدر، وأن يؤمن به بخيره وشره كله من الله سبحانه وتعالى. وقوله: «إحباط عمل من لم يؤمن به»، يعني: كما جاء في حديث ابن عمر، ومعناه في الأحاديث الأخرى. وقوله: «الإخبار أن أحدًا لا يجد طعم الإيمان حتى يؤمن به»، يعني: يتم إيمانه بالقدر، وأنه ربما يذهب عليه أصل الإيمان. وقول: «الخامس ذكر أول ما خلق الله»، يعني: القلم، وكما تقدم أنه يفسر بالأحاديث الأخرى، فهو أول ما خلق الله -يعني من أمر الدنيا- كما قال أهل العلم، فأمر بكتابة القلم؛ لأن العرش خلق قبل القلم. وقوله: «السادسة أنه جرى بالمقادير في تلك الساعة إلى قيام الساعة»، على ما جاءت به الأحاديث، كما هو ظاهرها، وهو سبحانه على كل شيء قدير. وقوله: «براءته صلى الله عليه وسلم من لم يؤمن به»، يعني: كما جاء في الحديث. وهكذا قوله في: «الثامنة عادة السلف في إزالة الشبهة بسؤال العلماء»، كما صنع ابن الديلمي؛ فإنه سأل أكثر من صحابي حتى زالت الشبهة ودخل اليقين إلى قلبه. وهكذا كل من عنده شيء من الشبه فعليه أن يسأل أهل العلم، كما أمر الله عز وجل بذلك: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. وقوله: «التاسع أن العلماء أجابوه بما يزيل شبهته»، يعني: أن العلماء هم القادرون على ذلك، وأن المقصود بهم علماء الكتاب والسنة، وأنهم استطاعوا ذلك ليس بالأهواء والآراء، ولكن بحديث النبي صلى الله عليه وسلم. قال الشارح رحمه الله: باب ما جاء في منكري القدر. قال: قد ثبت بالكتاب والسنة وإجماع علماء أن الإيمان بالقدر أحد أركان الإيمان، وأنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. فمن لم يؤمن بهذا فإنه ما آمن بالله حقيقة. فعلينا أن نؤمن بجميع مراتب القدر، فنؤمن أن الله بكل شيء عليم، وأنه كتب في اللوح المحفوظ جميع ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، وأن الأمور كلها بخلقه وقدرته وتدبيره. ومن تمام الإيمان بالقدر العلم بأن الله لم يجبر العباد على خلاف ما يريدون، بل جعلهم مختارين لطاعتهم ومعاصيهم. ولهذا فهو سبحانه وتعالى يجازي المحسن ويعاقب المسيء؛ لأنه فعل ذلك بإرادته. وهذا من الإيمان بالقدر، كما تقدم معنا. لا منافاة بين ذلك وبين إثبات عموم علم الله عز وجل، وقدرته ومشيئته، وأمره بكتابة ما يكون من خلقه، بل ذلك من معاني ربوبيته سبحانه وتعالى. ومر معنا في دروس سابقة أن العلماء ضربوا لهذا أمثلة تقرب المعنى، ولله المثل الأعلى. فعلى سبيل المثال: ضرب العلماء مثالًا، فقالوا: لو أن أبًا أمر أولاده وأبناءه بأمر، ثم أخبر بعض أهل بيته أن فلانًا منهم سيستجيب، وفلان لن يستجيب، بكمال أبوته وخبرته بأبنائه، فهل إخباره بذلك يعني أو يصلح به أن يحتج أحد هؤلاء الأبناء ممن عصى، فوقع مثل ما أخبر الأب أن الأب قد أخبر بذلك؟ إن فعل هذا العاصي ذلك استحق العقاب مرتين: المرة الأولى لأجل معصيته، والثانية لأجل استدلاله بما لا يصح الاستدلال به؛ فإنه يستحق العقاب عليه. ولله المثل الأعلى، فالمحتج على المعاصي بالقدر كذلك يكون حاله كحال هذا. ولله المثل الأعلى، فإنه لو استدل بالقدر على معصيته لاستحق العقاب مرتين: أولًا لمعصيته، وثانيًا لأجل استدلاله بما لا يصح الاستدلال به، وهو من أبطل الباطل. ويذكر أن رجلًا سنيًا كان له رجل قدري صديق، فلا يزال به وهو مدمن على المعاصي ويحتج بالقدر على المعاصي. وكلما نصحه احتج بالقدر، فغضب مرة هذا السني فصفعه صفعة قوية. فغضب هذا القدر فقال له: لم صفعتني؟ قال: قدر الله علي. فقال: كذبت، إنما فعلت ذلك أنت. قال: وكذلك أنت كذبت -يعني باستدلالك بالقدر على المعاصي-. وهذه الأمثلة وغيرها يذكرها العلماء لتقريب المعنى، وإلا فالقدر سر الله سبحانه وتعالى. إلى هنا والله تعالى أعلم.