الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 54، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح العلامة السعدي أن أكثر أهل الكتاب كفار فاسقون يحاربون المؤمنين لكن يفرون مهزومين كما في القادسية، وأن الاستثناء في «إلا أذى» يقتصر على أذى اللسان والسب لا الضرر البالغ. ويستشهد بقادة يهود المدينة كحيي بن أخطب لتوضيح طبيعة هذا الأذى المحدود.
يوضح المقطع أن اليهود اقتصر أذاهم على السب والشتم دون القدرة على القتال، لأن الله ضرب عليهم الذلة وجعلهم يفرون أمام المؤمنين. ويرى العلماء أن هذا الحكم إما خاص بعصر النبوة أو ممتد لكل زمان يتمسك فيه المؤمنون بدينهم، وتجلى في معارك كالقادسية حيث انتصر القليل على الكثير بفضل الله.
يستعرض المقطع تحقق وعد الله بنصر المؤمنين على أعدائهم، مستشهداً بهزيمة بني النضير وبني قريظة وخيبر، وفرار النصارى في مؤتة وتبوك. كما يذكر إرسال أبي بكر الصديق جيش أسامة بن زيد لغزو الروم مما أدى إلى ثبات القبائل ودخولهم في الإسلام.
يذكر المقطع كيف غلب الصحابة ومن بعدهم اليهود والنصارى والمشركين بفضل الله، معتبراً ذلك آية إلهية. ويؤكد أن بقاء هذه الغلبة مشروط بالتمسك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان، وأن التقصير في ذلك ينقص من قوة الأمة بقدر ما تُترك.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿ لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ ﴾ [آل عمران: 111]. قال رحمه الله بعد قول الله جل وعلا: ﴿ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [آل عمران: 110]: قال: وأما الكثير فهم فاسقون خارجون عن طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، أي: من أهل الكتاب منهم المؤمنون، وأكثرهم الفاسقون، أي: منهم من آمن بالنبي عليه الصلاة والسلام، وإلا فأكثرهم فاسقون، أي: كافرون، كفروا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم خارجون عن طاعة الله وطاعة رسوله، محاربون للمؤمنين، ساعون في إضرارهم بكل مقدورهم. أن اليهود يسعون إلى إضرار أهل الإيمان، أهل الإسلام، بكل ما أوتوا من سعي، وخاصة اليهود. خاصة اليهود قد كانوا يسعون لإضرار أهل الإيمان. وأما محاربتهم فلم يستطيعوا أن يحاربوا أهل الإيمان، وإن حاربوهم ولوا الأدبار، لا يستطيعون أن يقفوا عند أهل الإسلام ويحاربونهم. فلهذا حاولوا أن يحاربوا لكنهم لم يستطيعوا وهربوا، خاصة اليهود، وكذلك النصارى في آخر زمن النبي عليه الصلاة والسلام وما بعده، فإنهم كما قال الله عز وجل في هذه الآية: ﴿ وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ﴾، حتى أنهم مع كثرتهم كالنصارى كانوا يأتون بأعداد هائلة، إلا أن الله يخذلهم ويهزمهم فيولون الأدبار، فتأتي عليهم نكبة مثل ما حصل في القادسية، فإنهم غرقوا في النهر وولوا الأدبار، لكن لم يوفقوا إلى أن يهربوا، فغرق أكثرهم في النهر، غرقت خيولهم وهم، وكذلك المشاة غرقوا في النهر وماتوا فيه. فقال المؤلف رحمه الله: ومع ذلك فلن يضروا المؤمنين إلا أذى، أذى باللسان. وهذا على تفسير؛ لأن قوله جل وعلا: ﴿ لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى ﴾، هل هنا الاستثناء في قوله «أذى» متصل أو منقطع؟ أي: هل هذا الأذى من الضر مما يضركم، أو أنه أذى لا يضر؟ فبعض فسره بأذى اللسان، فهو أذى وضرر لكنه فقط باللسان، فلهذا قال: «إلا أذى»، أي: ضرر يسير، وهو سبكم وأذيتكم بألسنتهم. كما أنهم مثلاً، ذكر بعض المفسرين من السلف أن هذه الآية نزلت في بعض اليهود أو قادة اليهود الذين كانوا في المدينة، كحيي بن أخطب وأخيه ياسر، وكذلك عبد الله بن صوريا، وغيرهم من زعماء يهود. قد كانوا يؤذون بعض المؤمنين ممن آمن من قومهم كعبد الله بن سلام وغيره، فإنهم يؤذونهم بألسنتهم، فيقولون لهم مثلاً: إن عزيراً ابن الله، وأنكم كفرتم، وأنكم فعلتم كذا. فمثل هذا الأذى الذي يلقونه بألسنتهم. وأما الأذى الذي يكون بالضرب فهذا لن يحصل، بل كما ذكر ربنا جل وعلا أن اليهود لا يستطيعون أن يفعلوا ذلك لأنهم ضربت عليهم الذلة كما سيأتي في الآية الأخرى، وأيضاً كذلك لأنهم ما يستطيعون أن يقفوا عند المسلمين. فلهذا قال: ﴿ وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ﴾. وهنا تولية الدبر هنا ليس تحرفاً لقتال، وليس أيضاً يأوون إلى طائفة، وإنما توليتهم الدبر هنا هو الهروب، هو الهروب، وعدم المبارزة، وكذلك عدم أنهم يقفون بين يدي المسلمين ويحاربونهم، بل يولون الأدبار ويهربون، ولا يستطيعون مقاومة أهل الإسلام. هذا قال بعض العلماء أنها في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: في زمن النبي عليه الصلاة والسلام. وقال بعضهم: إن الله عز وجل يخبر في زمن النبي صلى الله عليه وسلم الذي حصل هذا، لكن هذا الأمر إلى يوم القيامة. فإن أهل الإيمان إذا تمسكوا بدينهم، وتمسكوا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله جل وعلا، فإنهم لا يستطيع اليهود ولا النصارى ولا غيرهم أن يقفوا ويحاربونهم، أو أن يقفوا في مواجهتهم في الحروب، بل أنهم لا يستطيعون مقاومتهم. هذا إذا آمن أهل الإيمان. وهذا فعلاً الذي حصل في زمن النبي عليه الصلاة والسلام وما بعده، عندما كان الصحابة أقوياء، ومن بعدهم كانوا أهل قوة، قوة في إيمانهم، لا يستطيع الكفرة من اليهود والنصارى وغيرهم أن يقفوا مقاومة لهم، مع أن العدد فرق وشاسع بينهم. أن يأتي أهل الإسلام بستة آلاف كما حصل في القادسية، ويأتي اليهود أو النصارى أقصد بمئتي ألف، ومعهم الأفيال، ومعهم كذا وكذا مجهزون تجهيزاً قوياً جداً والحديد. حتى أنهم في بعض المعارك كان فرسان النصارى لا يرون من الحديد، لا يرون منا من كثرة ما يلبسون من الحديد. حتى أن مرة، الظاهر النعمان بن مقرن أو غيره، كان يقاتل عجلاً من العجول، عجول هؤلاء النصارى، وكان مدججاً بالسلاح وملبساً بالحديد، فلم يستطع أن يضربه في شيء، كلما ضربه رد هذا الدرع الحديد، فأخذ فرصة فضربه في عينه، يعني أدخل سيفه في عينه، حتى وجد هذا الجرح جرحاً جديداً فمات. وهذا من كثرة ما فيه من الحديد، لكنهم مخذولون، خذلهم الله بكفرهم. فلهذا قال الله عز وجل: ﴿ وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ ﴾، بل هم مغلوبون ومهزمون، مهما أتوا من عدد، ومهما أتوا من سلاح، أو مهما أوتوا من سلاح، ومهما تجهزوا بتجهيز عظيم، فإنهم لا يقفون عند أهل الإسلام إذا كان أهل الإسلام على دينهم، وعلى أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر. فقال رحمه الله: قد وقع ما أخبر الله به، فإنهم لما قاتلوا المسلمين ولوا الأدبار، ونصر الله المسلمين عليهم، سواء كان اليهود أو النصارى. فإن اليهود أرادوا أن يقفوا ويقاوموا أهل الإسلام، عندما وخاصة بني النضير، فأرادوا أن يقاوموا، فحاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم شهراً، ثم لم يستطيعوا أن يقاوموا، وهزموا، ونزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكذلك بني قريظة، بني قريظة أيضاً نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطلبوا الصلح. وكذلك في خيبر. وأما النصارى فقد حصل في مؤتة شيء من ذلك، وأيضاً حصل بعد ذلك في تبوك، لما جاء النبي عليه الصلاة والسلام إلى تبوك، فوجد أن النصارى هربوا من ذلك المكان الذي ظن أنهم يكونون فيه، فهربوا، مع أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن معه تلك الأعداد الكبيرة، فلم يلقوا حرباً. ثم بعد ذلك حصلت الحروب بين أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام وهؤلاء النصارى. فإن أبا بكر الصديق رضي الله عنه أرسل أسامة، بعد أن جهزه النبي صلى الله عليه وسلم. جهز النبي صلى الله عليه وسلم جيشاً عظيماً بقيادة أسامة بن زيد رضي الله عنه لغزو الروم، فمات النبي عليه الصلاة والسلام وأسامة نازل في ذي الحليفة، فلم يثنه حتى مسك الخلافة الصديق رضي الله عنه، فأول ما فعل أنه أمر أسامة بن زيد أن يمشي بذلك الجيش، فعارضه بعض الصحابة، ثم أنه لقول أبي بكر قال: والله، كان يقول أبو بكر رضي الله عنه: والله لو جرت الكلاب على أرجل أزواج النبي عليه الصلاة والسلام ما تركت أمراً أمر به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فأمر أسامة أن يذهب إلى النصارى، ولقي أسامة خيراً وقتل بعض النصارى حتى وصل إلى الغساسنة، ثم رجع رضي الله عنه بعد أن رأى أولئك القبائل التي بين الروم وبين الحجاز، رأوا ذلك الجيش العظيم وتلك الغلبة التي غلبوا النصارى، فرجع من كان أراد أن يرتد عن دين الله جل وعلا. والمهم أن الصحابة رضي الله عنهم ومن كان بعدهم بعد ذلك، فإن اليهود والنصارى وغيرهم من المشركين لم يستطيعوا أن يقفوا في مقاومتهم، بل غلبوا وهزموا وولوا الأدبار. وهذا آية من آيات الله جل وعلا. لكن كما ذكر الله عز وجل: إذا صارت هذه الأمة على خيريتها من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله، فإن تركوا ذلك أو تركوا شيئاً من ذلك، ينقص فيهم بقدر ما تركوا.