الدرس في كتاب البيوع 54، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
لا يجوز أخذ شيء من الصلح إذا كذب أحد الأطراف في الدعوى، كما لا يجوز الصلح عن حد السرقة أو القذف بعوض مالي. يعتبر أخذ شيء من الصلح في هذه الحالات حراماً.
يصح الصلح في القصاص على بدل، بينما لا يجوز الصلح في حق الشفعة بمال لأنه شرع لدفع ضرر الشريك. يجوز عرض أكثر من الدية على أهل الميت في الصلح.
اختلف العلماء في حكم الصلح بالمال في بعض المعاملات والشهادات والحدود، حيث رأى الحنابلة عدم جواز الصلح بالمال في بعض الحالات بينما أجازه المالكية. كما اختلفوا في سقوط الحد مع رد العوض.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: «وَإِن كَذَّبَ أَحَدُهُمَا لم يصح في حقه باطناً وما أخذه حرام»، أو «وإن كذب أحدهما لم يصح في حقه باطناً وما أخذه حرام». أنه إذا كان كاذباً في الدعوة، ادعى شيئاً وهو يعلم أنه كذب، أو كذب في الإنكار، فلا يجوز له ما أخذه، يعلم أن عنده مئة ألف، وهو يقول: لا، لا، ما عندي مئة ألف، عندي أقل من هذا، فيجعل بعد ذلك هذا المدعي مثلاً الصلح مثلاً على النصف أو على كذا، فهذا أو مثلاً في الدعوة يدعي أن عنده أن عند الآخر مئة ألف، وهو ليس عنده كذلك، وهو يعلم أنه ليس كذلك، لكن استغل جهل هذا، معنى جهله ب، أو عدم معرفته بما عنده، بما عنده مثلاً، بعض أصحاب المحلات وغيرهم يأتي آخر يأخذ من عنده، هو لا يحسب، وهذا يحسب، فيأتي الشهر فيقول له: عندك مئة ألف، وهو ليس عنده كذلك. فإذا كذب في الدعوة أو كذب في الإنكار، أي المدة عليه، فيعتبر ما أخذه حرام، ولو كان عن صلح. قال: «ولا يصح بعوض عن سرقة وقدف». عن رجل مثلاً ثبتت عليه السرقة، أنه سرق، أو ثبت عليه حد القذف، فهل يجوز الصلح فيه؟ الجواب أنه لا يجوز الصلح فيه. لا يقول مثلاً: أعطيني كذا وأنا تنازل عن حد السرقة أو حد القذف. أنا يقول مثلاً المقدوف مثلاً أصالحه على كذا من المال الذي قذف، أو المسروق الذي قيل أنه سرق، فيقول: أصالح هذا الذي اتهمني على مال كذا، على مال، فهذا لا يجوز، ولا يصح الصلح فيه. وعما في القصاص والقود، القصاص سواء كان في الأعضاء أو في النفس، فيصح فيه الصلح على بدل القصاص، يأخذ دية أو يعفو، ما فيه شيء. فالصلح يصح في القصاص. وعند جمهور العلماء أنه يجوز أن يعرض على أهل الميت أكثر من الدية، أكثر من الدية، مثلاً لم يرضوا بالدية، عندهم قصاص، فصالحوهم على أكثر من الدية، مثلاً في ديتين، في ثلاث، فلا بأس بذلك، لأن القصاص حق يعتاد عنه، يعوض عنه، بخلاف القذفة والسرقة. قال: «ولا حق الشفعة أيضاً». حق الشفعة لا يجوز فيه الصلح، مثلاً تكون الأرض أو بيت شراكة للورثة، فباع أحد الورثة نصيبه من هذا البيت، فهنا تثبت الشفعة للآخرين، مثلاً ثلاث منهم في بيت ورثوه من أبيهم، فباع أحدهم نصيبه، فللآخرين معنى لإخوته أنهم يطلبوا حق الشفعة، حق الشفعة، أي أن لهم الحقية في شراء البيت أو في شراء حق هذا الذي يريد البيع، فيبطل البيع ويكون البيع لهم. فحق الشفعة ثابت للشريك، فهل يعتاض بالشفعة بمال؟ فمعنى هنا: ولا يحق له الشفعة، معنى: لا يجوز ذلك، يعني مثلاً يقول أحد إخوته لمن اشترى مثلاً أو لأخيهم: أعطينا مقابل شفعتنا مالاً، فلص نحن ما سنطالب بحق الشفعة، لكن أعطينا مالاً، فهذا لا يجوز، لأن الشفعة إنما حصلت أو شرعت لدفع ضرر الشريك، ولم تشرع للاستفادة المالية أيضاً، مثل الخيار إذا كان خياراً في البيع، لا يجوز له أن يسقط حقه والخيار بمال. مثلاً إنسان اشترى بيتاً، وصاحب البيت هذا البايع قام اشترط عليه أنه يجلسه في البيت ثلاثة أشهر، فاحتاج البايع المشتري هذا إلى البيت، فقال للبايع: أعطيك كذا وكذا من المال على أن تسقط حقك من الخيار، أنا بدخل ثلاثة أشهر، آخذ لك شهر واحد، وأعطيك بالشهرين كذا وكذا من المال، هذا أيضاً لا يجوز. وهذا على قول الحنابلة، وهناك قول آخر في المذهب أن ذلك جائز؛ لأنه معاملة، والأصل في المعاملات الحل، ولأنه تعوض بهذا المال لأجل الضرر الذي سيصيبه. وهذا قول عند الحنابلة، يقول به المالكية، واختاره بعض علماء السنة، كالشيخ عبد الرحمن بن سعدي، على أنه يجوز مثل هذه المعاوضات. وهذا الذي الآن يفعلونه في كثير من المعاملات، معناه: يعتاض بالمال، إذا كان فيه ضرر عليه، يدفع هذا الضرر بالمال. مثلاً إذا كان إنسان قذف آخر، ويقول له: خلاص لا تذهب إلى الشرطة، وأنا سأعطيك كذا وكذا من المال، أو سرق، قالوا: تركوا شهادة، أنه لا يجوز الصلح على ترك الشهادة، وسواء كانت شهادة حق أم شهادة باطل. أنا سيشهد عليه بشيء من الأمور التي فيها حق لغيره، فيقول له: لا تشهد، سأعطيك كذا وكذا من المال، فهذا حرام؛ لأنه كتمان للشهادة، ومن يكتمها فإنه آثم قلبه، فإذا أخذ مالاً لأجل هذا الحرام، فهو رشوة. حتى ولو كان سيشهد شهادة زور، وهو يعلم أنه سيشهد شهادة زور، فيقول له: لا تشهد، وأعطيك كذا وكذا، فهذا أيضاً لا يجوز؛ لأن هذا الشاهد يأكل المال بالباطل. قال: «تسقط الشفعة والحد»، معناه: يقول العلماء إذا ثبت الصلح في حد السرقة أو قذف، فإن الحد يسقط، ويرد العوض، العوض هذا؛ لأنه محرم، كما تقدم معنا في مذهب الحنابلة، فيرد العوض، لكن الحد يسقط؛ ولأن الصلح باطل، فيرد الصلح، وأما الحد فيسقط. وبعض العلماء قال: لا، لا يسقط؛ لأنه إنما ثبت السقوط بسبب العوض، فإذا لم يثبت العوض، فلا رضا، ويبقى الحق. وهذه المسألة قائمة على مسألة أخرى، وهو أن مسألة القذف حق للآدمي، له أن يتراجع فيه. وهناك من العلماء من قال: أنه حق للآدمي ولله أيضاً.