الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 64، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستهل العلامة السعدي الجزء الثاني من تفسيره بآيات سورة آل عمران الناهية عن الربا والآمرة بتقوى الله وطاعة الرسول، مؤكداً قاعدة منهجية تقتضي معرفة العبد لحد الأمر الإلهي وماهيته. ثم يبين ما يُطلب من العبد نحو ذلك المأمور مستشهداً بالصلاة مثالاً للتمييز بين حقيقة العبادة وكيفيتها الواجبة.
يشدد النص على وجوب معرفة حد الأمر أو النهي الشرعي وما يدخل فيه وما لا يدخل قبل الاجتهاد في امتثاله أو تركه، مستشهداً بالسرقة التي لا يعد كل أخذ للمال سرقة موجبة للقطع بل لها ضوابط واستثناءات. وينبه إلى أن هذا الضابط عام في جميع الأوامر والنواهي الإلهية لتمييز الحلال من الحرام وتحقيق الامتثال الصحيح.
يوضح المقطع أن ذكر آيات التقوى وسط قصة أحد جاء لبيان خصال التقوى التي وعد الله بها النصر، بعدما حث المؤمنين على الصبر والتقوى. فالتقوى هي امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه، وقد ورد لفظها ثلاث مرات في هذه الآيات لتأكيد أهميتها كسبيل للفلاح والسعادة.
يشرح المقطع أن المتقين هم الذين اتقوا الله بأنواع من التقوى: تعظيم الله وخوفه لذاته، وخوفاً من عذابه والنار، وطمعاً في جنته وثوابه. ويشير إلى أن هذه المعاني كلها داخلة في تقوى الله، وأن التذكير بها سبب لنصر الله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى: «بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين، وعليه نتوكل، ربي يسر وعني كريم». الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا. وهذه مقدمة للجزء الثاني من تفسير العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله، وبدأ بقول الله جل وعلا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [آل عمران: 130-132]، إلى قوله جل وعلا: ﴿ أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾ [آل عمران: 136]. قال رحمه الله: «تقدم في مقدمة هذا التفسير أن العبد ينبغي له مراعاة الأوامر والنواهي في نفسه وفي غيره»، كأن ما اشتهر عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «إذا سمعت يا أيها الذين آمنوا فألق لها سمعك، فإما أمر تؤمر به، وإما نهي تنهى عنه». فقال: «وأن الله تعالى إذا أمر بأمر وجب عليه -أعني على العبد- أولًا أن يعرف حده، وما هو الذي أمر به»، أي: أنه إذا أمر الله عز وجل بأمر فيجب أن يعرف حده، ما المقصود بهذا الشيء الذي أمر الله به، وما هو الذي أمر به؟ أي: ما هو المأمور، وما الذي أمر به فيه، ليتمكن بذلك من امتثاله. أنا الآن أذكر أمثلة لأمور، مثلا: الصلاة. الصلاة الشرعية، الصلاة الفعل المخصوص الذي تبدأ من التكبير وتنتهي بالتسليم، تفعل مع النية. هذه الصلاة حدها هذا. أيش الذي ينبغي للعبد أن يأتمر به في الصلاة؟ أن يأتي بهذه الصلاة في أوقاتها، وبشروطها، وبأركانها، وواجباتها، وخشوعها، وخضوعها. معنى الأول: يعرف أمر الله جل وعلا، وحد هذا المأمور به. ثم يعرف ما الذي أمر به في هذا الشيء الذي أمر الله به، أي: ما متعلق العبد به، ليش الذي يعمل العبد؟ قال: «فإذا عرف ذلك اجتهد واستعان بالله على امتثاله في نفسه وفي غيره بحسب قدرته وإمكانه»، أي: في غيره ممن يستطيع أن يدلهم على هذا الشيء أو يأمرهم به، إن كانوا من رعيته. قال: «وكذلك إذا نهي عن أمر عرف حده»، حده كما قلنا: تعريفه أو ماهيته، ما هو هذا الشيء، وما يدخل فيه وما لا يدخل. هل هذا داخل في النهي أو ليس بداخله؟ فإذا عرف حده، عرف ما الذي يدخل فيه وما الذي لا يدخل فيه، وعرف أيضًا ما المراد به، وما المترتب على... مثلا: كان له عقوبة، ما المترتب على عقوبته؟ مثلا: السرقة. السرقة: ما المراد بالسرقة؟ هل كل أخذ مال يسمى سرقة؟ لا، أحيانا أخذ مال يكون جائزًا، مثل: أخذ الأب من مال ابنه، أو شريك يأخذ من مال شريكه، أو يكون أخذه بإذن عام، أو غيرها من الأمور التي يحل فيها أخذ مال الغير ولا يعد سرقة. وهناك من أخذ المال ما هو حراب لكنه ليس بسرقة، وهذا أيضًا كثير، يدخل في ذلك النهب، ويدخل في ذلك الاختلاس، ويدخل في ذلك الغلول، وغيرها من أخذ مال الناس بالباطل، أيضًا الغصب. فلذا: أولًا يعرف ما المراد بنهي الله عز وجل عن هذا الشيء: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ﴾ [المائدة: 38]، من هذا الذي تقطع يده؟ فلا بد أن يعرف ما هو المراد بالسارق. ثم أيضًا: كما قال المؤلف هنا: «وكذلك إذا نهي عن أمر عرف حده وما يدخل فيه وما لا يدخل»، عرفنا ما هو الذي يدخل في السارق وما الذي لا يدخل فيها. قال: «ثم اجتهد واستعان بربه في تركه»، هذا متى؟ إذا كان بين الحلال والحرام، فيترك الحرام ويفعل الحلال. قال: «وأن هذا ينبغي مراعاته في جميع الأوامر الإلهية والنواهي». وهذه الآيات الكريمات قد اشتملت على أوامر وخصال من خصال الخير، أمر الله بها وحث على فعلها، وأخبر عن جزاء أهلها، وعلى نواهي حث على تركها، فهذه من الآيات الجامعة التي جمعت خيرًا كثيرًا ونهت عن شر كثير. قال رحمه الله: «ولعل الحكمة -والله أعلم- في إدخال هذه الآيات أثناء قصة أحد، أنه قد تقدم أن الله تعالى وعد عباده المؤمنين أنهم إذا صبروا واتقوا نصرهم على عدائهم، وخذل العداء عنهم، كما في قوله جل وعلا: ﴿ إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ﴾ [آل عمران: 120]، ثم قال: ﴿ بَلَىٰ إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ﴾ [آل عمران: 125] الآيات». قال: «فكأن النفوس اشتاقت إلى معرفة خصال التقوى؛ لأن الله عز وجل أمرهم بها: ﴿ إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا ﴾ في الآية الأولى، ﴿ لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ﴾، وقال: ﴿ إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَٰذَا ﴾، فحث على الصبر وحث على التقوى». فلذا قال: «فكأن النفوس اشتاقت إلى معرفة خصال التقوى التي يحصل بها النصر والفلاح والسعادة». ما هي خصال التقوى؟ هي امتثال أمر الله واجتناب نهيه. فلذا ذكر هذه الأوامر الكثيرة في هذه الآية، وذكر النواهي. قال: «فذكر الله في هذه الآيات أهم خصال التقوى التي إذا قام العبد بها فقيامه بغيرها من باب أولى وأحرى». فلذا قال: «ويدل على ما قلنا عن الحكمة من وجود هذه الآيات ضمن آيات قصة أحد، فبعدما ذكر قصة أو شيء مما قصه الله عز وجل علينا في غزوة أحد، ذكر هذه الآيات، ثم سيأتي أيضًا... سيذكر أيضًا بعض الشيء والتنبيه على أمور يحتاجها أهل الحرب، ويحتاجها أيضًا كذلك أو حصلت في أحد فاحتاجوا إلى تنبيه، فنبههم الله عز وجل». فلماذا أدخلت هذه الآيات وسط الآيات التي تتكلم على أحد؟ ذكر الحكمة من ذلك: أنه لما ذكر ربنا جل وعلا أن من أسباب النصر الصبر والتقوى، ذكر ما المراد بالتقوى، وما هي خصال التقوى، فذكر هذه الآيات. قال: «ويدل على ما قلنا أن الله ذكر لفظ التقوى في هذه الآيات ثلاث مرات: مرة مطلقة، وهي قول الله عز وجل: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [آل عمران: 133]، ومرتين مقيدتين، فقال: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ [آل عمران: 130]، ﴿ وَاتَّقُوا النَّارَ ﴾ [آل عمران: 131]». للمتقين: علّق أنهم الذين اتقوا الله، لكن هناك تقوى الله عز وجل تُتقى، يعني: يتقى الله عز وجل بأشياء: أولًا: أن يتقى رب الجلال وعلا هو نفسه سبحانه وتعالى، تعظيمًا لجنابه سبحانه وتعالى، وأيضًا خوفًا منه سبحانه وتعالى، وهذا أيضًا من التقوى، وأيضًا كذلك خوفًا من عذابه، ﴿ وَاتَّقُوا النَّارَ ﴾، وأيضًا كذلك طمعًا في جنته، فلأجل الطمع في الجنة يتقى الله عز وجل، لأجل ثواب الله سبحانه وتعالى، فكل ذلك يدخل في تقوى الله جل وعلا. فلذا احتاجوا إلى مثل هذا التذكير، مثل هذه الأمور التي يأتي بعدها نصر الله جل وعلا. طيب، إن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، ونكمل في درس لاحق. زكاكم الله خيرًا. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.