تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 63

تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 63

الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 63، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

سبب نزول آية (ليس لك من الأمر شيء) وإصابة النبي يوم أحد

يفسر العلامة السعدي سبب نزول الآية الكريمة بأنها جاءت عندما جُرح النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وكُسرت رباعيته، فقال: «كيف يفلح قوم شجوا وجه نبيهم؟». كما يذكر المقطع أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح الدم عن وجهه متأسيا بنبي سابق دعا لقومه بالمغفرة لجهلهم.

نزول آية (ليس لك من الأمر شيء) ودعاء النبي على بعض قريش

توضح الآية أن مهمة النبي تقتصر على البلاغ، بينما الفلاح والعذاب بيد الله. دعا النبي على بعض كبراء قريش فنزلت الآية، ثم أسلم أولئك الدعاة مثل سهيل بن عمرو بعد الفتح، مما يبين حكمة الله في عدم استجابة الدعاء.

رد دعاء النبي وبيان أن الأمر كله لله وتفسير الظلم بالشرك

يوضح المقطع أن الله رد دعاء النبي بقوله «ليس لك من الأمر شيء» تأكيداً على أن التدبير كله لله، ويبين أن الآية قد يكون لها أسباب نزول متعددة. كما يفسر قوله تعالى «فإنهم ظالمون» بأن المراد بالظلم هنا هو الشرك بالله، مستدلاً بحديث لقمان أن الشرك ظلم عظيم، وأن من بقي على شركه استحق العذاب.

التوبة الإلهية وعاقبة الظالمين

يوضح المقطع أن توبة الله على العباد هي سبب فلاحهم، مستشهداً بالآية التي تخير بين التوبة والعذاب للظالمين، ثم يختم المتحدث الجلسة بالاكتفاء بهذا القدر.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد: قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ﴾. قال رحمه الله: لما أصيب صلى الله عليه وعلى آله وسلم يوم أحد، وكسرت رباعيته، وشُجّ رأسه عليه الصلاة والسلام، جعل يقول: « كيف يفلح قوم شجوا وجه نبيهم وكسروا رباعيته؟ ». فأنزل الله تعالى هذه الآية. فهذه الآية جاء فيها أكثر من سبب نزول، وبعضها صحيح وبعضها لا يصح. فمن ذلك ما ذكره المؤلف في حديث أخرجه الصحيحان، وعلقه البخاري في بعض المواضع، عندما قال النبي عليه الصلاة والسلام: « كيف يفلح قوم شجوا وجه نبيهم وكسروا رباعيته؟ ». والشج يكون في الرأس، مع أنه كانت عليه بيضة من حديد، إلا أنه شُجّ عليه الصلاة والسلام، وضرب في رأسه، صلوات الله وسلامه عليه. فكان يقول: « كيف يفلح قوم شجوا وجه نبيهم؟ ». وجاء في حديث عبد الله بن مسعود أنه مسح على وجه النبي عليه الصلاة والسلام الدم، ويذكر نبيًا من أنبياء الله عز وجل أدمى قومه، فكان يقول: « اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون، اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ». فكان النبي عليه الصلاة والسلام يمسح الدم عن وجهه، متذكرًا قول هذا النبي الكريم، يتأسى به ويقتدي به عليه الصلاة والسلام. وقال أيضًا هذه العبارة: « كيف يفلح قوم شجوا وجه نبيهم وكسروا رباعيته؟ ». فأنزل الله عز وجل: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ﴾. أي أن هذا ليس ما أرسلت به، وإنما أرسلت بالبلاغ، أن تبلغهم دين الله جل وعلا، وأنت رسول إليهم. وأما مسألة فلاحهم وعدم فلاحهم، فهذا إلى الله عز وجل. وأيضًا جاء في سبب نزول هذه الآية ما جاء في الصحيحين أيضًا عن عبد الله بن عمر، أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى الصبح، فكان يدعو على بعض أهل قريش: على سلمة، أو على سهيل بن عمرو، وعبد الله بن أبي أمية، وجماعة من كبراء قريش. فأنزل الله عز وجل هذه الآية: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ﴾. ثم تاب الله عز وجل على هؤلاء الذين ذكرهم النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا من مسلمة الفتح، كسهيل بن عمرو رضي الله عنه. وكان من أهل الرأي، أقصد أنه من أهل الذكاء، وممن يُشاور، وقد كان عمر يجلسه في مجلسه، وأسلم في الفتح بعد فتح مكة. فهذا معنى قول الله عز وجل: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٍ ﴾، أي أن هذا الأمر لله، فلاحهم وعدم فلاحهم، وإنما عليك أن تبلغهم دين الله جل وعلا، وتصبر على ما أصابك من الأذى. قد كان كذلك عليه الصلاة والسلام، لكن أراد أن يذكر هؤلاء القوم أن كيف يفلحون وهم يعادون نبيهم، لكن الأمر لله عز وجل. فلذلك أسلم هؤلاء الذين كان يدعو عليهم النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يستجب الله عز وجل لنبيه لحكمة منه سبحانه وتعالى. ولهذا ردّ الله دعاءه عليه الصلاة والسلام بقوله: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٍ ﴾. فصحت كما قلنا هذه الأسباب، وصحة عن النبي عليه الصلاة والسلام. وقد جوز العلماء أن تكون الآية الواحدة لها أكثر من سبب نزول، وأن لا يكون لها سبب نزول واحد فقط، بل قد يكون أكثر من سبب نزول. قالوا: يبين أن الأمر كله لله، وأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ليس له من الأمر شيء؛ لأنه عبد من عبيد الله، والجميع تحت عبودية ربهم، مدبرون لا مدبر لهم سواهم. وهؤلاء الذين دعوت عليهم أيها الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، أو تبعت فلاحهم وهدايتهم، إن شاء الله تاب عليهم ووفقهم للدخول في الإسلام، وقد فعل. يريد أولئك سهيل بن عمرو وغيره، فإن أكثر أولئك هداهم الله فأسلموا. وإن شاء الله عذبهم، فإنهم ظالمون، مستحقون لعقوبات الله وعذابه. أن الظالمين هنا بمعنى مشركين، أي أنهم أشركوا بالله عز وجل، وهذا أعظم الظلم. الشرك بالله جل وعلا أعظم الظلم، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لما نزل قول الله جل وعلا: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ﴾. فقال الصحابة رضي الله عنهم: « أينا لا يظلم نفسه؟ ». فقال: « ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح لقمان: ﴿ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾، إن الشرك لظلم عظيم ». فدل على أن المراد هنا بالآية أيضًا الظلم هو الشرك، وهو أعظم الظلم وأكبر الذنوب. فقال الله عز وجل: ﴿ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ﴾، أي إذا بقوا على شركهم فإن الله عز وجل يعذبهم. وإن تاب الله عز وجل عليهم، فإن هذا فلاحهم. ﴿ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ﴾. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.