تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 7

تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 7

الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 7، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

حكمة تشريع الميراث وإنصاف النساء والصبيان

يوضح العلامة السعدي أن الجاهلية كانت تحرم النساء والصبيان والضعفاء من الميراث وتخص به الرجال الأقوياء، فشرع الله الميراث للجميع عدلاً ورحمة. وجعل نصيب المرأة نصف نصيب الرجل مراعاة لحاجته للنفقة والإنفاق والقرابة والمصلحة.

تقرير حق المرأة في الميراث وإبطال عادة الحرمان

يؤكد المقطع أن الله فرض للنساء نصيباً في الميراث مساوياً للرجال في أصل الاستحقاق، ويندد بعادة بعض القبائل في حرمان النساء معتبراً ذلك ظلماً وجاهلية. وتأتي الآية قاطعة لهذا الظلم ومقررة حق المرأة في التركة سواء من الوالدين أو الأقربين.

تحديد الأنصبة الشرعية وحكمة القسمة الإلهية

يبين المقطع أن أنصبة الميراث محددة من الله عز وجل وتطبق على التركات قليها وكثيرها دافعاً توهم قصر الإرث على الأموال الكثيرة. ويؤكد أن رضا العبد بقسمة الله يورث الطمأنينة بينما ينشأ السخط غالباً من الطمع لا من ظلم القسمة.

طعم الإيمان برضا المؤمن بربوبية الله ونبوة محمد

يشير المقطع إلى حديث نبوي رواه الإمام مسلم عن العباس بن عبد المطلب يفيد بأن من رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً فقد ذاق طعم الإيمان. ويختتم بالتأكيد على الاكتفاء بهذا الدليل والله أعلم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد: قال العلامة سعد رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ﴾. قال رحمه الله: كان العرب في الجاهلية من جبروتهم وقسوتهم لا يورثون الضعفاء كالنساء والصبيان، ويجعلون الميراث للرجال الأقوياء لأنهم بزعمهم أهل الحرب والقتال والنهب والسلم. فأراد الرب الرحيم الحكيم أن يشرع لعباده شرعًا يستوي فيه رجالهم ونساؤهم، وأقوياؤهم وضعفاؤهم. فربنا جل وعلا أعلم بمصلحة عباده. فحرمان النساء من الميراث عادة جاهلية، فكان أهل الجاهلية لا يعطون إلا الرجال الأقوياء، وأما الرجال الضعفاء والنساء والصبيان فلا يعطونهم شيئًا من الميراث، وهذا ظلم وحيف لا ينبغي أن يفعل. فالمرأة تحتاج إلى المال، وكذلك أيضًا الرجل الضعيف يحتاج إلى المال، وكذلك الصبي يحتاج إلى المال إذا كبر، فإن مال والده سطر له، وكذلك سواء كان ذكرًا أو أنثى فله نصيب. لهذا ربنا جل وعلا بين أنه لا بد أن النساء يصبن مما من هذا العرض، وكذلك أيضًا الولدان، وكذلك غيرهم من الضعفاء، فكلهم يجد نصيبه. لكن الله عز وجل جعل هذا الميراث بحسب كل رجل، وأيضًا أو بكل فرد، وبحسب قرابته من هذا الميت، وكذلك أيضًا ما يكون فيه مصلحة له. فجعل غالبًا النساء نصف مال الرجل لأن الرجل يحتاج إلى المال أكثر من المرأة، لهذا أعطاه سهمًا كاملًا وأعطى النساء نصفه. فقال: فأراد الرب الرحيم الحكيم أن يشرع لعباده شرعًا يستوي فيه رجالهم ونساؤهم، وأقوياؤهم وضعفاؤهم. وهنا يستوي أي أنهم يجدون مثل ما يجد الرجال، تجد النساء، وليس المراد أنهم بالسوية، وإنما بحسب العدل والقرابة، معنى بحسب ما يحتاجه هذا المورث أو المورث، وأيضًا كذلك بحسب قرابته. قالوا: قدم بين يدي ذلك أمرًا مجملًا لتتوطن على ذلك النفوس، فيأتي التفصيل بعد الإجمال، قد تشوقت له النفوس، وزالت الوحشة التي من شأنها العادات القبيحة. فربنا جل وعلا أولًا بين أنه لا بد للنساء أن يجدوا نصيبًا من الميراث مثل ما يجد الرجال: ﴿ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ ﴾. مثل ما يجد الرجل تجد المرأة. أما حرمان المرأة من الميراث فهذا لا يجوز، وهذا لا يزال ظلمًا وتعسفًا. والعجيب أن مثل هذا إلى الآن موجود في بعض القبائل، مثل هذا موجود في بعض القبائل القريبة أو في اليمن في عدة مناطق، تجد أنهم لا يعطون النساء ميراثًا، وهذا ظلم وتعسف وقسوة، ولا يجوز مثل هذا. وتجد أن هؤلاء يدعون الإسلام وهم يأتون بمثل هذه الأمور الجاهلية. وليس معنى ذلك أنهم كفار، لا، لكن هذه أمور جاهلية، أمور من أمور أهل الكفر التي أنكرها الله عز وجل عليهم، وهؤلاء يقتدون بأولئك. وهذا كله بسبب الجهل وعدم تعلمهم. لكن تجد كثيرًا من هذه القبائل الآن بسبب انتشار العلم وتعلم أبناءهم، فتجدهم تركوا مثل هذه العادات. وإلا كما قلنا: كثير من القبائل لا يورثون النساء، ولا يجعلون للنساء نصيبًا، وكذلك الوصية يوفونها للرجال دون النساء، وهذا كله من الظلم الذي لا يجوز أن يفعل. فقال الله عز وجل: ﴿ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ ﴾، أي قسمة وحصة، أو حصة مما ترك، أي خلف الوالدان، أي الأب والأم، وأيضًا كذلك الجد والجدة، وهكذا. قالوا: الأقربون عمومًا بعد خصوص. ﴿ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ ﴾ عمومًا بعد خصوص، أي أن الوالدين يدخلان في الأقربين، في الأقربين، فخصهما لمكانتهما. قالوا: ﴿ لِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ ﴾، فكأنه قيل: هل ذلك النصيب راجع إلى العرف والعادة، وأن يرضخوا لهم ما يشاءون؟ يرضخوا، معنى يعطونهم، يأخذون شيئًا ويعطونهم، هذا يسمى رضخًا. وأن يرضخوا لهم ما يشاءون أو شيئًا مقدرًا؟ فقال تعالى: ﴿ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ﴾، أي قد قدره العليم الحكيم، ليس شيئًا يرضخوا لهم، وإنما يعطون قدرًا ونصيبًا مفروضًا، لهم قدره الله عز وجل. قالوا: سيأتي إن شاء الله تعالى تقدير ذلك. وأيضًا فهنا توهم آخر: لعل أحدًا يتوهم أن النساء والوالدان ليس لهم نصيب إلا من المال الكثير، فأزال الله عز وجل ذلك بقوله: ﴿ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ﴾، سواء كان مالًا كثيرًا أو مالًا قليلاً تركه هذا المورث، فإنه يرثه أقاربه وأرحامه على ما بينه الله عز وجل، كما سيأتي في الآيات التي ذكرها ربنا جل وعلا في الميراث. ﴿ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ﴾، فتبارك الله أحسن الحاكمين. فربنا جل وعلا هو الذي يعرف مصالح العباد، وهو اللطيف الخبير. جل وعلا هو الذي خلقهم وهو أعلم بمصلحتهم: ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾. لهذا فربنا جل وعلا قدر لهم على ما يحتاجون، قدر لهم على ما يحتاجون. وتجد أحيانًا الإنسان يجد في نفسه أنه قد أعطي أقل مما يراه في نفسه، لكن هذا غالبًا من الطمع، وإلا لو فكر في أصل هذا العطاء لوجد أن هذا من الإنصاف، أنه أعطي هذا النصيب من باب الإنصاف له. وإلا كما قلنا: لأن الإنسان غالبًا يعتريه الطمع، ويعتريه أشياء أخرى من العطف وغيره، فقد تؤثر عليه. وإلا لو سلم لله عز وجل، وأن أمر الله عز وجل هو الذي فيه مصلحة العباد، فإنه كل ما جاء نصيبه، أو ما جاءه من نصيب من ميراث أو من غيره، رضي به وقنع، لأنه يعلم أن هذا المال إنما هو ذاهب، وأن هذا المال إنما أعطاه الله عز وجل إياه، وهو رزق رزقه الله عز وجل ليشكر الله سبحانه وتعالى. لهذا فهو يرضى بقضاء الله وبقدره، وكذلك يرضى بحكمه سبحانه وتعالى. فإن العبد إذا رضي بحكم الله، ورضي بقضائه وقدره، فإنه يعيش مطمئنًا. وهو له نصيب، أي هذا الرضا، من قول النبي عليه الصلاة والسلام: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا»، أخرجه الإمام مسلم عن العباس بن عبد المطلب. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.