الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 10، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبين المقطع أن الله حرم أكل أموال اليتامى ظلماً، وقيد التحريم بقوله «ظُلماً» ليخرج ما أُذن للولي الفقير من الأكل بالمعروف أو التجارة لمصلحة اليتيم. ويؤكد أن الله يعلم المفسد من المصلح، فمن أصلح مال اليتيم فلا إثم عليه بل له الأجر.
يوضح المقطع أحكام ولاية أموال اليتامى والفرق بين من يتولاها بقصد الإصلاح فيؤجر، ومن يسيء التصرف فيعد ظالماً آكلاً للحرام. ويستشهد بقصة بنات سعد بن الربيع وحكم النبي ﷺ في ميراثهن لمنع عمهن من الاستيلاء على المال.
بيّن النبي ﷺ أن أكل أموال اليتامى من أكبر الكبائر ومن السبع الموبقات، وتوعد آكليها بأكل النار في بطونهم ودخول السعير يوم القيامة. ويؤكد أن هذا الوعيد الشديد يدل على بشاعة هذا الجرم وعظم عقوبته في الآخرة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه أجمعين. قال العلامة سعد رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: 10]. قال: لما أمرهم بذلك زجرهم عن أكل أموال اليتامى، وتوعد على ذلك أشد العذاب. والله عز وجل هنا لما قال: ﴿ظُلْمًا﴾، أي: بغير حق. ولأن الله عز وجل أجاز بعض الأشياء التي يفعلها الولي في مال اليتيم من التجارة، وكذلك من الأخذ بالمعروف إذا كان فقيرًا، وغيرها. فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا﴾، أي: بغير حق. وهذا القيد يخرج به ما تقدم من جواز الأكل للفقير بالمعروف، ومن جواز خلط طعام بطعام اليتيم. فمن أكلها ظلمًا، فربنا جل وعلا قد جعل هناك ضابطًا فيمن يأخذ ظلمًا ومن لا يأخذ ظلمًا، وهو قوله جل وعلا: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: 220]. فالذي يريد أن يصلح أموال اليتامى، سواء كان بتجارة أو بغيرها، فهذا لا يؤاخذه الله، بل يؤجر على ذلك. وأما من يريد إفسادها، سواء كان بالأخذ منها، أو بتعامل فيها بغير حق، وإهدارها، وعدم المبالاة بمال اليتيم، وكل ذلك يعتبر من الظلم. ولهذا، كما قلنا، الضابط في هذا كما قال الله عز وجل: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾. فمن كان وليًا لأموال اليتامى يريد إصلاحها، فهو مأجور، وهو داخل في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة». وأما من أراد أن يفسد ويضيع هذا المال بغير حق، فهو مثل الذي يأكل ظلمًا، أو كذلك الذي يتجرى فيأكل ويأخذ. وأيضًا، سواء كان وليًا أو غيره، فقد يكون هناك مال لليتامى، مثلاً بيت أو غيره، فيقوم يعمل أوراقًا ويعمل كذا على أن له فيها، وهو ليس له فيه. ولما مات سعد بن الربيع رضي الله تعالى عنه، كان له بنات، فأراد عمهم أن يأخذ ما لأبيهم، فجاءوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال للبنتين: الثلثين، وله ما بقي عصبة، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. يعني: له ثلث يكون له عصبة؛ لأنه ليس له إلا هذا الأخ. فبيّن النبي عليه الصلاة والسلام أن أخذ أموال هذا المال له لا يجوز، بل البنات لهن في هذا المال. وكل مال يكون اليتامى يأتي إنسان ويتدخل فيه ويأخذ، فهو داخل في هذه الآية: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾. قال: ﴿فَإِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾، أي: فإن الذي أكلوه نار تتأجج في أجوافهم، وهم الذين أدخلوه في بطونهم. وقد يكون المراد بحسب المآل: أن هذا الذي يأكله سيتعذب به في نار جهنم. وقد صح عن بعض السلف حديث سعد: «أيما جسم نبت من سحت فالنار أولى به»، فالنار أولى به عن الذي يأكل من أموال الناس حرامًا من الرشوة وغيره. فإنما يضع في بطنه النار، وسيأكل بدل هذا الذي أكله، سيأكل نارًا يوم القيامة. قالوا: ﴿سَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾، أي: نارًا محرقًا متوقدة. السعير هو النار التي تشتعل بشدة. وهذا أعظم وعيد ورد في الذنوب، يدل على شناعة أكل أموال اليتامى وقبحها، وأنها موجب لدخول النار. فدل ذلك أنها من أكبر الكبائر. نسأل الله العافية. وقد جاء أيضًا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أكل أموال اليتامى في حديث الموبقات السبع. حديث محمد بن غيث عن أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «اتقوا السبع الموبقات»، وذكر منها أكل أموال اليتامى. فهي من أكبر الكبائر. ولهذا توعد الله عز وجل من فعل ذلك بالنار.