الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 23، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبيّن المقطع أن ذوي الأرحام هم من أدلوا بورثة متفق عليهم ولم يرثوا لفقد الفروض والعصبة، وقد اختلف العلماء في تقديمهم على بيت المال. رجح المؤلف توريثهم لقرابتهم وأحقية من أدلوا به، فينزلون منزلة واسطة النسب في الميراث.
يشرح المقطع كيفية توزيع التركة بعد إعطاء أصحاب الفروض حقوقهم، مبينًا أن ما بقي يكون للعصبات وفق ترتيب جهات خمس: البنوة، الأبوة، الأخوة، العمومة، والولاء. ويوضح قواعد التقديم داخل الجهة الواحدة بناءً على المنزلة والقوة في النسب مع أمثلة عملية.
يبيّن المقطع تقديم الأقرب منزلةً في الإرث ثم تقديم الأشقاء على الإخوة لأب في القوة، ويناقش بالتفصيل الخلاف في توريث الأخوات مع البنات بالعصوبة. يرى الجمهور أن الأخوات يأخذن الباقي بعد فرض البنات ويسقطن العصبات الأبعد، بينما يرى ابن عباس تقديم العصبة الذكر، والمعمول به في المحاكم هو قول الجمهور.
يذكر المقطع أن الفتوى عند أكثر العلماء وفي القضاء تقضي بإعطاء الأخوات ما بقي من ميراث البنات بعد استيفاء البنات لحصتهن المفروضة. ويؤكد أن هذا هو القول المعمول به في المحاكم الشرعية والله أعلم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام السعدي رحمه الله: «قالوا: أما ميراث بقية العصبة كالبنوة والأخوة وبنيهم والأعمام وبنيهم إلى آخره، فإن النبي عليه الصلاة والسلام...» أُبَيِّنُ بهذا يعلموا: بهذا يعلم أيضًا ميراث ذوي الأرحام؛ فإن الميت إذا لم يخلف صاحب فرض ولا عاصب، وبقي الأمر دائرًا بين كون ماله يكون لبيت المال لمنافع الأجانب، وبين كون ماله يرجع إلى أقربائه المدلين بالورثة المجمع عليهم أنهم مدلين بالورثة، مثل: الخال، أو الخالة، أو بنت الأخ. هؤلاء من ذوي الأرحام الذين أدلوا بهم الورثة. فبنت الأخ: الأخ يعتبر وارثًا، وكذلك ابن البنت: البنت تعتبر وارثًا، لكن ابنها لا يرث. وهكذا، فلذا إذا لم يوجد عاصب أو صاحب فرض، فإن الأمر كما قال المؤلف: دائر بين إعطاء بيت المال وإعطاء ذوي الأرحام. فمن العلماء من قدم ذوي الأرحام على بيت المال كأحمد، ومن العلماء من قدم بيت المال على ذوي الأرحام كمالك. ومنهم من قال كما هو مذهب الشافعي: «إذا انتظم بيت مال المسلمين فإنه يقدم على الورث». قال: «إذا انتظم بيت مال المسلمين»، أي: أن هناك مكانًا معدًّا لبيت مال المسلمين يُعْطَى للمحتاجين، يُعْطَى المحتاجين ومن يستحقون هذا المال، فهنا يدفع إلى بيت المال. وإن لم يكن كذلك، فيدفع لذوي الأرحام. لكن الأقرب هو قول من قال: إنه بعد الورثة، بعد ذوي الأرحام أو ذوي الفروض والعصبة، يكونون ذوي الأرحام؛ لأنهم هم أقرب من المال من غيرهم من الأجانب. فإذا كان سيعطى هذا المال إلى أجانب، ومعنى أجانب: أي ليسوا بأقارب، فيعطى لهم، فمن باب أولى من هم أقرب. وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله. والأصل أن أولو الأرحام يدخل فيهم الأقارب جميعًا الذين لهم رحم من الأب أو من الأم، لكن أخرج بعضهم بما جاء في الآيات، آيات الميراث، فأخرجوا من الميراث. لكن إذا كان لا يوجد إلا هم، فإنهم يورثون. وقد جاء في السنن أن النبي عليه الصلاة والسلام ورث رجلًا لم يترك إلا خالًا له، فورثه، وقال: «الخال وارث من لا وارث له». قال المؤلف: «فصرفه لغيرهم ترك لمن هو أولى من غيره، فتعين توريث ذوي الأرحام. وإذا تعين توريثهم، فقد علم أنه قد علم أنه ليس لهم نصيب مقدر بعيانهم في كتاب الله، وأن بينهم وبين الميت وسائط صاروا بسببها من الأقارب، فينزلون منزلة من أدلوا به من تلك الوسائط». والله أعلم: إن يعتبر بوسائطهم. فمثلًا: ابن البنت يعتبر مثل ابن الابن، وأيضًا الخال يعتبر مثل الأم، يورث ميراث الأم، وهكذا. فذوو الأرحام يقدمون على غيرهم. فإذا لم يوجد فرض ولا عاصب، فإنه يعطى لذوي الأرحام. وكما هو معلوم عند العلماء الذين ورثوا ذوي الأرحام، فإنهم يعطون بنصيب مقدر فيمن أدلوا به، أو الواسطة الذي جعله قريبًا، الواسطة الذي جعله قريبًا. قال: «وأما ميراث بقية العصبة كالبنوة والأخوة وبنيهم والأعمام وبنيهم، فإن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر». والمؤلف رحمه الله أراد أن يبين أن كل من كان من الورثة ولم تأتِ به الآية، فهو داخل في الآية، أو أنه داخل في الحديث؛ لأنه كما تقدم أن الفرائض وعلم الميراث قائم على هذه الآيات الثلاث، وعلى الحديث، حديث ابن عباس: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر». وقال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٣٣]. فإذا الحقنا الفروض بأهلها، ولم يبقَ شيء، لم يستحق العاصب شيئًا. العاصب يأخذ ما بقي من أصحاب الفروض. إذا اكتملت الفروض، فإن العاصب لا يأخذ شيئًا. لكن هناك بعد العاصبة لا يمكن أنهم لا يأخذون. قلنا: هم ستة أصناف من الورثة، لا بد أن يأخذوا، إما بعضهم يأخذ فرضًا أو تعصيبًا، وهما الأبوان والزوجان والأبناء. فهؤلاء معنا: الابن والبنت. فهؤلاء لا بد يأخذوا. لكن قد ينزل بعضهم، أو يكون هناك عندهم حجب، لكنه ليس حجب حرمان، وإنما حجب نقصان. يحجبون، لكنهم حجب نقصان. فالأب مثلًا قد يكون ليس عاصبًا، لكنه يأخذ بالفرض، ففرضه السدس مثلًا مع الابن. وهكذا الأم، لكن الأم لا تأخذ شيئًا تعصيبًا، فرضها تأخذ فرضها: إما السدس وإما الثلث. قال: «فإذا الحقنا الفروض بأهلها، ولم يبقَ شيء، لم يستحق العاصب شيئًا. وإن بقي شيء، أخذه أولى العصبة بحسب جهات ودرجات». فإن جهات العصوبة خمس: البنوة، ثم الأبوة، ثم الأخوة وبنوهم، ثم العمومة وبنوهم، ثم الولاء. يقدم ويقدم منهم الأقرب جهة. الآن البنوة: أي الأبناء، والأبناء الذكور يعني يكونون عصبة. ثم الأبوة: الأبوة يدخل فيها الأب والجد ومن علا. ثم الأخوة أو ما علا. ثم الأخوة وبنوهم: عن الأخوة وبنوهم، أبناء الأخ يدخلون في جهة الأخوة، لكن المقدم هو الأخ. فإذا لم يوجد الأخ، يأتي بعده ابن الأخ. مثلًا: لو مات إنسان ومعه بنت وابن أخ، البنت تأخذ النصف فرضها، وما بقي يكون لابن أخيه. وما بقي يكون لابن أخيه. لكن إن وجد أخوه، فهو الذي يجد هذا المال، ويسقط ابن الأخ. قال: «فإن كانوا في جهة واحدة، فالأقرب منزلة». أنا مثلًا: إذا كانوا في جهة واحدة، الجهة مثلًا هذه الجهات، مثلًا الآن جهة البنوة يدخل فيها الابن صلب، ويدخل ابن الابن، وهكذا. فمن الذي يقدم إذا جاءوا معًا؟ يقدم الابن؛ لأنه أقوى منزلة، منزلته أقرب إلى الميت. وهكذا في الأخوة: الأخ الشقيق يقدم على الأخ لأب؛ لأنه من جهتين. وأيضًا هكذا في غيرهم من الورث. مثلًا: الأخوة أيضًا، الأخ يقدم على ابن الأخ. أيضًا: ابن الأخ الشقيق يقدم على ابن الأخ لأب. ابن الأخ الشقيق يقدم على ابن الأخ لأب. وهكذا. من كانت منزلته أقصد هنا في المنزلة. وهناك أيضًا أمر يسمى القوة. القوة في الجهات أيضًا: مثلًا الأخ الشقيق أقوى في النسب من الأخ لأب. الأخ الشقيق أقوى في النسب من الأخ لأب. وهكذا. فعندنا جهة، وعندنا منزلة، وعندنا قوة. فأولًا ينظر في الجهة. هذه في العصبة: جهة الأبناء مقدمة على جهة الأبوة، وجهة الأبوة مقدمة على جهة الأخوة، وجهة الأخوة مقدمة على جهة الأعمام، وجهة الأعمام مقدمة على الولاء. الولاء: معنى المعتق، سواء كان رجلًا أو امرأة. فإذا لم يوجد هؤلاء العصبة، ووجد المعتق، فإن المعتق هو يكون عاصبًا. طيب، أيضًا بعد الجهة تأتي المنزلة: أين منزلته؟ مثلًا عندنا ابن ابن، وعندنا ابن ابن ابن. فإذا عندنا ابن ابن وابن ابن ابن، فأيهما يقدم؟ منزلة الأول؛ لأنه ابن ابن، منزلته أقرب. حتى لو كان مثلًا أبناء أعمام، إذا كانوا في درجة واحدة يأخذون معًا. مثلًا: إذا كان عندنا ابن ابن من ابن آخر، وابن ابن من ابن آخر، فهذا أيضًا يأخذون في منزلة واحدة. فإذا اختلفت المنزلة، فإن من كانت منزلته أقرب يقدم. ثم بعد ذلك القوة. القوة تأتي في الإخوة والأشقاء والأعمام. الإخوة والأعمام: فالأخ الشقيق يقدم على الأخ لأب، يقدم على الأخ لأب. أما الإخوة لأم، فهم ليسوا من العصبة، وإنما من ذوي الفروض. الإخوة لأم من ذوي الفروض، وليس من العصبة. أيضًا كذلك الأعمام: يقدم العم الشقيق على العم لأب، يقدم العم الشقيق على العم لأب. هذا عمه شقيق، شقيق لأبيه، وهذا عمه فقط أخ، أخ لأبيه من الأب وأمه ما تختلف، فيقدم العم الشقيق. وهكذا. قال: «فالأقوى وهو الشقيق. فإن تساووا من كل وجه اشتركوا». والله أعلم. إذا تساووا: ابن ابن مع ابن ابن، أو أخ شقيق مع أخ شقيق، وهكذا، فإنهم يتشاركون في هذا الميراث. قال: «وأما كون الأخوات لغير أم مع البنات أو بنات الابن عصبات، يأخذن ما فضل عن فرضهن، فلأنه ليس في القرآن ما يدل على أن الأخوات يسقطن بالبنات. فإذا كان الأمر كذلك، وبقي شيء بعد أخذ البنات فرضهن، فإنه يعطى للأخوات، ولا يعدل عنهن إلى عصبة أبعد منهن كابن الأخ والعم ومن هو أبعد منهم». والله أعلم. فهذه المسألة مختلف فيها بين العلماء. وهي: إذا وجد بنات وأخوات. بنات وأخوات، مثلًا: بنات اثنتان، وعندنا أخوات ثلاث. الأخوات مثلًا: البنات أولًا يأخذن الثلثين، بقي ثلث. من يأخذ؟ يأخذ الأخوات. لكن إذا وجد عصبة، هل يأخذ العصبة المال أو الأخوات؟ الجمهور يقولون: إذا كان هناك عصبة أقل جهة من هذه البنات أو الأخوات، فإنهن هن اللاتي يأخذن، وإن كان أبعد. وإن كان أبعد منهم، فالأخت إذا كان مثلًا أقرب، أو أقرب منها، أو مثلها، فيشتركون. إذا كان مثلًا وجد أخ، ووجدت أخت شقيقة مع البنات، فهنا الأخ الشقيق والأخت يأخذون الباقي للذكر مثل حظ الأنثيين. لكن إذا وجد مثلًا أخ لأب، ووجدت أخت شقيقة، فهي التي تقدم على الأخ. لكن جاء عن ابن عباس، وعن سفيان إبراهيم، وجماعة من السلف، فقالوا: إن هنا العصبة تقدم. العصبة تقدم على البنت، على الأخت؛ لأن الأخت ليس لها ميراث مع البنات، ليس لها ميراث مع البنات. فإذا وجد العاصب، أخذ العاصب. وهذا الذي يدل عليه حديث: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر». فلم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم المرأة أنها تأخذ. فلذا القول الصحيح في هذه المسألة، خلافًا لزيد بن ثابت رضي الله عنه، أن العصبة هي التي تأخذ. لكن المعمول به في المحاكم وفي الفتوى: أن الأخت هي التي تأخذ. مثلًا: إذا وجدت مسألة، مثلًا بنات وأخوات شقيقات وعم، فالبنات يأخذن الثلثين، والأخوات يأخذن الباقي عصبة الثلث، والعم يسقط. لكن في القول الآخر: العم يأخذ العصبة، والأخوات يسقطن. لكن كما قلنا: الفتوى عند أكثر العلم، وكذلك عند القضاء، أنا في المحاكم، المعنى الذي يقدم هو الأخوات، فتعطى الأخوات ما بقي من ميراث البنات. معنى: بعد ميراث البنات. طيب، هذا ما يذكر في هذه الآيات، والله تعالى أعلم.