الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 24، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
بين العلامة سعد أن أحكام المواريث هي حدود الله تعالى التي قسمها بنفسه في ثلاث آيات مكملة بالسنة، محذراً من مخالفتها بالزيادة أو النقص أو التسوية بين الذكر والأنثى. وأكد أن الوصية للوارث قد نُسخت بآيات الميراث وحديث «لا وصية لوارث»، وأن طاعة الله ورسوله تقتضي الالتزام بهذه الحدود واجتناب تعديها.
أوضح أن أعظم الأوامر التوحيد وأعظم النواهي الشرك، وقسم الناس في الأعمال إلى ثلاثة أصناف: ظالم لنفسه بترك الواجبات وفعل المحرمات، ومقتصد يؤدي الفرائض ويجتنب المحرمات، وسابق بالخيرات يكثر النوافل ويسارع في الطاعات. ومن أطاع الأوامر واجتنب النواهي دخل الجنة ونجا من النار وإن عوقب مؤقتاً.
أكد أن الفوز العظيم يتمثل في دخول الجنة والنجاة من عذاب النار، حيث ينال المؤمن رضوان الله ونعيماً دائماً لا يُوصف. ثم أشار المتحدث في ختام الحديث إلى الانتقال لدرس اللحن المقرر بعده.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه وعلى من تبعهم. قال العلامة سعد رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. قال رحمه الله: تلك التفاصيل التي ذكرها في المواريث حدود الله التي يجب الوقوف معها، وعدم جاوزتها ولا القصور عنها. فهذه التفاصيل يقول الشيخ في المواريث: هي حدود الله، والمراد أنها أحكام لله عز وجل جعلها للعباد، فإن لم يأخذوا بها فهم قد تعدوا حدود الله. إذا لم يأخذوا بهذه الأحكام، ولا شك أن من حاول أن يترك هذه الأحكام يقع في الجور والظلم. فهذه المواريث ربنا جل وعلا لم يجعل لأحد أن يقسمها، بل قسمها جل وعلا بنفسه في كتابه العظيم، وفي ثلاث آيات. مع الحديث، كما قلنا، يكتمل أكثر أحكام الميراث. وتجد أن أحكام هذه المواريث في بعض القوانين الدولية يعتبر كتابًا كاملًا أو كتبًا كبيرة يؤلفونها في المواريث، وغالبًا تجد فيها الجور والظلم، وأيضًا فيها مساواة الرجل بالمرأة وغير ذلك مما هو مخالف لشرع الله جل وعلا. وهذه المواريث جعلها الله عز وجل وقسمها، من حكيم حميد خبير جل وعلا، وهو أعلم بمصلحة عباده. قالوا: في ذلك دليل على أن الوصية للوارث منسوخة بتقديره تعالى أنصبة الوارثين. معنى يدل عليه من باب الاستنباط: أن الوصية للوارث باطلة منسوخة، وجاء يؤيد ذلك حديث ابن عباس: «لا وصية لوارث». ثم قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾، أي: فالوصية للوارث بزيادة على حقه يدخل في هذا التعدي، مع قوله صلى الله عليه وسلم: «لا وصية لوارث». فالذي يوصي لأحد ورثته بأكثر فهو متعدٍ، يريد أن يعطيه أكثر. والذي لا يعطي المرأة ويعطي الرجل فهو أيضًا متعدٍ. وكذلك الذي يساوي بين الرجل والمرأة، إذا اختلف الميراث، مثل الإخوة، ومثل الأبناء، فقال الله عز وجل: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. وهذا يقول بالتساوي، أو أنهم لا يورثون النساء، يعطون الرجال ولا يورثون النساء، وهذا أيضًا من التعدي. قال: ثم ذكر طاعة الله ورسوله ومعصيتهما عمومًا، ليدخل في العموم لزوم حدوده في الفرائض أو ترك ذلك. فقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، أي: بامتثال أمرهما. الذي يعظمه طاعتهما في التوحيد، ثم الأوامر على اختلاف درجاتها، واجتناب نهيهما، الذي يعظمه الشرك بالله، ثم المعاصي على اختلاف طبقاتها. لأن الذنوب تختلف من باب شدتها وعظمتها، وكذلك الحسنات والأعمال الصالحة. فالتوحيد أعظم الأعمال، وأعظم الأوامر: أعظم ما أمر الله عز وجل به هو التوحيد، وأعظم ما نهى عنه جل وعلا هو الشرك. قال: ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾، فمن أدى الأوامر واجتنب النواهي فلابد له من دخول الجنة والنجاة من النار. فقول: «فلابد له»، أي: وإن دخل النار فإنه ينجى منها ويخرج منها، لأنه على التوحيد. وكما هو معروف أن الناس في الأعمال على ثلاث درجات: فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله. ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾، هذا الذي يترك الأوامر ويفعل النواهي لكنه على التوحيد. ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾، هو الذي يقوم بما أمر الله عز وجل به ويجتنب ما نهى الله عز وجل عنه، ولا شك أن التقصير موجود لكن هذا أكثر دأبه لا يفرط في الأوامر وكذلك لا ينتهك المحرمات. وقسم ثالث وهو أعظمهم، وهو الذي يقوم بهذا الذي يقوم به الثاني، وزيادة أنه يسارع في الخيرات ويفعل النوافل والطاعات. قال: فلا بد له من دخول الجنة والنجاة من النار، ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾، قال: الذي حصل بالنجاة من سخطه وعذابه، والفوز بثوابه ورضوانه، بالنعيم المقيم الذي لا يصفه الواصفون. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا ونقوم في درس اللحن.