الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 45، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
توضح الآيات والأحاديث تحريم أكل أموال الناس بالباطل من سرقة وربا وقمار، وتبيح المكاسب المشروعة كالتجارة والصناعات بشرط التراضي والاختيار. كما تؤكد حرمة الدماء والأعراض والأموال وضرورة الكسب باليد ووجود أصحاب الحرف في المجتمع.
يشترط لصحة البيع رضا الطرفين واختيارهما دون إكراه ملجئ أو غير ملجئ، فالبيع بالإكراه باطل عند الجمهور. كما يشترط علم المعقود عليه عيناً وقدراً والقدرة على تسليمه، فبيع المجهول أو غير المقدور على تسليمه فاسد لانتفاء الرضا الحقيقي.
يبطل بيع ما لا يملكه الإنسان ولا يقدر على تسليمه كبيع البعير الشارد، ويعتبر من بيع الغرر المشبه بالقمار الخالي من الرضا. ويبين خلاف الفقهاء في انعقاد العقود بالمعاطاة (الأفعال) مرجحاً جوازها إذا تحقق التراضي وخلت من اللبس مستدلاً بقوله تعالى: ﴿ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ﴾.
يؤكد المقطع أن من يأكل أموال الناس بالباطل سيُدخل ناراً عظيمة يوم القيامة. ويختم بالتأكيد على أن تعذيبهم بذلك يسير على الله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾. فهذه الآية كما تقدم معنا أن الله عز وجل ينهى أهل الإيمان أن يأكل بعضهم مال بعض بشتى هذا الأكل من السرقات والغصب والقمار والربا والمكاسب الرديئة، وكذلك النهب والاختلاس والسرقة وغيرها من أخذ أموال الناس بالباطل. ويدخل في ذلك أيضًا ما يأكل به الإنسان ماله في البطر والإسراف، فهذا أيضًا من هذا الباب. وأباح الله عز وجل لهم التجارات والمكاسب الخالية من الموانع، المجتمعة على شروط توافق الشرع من التراضي وغيرها. وأيضًا نهاهم عن قتل بعضهم بعضًا: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾، فلا يقتل الإنسان نفسه، والمراد به أن يقتل بعضكم بعضًا، ولا يقتل أيضًا كذلك نفسه ولا يهلكها وهو السبب في ذلك، فالله عز وجل رحيم بعباده فلا يأكل بعضكم مال بعض، ولا يقتل بعضكم بعضًا، ولا غيرها من هذه الأمور التي يكون فيها الاعتداء. كما تقدم معنا أن النبي عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع بين أن هذه الأمور عظيمة، وأن الله عز وجل حرمها على بني آدم وعلى أهل الإسلام خاصة، فقال عليه الصلاة والسلام: «أي يوم هذا؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «أليس باليوم الحرام؟ يوم النحر». «وأي شهر هذا؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «أليس شهر ذي الحجة؟» وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وأي بلدة هذه؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، خشينا أن يسميها بغير اسمها، فقال: «أليست البلد الحرام؟ إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا». فبين النبي عليه الصلاة والسلام أن هذه حرام، كما أنهم يحرمون هذا اليوم من الظلم والقتال، ويحرمون هذا الشهر، وأيضًا كذلك يحرمون هذه البلد، فكذلك أخذ أموال بعضهم بعضًا أيضًا حرام، وأيضًا قتل الإنسان غيره لا يجوز إلا بما حله الله عز وجل: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث» ثم ذكرها. وأيضًا كذلك العرض، العرض أيضًا داخل في هذا. ثم لما ذكر ربنا جل وعلا هذا الأمر ذكر فقال: لما نهى عن أخذ الأموال بالباطل أجاز المكاسب والتجارة، فقال: ﴿ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ﴾. قال المؤلف رحمه الله: ولما نهى عن أكل الأموال بالباطل التي فيها غاية الضرر عليهم على الآكل ومن أخذ ماله، أباح لهم ما فيه مصلحتهم من أنواع المكاسب والتجارات وأنواع الحرف والإيجارات. أنواع الحرف أي الأعمال التي يكتسبها أو يكتسب منها الإنسان من التجارة أو من الصناعة سواء كانت هندسة أو غيرها أو طب أو غيرها من الحرف والصناعات، فإن هذه من المكاسب المشروعة. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين: «وخير مال الرجل ما كسبت يداه، ما كسبت يداه». هذا من أعظم المكاسب وأفضلها، ما كان الإنسان يعمل بيده. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «كان نبي الله زكريا نجارًا، وكان داود أيضًا يعمل في الحديد: اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ». أي أثنى وأنعم الله عز وجل على داود أنه كان يعمل في الحديد، وألان الله عز وجل له الحديد. فللهذا فهذه التجارات المكاسب أجازها الله عز وجل بين العباد يتعامل بعضهم بعضًا، ولأن الناس يحتاجون إلى مثل هذه فسخر الله عز وجل الناس بعضهم لبعض: ﴿ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ سُخْرِيًّا ﴾ أي مسخرين، فهذا طبيب وهذا مهندس وهذا نجار وهذا صياد وهذا مزارع وهذا كذا وكذا. وأيضًا المكاسب يدخل فيها أيضًا الحرف التي تتعلق بالدار الآخرة: إمام مسجد، طالب علم، وغيرها من هذه الأمور، والحرف التي تتوزع في الناس. فأيضًا كذلك العلماء، الناس يحتاجون إلى العلماء في بلادهم، فإنه إذا ذهب العلماء ذهب الخير، وذهب أيضًا ما يكون من ترسيخ الناس وتمكينهم في بلادهم، فإن ذهب العلم ذهبت أوعيته، ورفع العلم بذهاب العلماء، وإذا رفع العلم أقر الجهل في الناس وكثر الفساد فيهم. قال: ﴿ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ﴾ أي فإنها مباحة لكم. وشرط التراضي مع كونها تجارة لدلالة أنه يشترط أن يكون العقد غير عقد ربا، لأن الربا من المكاسب المحرمة، من أكل المال الذي نهى الله عز وجل عنه، ﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾. قال: وأنه لابد أن يرضى كل من المتعاقدين ويأتي به اختيارًا، لا بد من الاختيار، لا يكون فيه إكراه، ولا يكون أيضًا ما يعارض الاختيار. ما يعارض الاختيار لهذا لا يكون البيع إلا بطيبة من نفسه. فإذا كان مثلًا يساوم ويأخذ هذا الشيء والرجل أو البائع لا يرضى بذلك، فبعضهم مثلًا يقول: إذا أردت أن تأخذ فخذه لكن أنا لست براضٍ بهذا السعر، أنا لست براضٍ بهذا السعر، فكأن هنا فقد الاختيار والرضا. فإذا فقد الرضا كان هذا البيع باطلًا، كان هذا البيع باطلًا. فلهذا يحتاج إلى الرضا، ويحتاج إلى اختيار أنه مختار يبيع ذلك، أنه مختار أي غير مكره. وسواء كان هذا الإكراه إكراهًا ملجئًا أو غير ملجئ، لأن عند بعض المذاهب كالحنفية يقولون أن البيع لا يصح إذا كان الإكراه إكراهًا ملجئًا، والجمهور عندهم لا فرق سواء كان إكراهًا ملجئًا أو غير ملجئ. والإكراه الملجئ الذي يكون فيه ضرب أو قتل أو غير ذلك من الأمور التي فيها يتعدى على النفس، يتعدى الشخص على هذا الذي يريد أن يبيع أو يشتري، فهذا إكراه ملجئ. وأما الكلام مثلًا إذا كان كلاما فهذا عند الحنفية لا يعتبر إكراهًا ملجئًا، لكن الصحيح أنه إكراه ملجئحيانًا. مثلًا يأتي إنسان في يده شيء من المسؤولية وغيره فيقول: إما أن تبيع هذا الذي عندك من البيوت أو بيت أو سيارة أو كذا، وإلا فعلت لك أو أوقفت معاشًا أو فعلت كذا بما يكون فيه ضرر عليه. أو رجل مثلًا يكون فيه مثلًا خاطب امرأة وجاءه هذا وليه أو ولي المرأة وأراد أن يشتري منه شيئًا فقال: إما أن تبيعني وإما لا أزوجك. هذا يعتبر إكراهًا غير ملجئ، لماذا؟ لأنه هذا لا يزال في اختيار، ممكن أنه يقول: لا أريد هذا. لكن جعله العلماء أيضًا من ترك الاختيار، جعله العلماء من ترك الاختيار لأنه هو يريد هذا الشيء، معناه الآن مثلًا لو قال له هذا المسؤول: إما أن تبيع وإما أوقف راتبك، وإما أن تفعل كذا أو سأفعل كذا بما يكون فيه ضرر عليه، فهذا يكون إلجاءً أو إكراهًا غير ملجئ، لكنه عند جمهور العلماء لا يجوز، أي لا يجوز هذا البيع إذا كان فيه إكراه حتى لو كان إكراهًا غير ملجئ، حتى لو كان فيه إكراه غير ملجئ. أما إذا كان ليس هناك إكراه أصلًا وإنما فقط شيء عادي، مثلًا يقول له: إن لم تفعل وإن لم تبع لي ما... ما سأجعل أهلية عندكم أو كذا من هذا القبيل الذي لا يكون فيه أصلًا شيء من الإكراه، فهذا لا دخل له فيه، إن جاءوا أو لم يأتوا إلا إذا كان هناك أرحام أو كذا وخاف أن تقطع هذه الأرحام، فقد يكون هذا أيضًا من الإكراه. طيب. قال: ومن تمام الرضا أن يكون المعقود عليه معلومًا، لأنه إذا لم يكن كذلك لا يتصور الرضا. لا بد من تمام الرضا أن المعقود عليه يكون معلومًا، معنا أي شيء الذي سيشتريه وأي شيء الذي سيبيعه، ما هو هذا الشيء الذي سيبيعه، لا بد أن يكون معلومًا. وهذا شرط من شروط أو ركن من أركان البيع أن يكون هذا الذي سيشتريه شيء معلوم، لا يكون شيء مجهول، ما يدري أي شيء الذي سيشتري. مثلًا يقول له: خذ هذا المال وأعطني شيئًا مما تبيعه، وأعطني شيئًا مما تبيعه، هذا ليس بيعًا صحيحًا. مثلًا عنده أشياء إلكترونيات كهربائيات وكذا فيقول له: خذ هذا المال وأريد شيئًا مما تبيعه، هذا ليس صحيحًا إلا إذا كان ليس هذا عقد وإنما فقط يريد أن يختار له شيئًا فيقول له: أعطيك غسالة كذا وكذا أو هذه الغسالة، فيقول: نعم أريدها، أريد هذه الغسالة، هذا يعتبر عقدًا بعد ذلك. أما إذا كان يجعل ذلك الإعطاء عقدًا وهو لا يدري ما الذي سيعطيه إياه، فقط يقول له: أرسله إلى البيت الذي تريده لي بهذا المال، أرسله إلى البيت، هذا بيع خاطئ، معنى بيع خطأ لا يجوز، والبيع يكون بيعًا فاسدًا لأن هذا الذي يباع غير معلوم، وهذا يدخل في الرضا كما ذكر المؤلف رحمه الله. قال: ولا يتصور الرضا، قال: مقدورًا على تسليمه. هذا أيضًا مما يدخل في الرضا أن يكون هذا الذي يباع مقدورًا على تسليمه، مقدورًا على تسليمه. يجوز في الجعالة مثل هذا العقد لكن في البيع ما يجوز، ما يجوز في البيع. مثلًا يقول له: يقول له مثلًا سيارتي في أحد سرقها أو أخذها أو كذا، قل له: طيب إذا وجدتها أشتريها منك، إن وجدتها أخذتها وإن لم أجدها فالمال لك، هذا ما يجوز، هذا ما يجوز لأن الآن فيه أولًا غرر، فيه غرر، ممكن أنه يجد السيارة وممكن أنه لا يجدها. كذلك كانوا يفعلون هكذا في البعير إذا هرب البعير، غالبا ما يأتي لكن بعض الناس يعرف كيف فيأتي به ويعرف ناسًا في بعض الأماكن فيقول له: سأشتريه منك هذا البعير الشارد، أشتريه منك، هذا ما يجوز أيضًا. لكن يجوز أن يعقد عقد جعالة مثلًا يقول: من يأتي لي بالبعير فأعطيه كذا وكذا من المال، هذا ما في شيء، هذا عقد جعالة، لكن يعقد عقد بيع لا يجوز، لا يجوز أن يعقد عقد بيع في هذا فيما لا يستطيع تسليمه. ومن هذا الباب بيع ما لا يملك، من هذا الباب بيع ما لا يملك، شيء ما يملكه أصلًا ويبيعه، فهنا يبيع، ممكن أنه مثلًا يريد أن يشتري هذا الشيء من صاحبه لا لا يوافق عليه أو أنه قد باع أو أنه قد باع. وهذا كثير ما يحصل، تجد مثلًا إنسانًا خاصة مثل هذه الأيام من من يعرضون مثلًا في الإنترنت أو في هذه معنا في التواصل، فتجد أنه يعرض بضاعة، هذه البضاعة قد عرضها أكثر من واحد ولعلها قد بيعت، ثم يشتري هذا، المشكلة أنهم يعقدون عقد شراء عقد بيع وهذا خطأ. لكن لو جعله وكيلًا ما في شيء، يجعله وكيلًا أنه يأتي به ثم يأتي له بهذا الشيء، أما أنه يعقد عقد شراء ثم بعد ذلك يذهب ويعقد عقد شراء، أي هذا البائع الأول يعقد مع البائع الثاني الذي صاحب السلعة، فأحيانا يجدها وأحيانا لا يجدها وأحيانا يجد غيرها معنا التي ليست الشيء الذي عرضه معنا مواصفات أخرى وهكذا، فهذا كله مما لا يجوز. قال: ولا يتصور رضا، أو قال: مقدورًا على تسليمه. أيضًا هذا يدخل في الرضا لأن غير المقدور عليه شبيه ببيع القمار، فبيع الغرر بجميع أنواعه خال من الرضا فلا ينفذ عقده. بيع الرضا، بيع الغرر الذي فيه جهالة، غالبا أنه لا يدخل فيه تمام الرضا، فهو لا يدخل فيه معنا ليس فيه رضا، هذا الشرط غير موجود فيه. ﴿ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ﴾، وبيع الغرر ليس فيه رضا، ولهذا يعتبر من القمار لأنه فيه غنم وغرم، إما أن يتحصل عليه فيغنم وإما أنه لا يتحصل عليه أو يتحصل عليه بخسارة. قال: فبيع الغرر بجميع أنواعه خال من الرضا فلا ينفذ عقده. وفيها أنه تنعقد العقود بما دل عليها من قول أو فعل لأن المراد هو التراضي، وهذا مذهب الحنابلة وبعض الشافعيين المتأخرين، وهو أيضًا بعض المالكية المتأخرين، على أن العقد يجوز فيه العطاء بدون تلفظ، يجوز فيه أن يعطي ويأخذ. مثلًا إنسان يدخل البقالة يأخذ حاجة ويعطي البائع ثمنها، هو يعرف الثمن فيأخذ الحاجة هذه ويعطيه الثمن، أو أنه يعطيه ذاك يعرف أنه أخذ كذا فيعطيه بقية الثمن، فهذا جائز عند الحنابلة، وكذلك كما ذكرنا. وأما الشافعية في المذهب المشهور عندهم يقولون: لا، لابد من الألفاظ، لابد يقول: اشتريت، أو ذاك يقول: بعت، أو قبلت، أو اشتريت، ذاك يقول: قبلت، فهذا عند كثير من الشافعية. لكن الصحيح أن الاشتراط هو التراضي، وأما اللفظ، البيع يعتبر بالمعاطاة، يعتبر بالمعاطاة ولا يحتاج إلى اللفظ. أحيانًا لكن إذا كان هناك اشتباه في العقد فلابد من اللفظ، إذا كان فيه اشتباه في العقد أو التباس فلابد من اللفظ. مثلًا بعضهم يعطي إنسانًا شيئًا: خذ هذا، ما يدري هذا هل هو بيع، هل هو هدية، هل هو هبة، فتجد بعضهم يختلف بعد ذلك يقول: أنا ما عطيتك هدية، عطيتك إياه لأجل أنه بيع. مثلًا يقول له مثلًا: احتاج إلى كذا وكذا، يقول: أنا عندي، أنا عندي هذا الشيء، يأتي به ويعطيه صاحبه: خذ، فبدون أن يقول له مثلًا: بكذا، أو يذكر ثمنًا أو كذا، بعد ذلك يقول له: أين ثمن البضاعة التي أعطيتك؟ أعطيتك، أعطيتك، أعطيتك إياه وهو لم يتكلم، هل هو بيع أو هدية أو هبة أو عطية أو غير ذلك؟ فلهذا أحيانًا إذا حصل اللبس لابد من اللفظ. قالوا: فيها أنه تنعقد العقود بما دل عليها من قول أو فعل لأن الله شرط الرضا فبأي طريق حصل الرضا انعقد به العقد. قال: ثم ختم الآية بقول: ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾، أي ومن رحمته أن عصم دماءكم وأموالكم وصانها ونهاكم عن انتهاكها. ثم هدد بعد ذلك من يفعل ذلك، قالوا: من يفعل ذلك أي أكل الأموال بالباطل وقتل النفوس عدوانًا وظلما، أي لا جهلا ونسيانًا، ﴿ فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا ﴾، لأنه فرق هناك بين الإنسان الذي يتعمد القتل والسرقة وغيرها وبين من يفعل ذلك إما جهلا وإما لعدم مقدرته أو لعدم اختياره في فعل ذلك أو نسيانًا، يفعل ذلك نسيانًا أو أنه لا يريد هذا الأمر فوقع، مثل قتل الخطأ، أو أنه يتعامل بالمال معاملة خاطئة بجهل فيقع في أخذ المال بالباطل. قال: ﴿ فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا ﴾ أي عظيمة كما يفيده التنكير، قال: ﴿ نَارًا ﴾ أي نارا أعظم نار. ﴿ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ﴾. فإن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.