الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 46، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
بيّن الشيخ أن اجتناب الكبائر سبب لمغفرة جميع السيئات ودخول الجنة، وأن الكبائر تشمل النهي الصريح وترك الواجبات. كما ذكر حديث السبع الموبقات ونقل عن ابن تيمية تعريف الكبيرة بأنها ما فيه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة أو نفي إيمان أو لعنة وغضب.
يستعرض المقطع أدلة شرعية تدل على كون الذنب كبيرة، منها الوعيد بالعذاب في الآخرة ونفي الإيمان عن مرتكب الفعل. كما يشمل لعن الشارع لفاعله وغضب الله عليه، وأن الإصرار على الصغيرة يحولها إلى كبيرة عند جمهور العلماء.
يبيّن المقطع أن اجتناب الكبائر شرط لتكفير الصغائر بالصلوات والجمعة ورمضان، وأن الكبائر لا تُغفر إلا بالتوبة عند الجمهور. بينما يرى بعض العلماء كالمالكية وابن تيمية وابن رجب أن الحج المبرور الخالي من الرفث والفسوق يكفر جميع الذنوب كبائرها وصغائرها.
يُبيّن المقطع أن الإسلام والتوبة والحج وسائر الأعمال العظيمة تُكفِّر الله بها جميع الذنوب. ويختتم المتحدث بالشكر لله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه، أما بعد: قال العلامة سعد رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا ﴾ [النساء: 31]. قال: وهذا من فضل الله وإحسانه على عباده المؤمنين، وعدهم أنهم إذا اجتنبوا كبائر المنهيات غفر لهم جميع الذنوب والسيئات، وأدخلهم مدخلا كريما كثير الخير، وهو الجنة المجتلى على ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ﴿ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ ﴾، والمراد بما تنهون عنه سواء كان النهي صريحا أو ما يلزم النهي عنه من ترك الواجب، فترك الواجب أيضا يعتبر منهيّا عنه، مثل ترك فعل الفرائض وغيرها، كما نبه على ذلك شيخنا. فهذا من فضل الله عز وجل على العبد، إذا ترك الكبائر واجتنبها ولم يأت بها، فإن الله عز وجل يكفر عنه سيئاته. أو أنه جاء بشيء من الكبائر لكنه تاب إلى الله، أو أقيم عليه الحد، فكانت هذه الكبائر تكون كفارة له، كما جاء في حديث عبادة بن الصامت في الصحيحين: «فمن جاء بشيء منهن وأقيم عليه الحد فهو كفارة له»، يعتبر كفارة له. فهذا، وهذا من فضل الله عز وجل على عباده أنه لا يحاسبهم على ما دون الكبائر. لكن النقطة المهمة: أنه ينبغي أن يتعرف على هذه الكبائر، ما هي الكبائر؟ لأن كثيرا من الناس يعتقد أن الكبائر فقط شيء من هذه الذنوب الكبيرة كالسرقة والزنا والقتل وغيرها من هذه الأمور العظيمة. صحيح هذه من الكبائر ومن المهلكات، كما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام في حديث محمد بن غيث عن أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «سبع من الموبقات»، أو قال: «إياكم والموبقات»، وجاء في رواية: «سبع من الموبقات»، وذكر: الإشراك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، إلى غير ذلك مما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام. فهذه سبع موبقات، أي مهلكات، من السبع العظائم. لكن هناك كبائر أيضا أخرى، وأعظم من حد هذه الكبائر. قال شيخ الإسلام بن تريم رحمه الله: إن الكبير ما فيه حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة، أو نفي إيمان، أو ترتيب لعنة أو غضب فيه، أو ترتيب لعنة أو غضب أي على هذا العمل. فهذا هو حد الكبير: ما فيه حد في الدنيا، مثل الزنا، وشرب الخمر، وكذلك القذف، قذف المؤمنات المحصنات، وغيرها مما جاء فيه حدود. أو وعيد في الآخرة، معناه يتوعد أنه من فعل كذا فله كذا وكذا، أو يأتي مثلا الحديث يبين فيه عذاب من فعل هذا الفعل. مثلا رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لأناس معلقين بأرجلهم تقطر أشفارهم دما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من هؤلاء يا جبرين؟» قال: «هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة الصوم، قبل أن ينقضي الوقت». هذا يعتبر كبيرا لأن فيه وعيد في الآخرة. أيضا نفي إيمان: لا يؤمن أحدكم حتى... معناه يذكر شيء من الأمور: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين». هذا في المحبة. لكن في ما يكون في الوعيد أو في نفي الإيمان، مثلا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن، لا إيمان لمن لا أمانة له»، «لا إيمان لمن لا أمانة له»، وأيضا: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت». كذلك أيضا قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تحد امرأة، أي امرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، فلا تحد على ميت إلا ثلاث ليال، إلا على زوج فأربعة أشهر وعشر». وغيرهم لا... حديث التي فيها نفي الإيمان. وكذلك أيضا أو ترتيب لعنة: ذكر الإمام بن القيم رحمه الله عدة ذنوب جاء فيها اللعنة، كما في الجواب الكافي: «لعن الله من شرب الخمر»، أو «لعن الله في الخمر عشرة»، «لعن الله آكل الربا وموكله»، «ولعن الله المحلل والمحلل له»، وغيرها مما جاء فيه لعن. وأيضا: «لعن الله الواصلة والمستوصلة، والنامصة والمتنمصة». أو فيها غضب، غضب الله، كما جاءت أيضا الآيات: ﴿ وَأَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَتْ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴾ [النور: 8]. وأي آية فيها غضب، فمعنى ذلك أنه هذه كبيرة. قد تكون كفرا بالله، قد تكون كفرا بالله، قد يكون أيضا معصية يذكر فيها الشرع الغضب، مثل قول النبي عليه الصلاة والسلام: «من اقتطع مال امرئ مسلم بيمينه لقي الله وهو عليه غضبان». أخرجه البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود. فدل على أن كل ما جاء فيه شيء من هذه الأمور فإنه يعتبر كبيرا من كبائر الذنوب، كبيرا من كبائر الذنوب. وذكر أيضا عن ابن عباس، وأخذ به جمهور العلماء، كما ذكر ذلك الهيثمي في الزواجر، كذلك أشار إليه الإمام الذهبي في الكبائر: أن من أصر على الصغيرة، أو الإصرار على الصغيرة أيضا يجعلها كبيرة. الإصرار على الصغيرة تصيرها كبائر. إذا أصر، ولو كانت هي صغيرة، لكنه أصر عليها ولم يتب منها، فتكون كبيرة. اعتادها، مثلا نظر إلى النساء، النظر إلى المحرمات، أشياء محرمة، مثلا قد لا تصل إلى الكبائر، لكن بالإصرار عليها تكون كبيرة. قال: ويدخل في اجتناب الكبائر فعل الفرائض التي يكون تاركها مرتكبا كبيرة، كالصلوات الخمس، والجمعة، ورمضان. معناه: الذي يترك هذه الأشياء، ورمضان معناه يريد عدم صيامه، وترك صلاة الجمعة متعمدا. قال: كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر». وأيضا هذا شرط: أن الله عز وجل يكفر هذه الخطايا إذا اجتنبت الكبائر. عن الجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات، لكن متى؟ متى ما اجتنبت الكبائر. ومعنى ذلك أن الكبائر لا تغفر. وهل إذا كانت عنده كبائر يغفر الله عز وجل الصغائر؟ فهذا في خلاف بينهم العلم، لكن ظاهر الأحاديث أنه يغفرها لهم، يغفرها لهم. لكن الكبائر لا يغفرها. وهل أيضا هناك أعمال إذا فعلها شخص غفر الله عز وجل له الكبائر، أم لابد من التوبة؟ لابد من التوبة. فقول جمهور العلماء: أنه لابد من التوبة، الكبائر لا تغتفر إلا بالتوبة. وهناك قول قال به كثير من المالكية، وكذلك بعض الحنابلة، ورجح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية والحافظ ابن رجب وغيرهم: على أن هناك من الأعمال ما يكفر جميع الذنوب، كبائرها وصغائرها. ذكروا مثلا: الحج، الحج المبرور، فإنه يكفر الذنوب، الصغائر والكبائر. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من حج فلم يرفث ولم يفسق جاء كيوم ولدته أمه»، أي جاء إلى مكانه وإلى بلده كأنه مبرأ من الذنوب، ليس عليه الذنوب أبدا. وهذا الحديث لم يذكر فيه الكبائر ولا الصغائر، وحمله الجمهور على الصغائر، لكن ظاهر الحديث يبين أنه تغفر له جميع الذنوب. لكن بشرط أن يحج حجا مبرورا، ليس فيه إثم، وليس أيضا فيه فسق ورفث. والرفث سواء كان بالفعل أو بالقول، سواء كان بالفعل أو بالقول. فالفعل هو الفعل الفاحش، أو الفعل السيء الذي يكون في مسألة الزنا أو غيره، ويدخل في ذلك على قول بعض العلماء مقدمات الزنا، وكذلك أيضا الفعل الفاحش يدخل في هذا ولا شك. وأيضا كذلك القول الفاحش: أن يتكلم بكلام فاحش، سواء كان يخاطب أحدا امرأة أو رجلا، أو يتكلم بكلام فيذكر الأشياء، أو الفحش في كلامه. لهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من حج فلم يرفث ولم يفسق جاء كيوم ولدته أمه». وأيضا غير هذه من الأشياء التي تكون مثل: الإسلام، والتوبة، والحج، وغيرها من الأشياء العظيمة، فإنها يكفر الله عز وجل بها الذنوب جميعا. طيب، هذا ما يذكر. الله تعالى عالمه شكرا.