الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 75، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
توضح الآية أن الله لا يغفر الشرك بينما يغفر ما دونه من الذنوب بمشيئته عبر الحسنات الماحية والمصائب المكفرة ودعاء المؤمنين وشفاعة الشافعين ورحمته الواسعة. الشرك يعد أعظم الظلم فيحبط حسنات المشرك وتذهب هباءً ولا تنفعه في الآخرة، فيُحرم الجنة ويخلد في النار.
تبيّن النصوص أن التوبة النصوح تمحو ما قبلها من الذنوب حتى الشرك، وأن الله يعرض التوبة على جميع الخلائق. يرد المقطع على الخوارج والمعتزلة الذين يخلدون صاحب الكبيرة في النار، وعلى المرجئة الذين يزعمون أن المعاصي لا تضر الإيمان، مؤكداً أن أهل السنة يجمعون بين الأدلة ويردون المتشابه إلى المحكم.
يذكر المقطع أن الخوارج والمعتزلة تمسكوا بنصوص الوعيد وأهملوا نصوص الرجاء، بينما المرجئة فعلوا العكس، أما أهل السنة فقد جمعوا بين النوعين فكانوا على الحق والصواب. هذا الجمع يعكس المنهج الوسطي في التعامل مع آيات الوعد والوعيد.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 48]. قال: يخبر تعالى أنه لا يغفر لمن أشرك به أحدًا من المخلوقين، ويغفر ما دون ذلك من الذنوب صغائرها وكبائرها، وذلك عند مشيئته مغفرة ذلك إذا اقتضت حكمته مغفرته. فهذه الآية من الآيات المحكمة التي لم تنسخ، وأن الله عز وجل يغفر الذنوب جميعها إلا ما كان شركًا بالله جل وعلا، وما كان مثله كالكفر والنفاق. فإن الله عز وجل يغفره، لكن ما دون الشرك والله عز وجل يغفره إن شاء جل وعلا بحكمته وبعدله جل وعلا، فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، سبحانه وتعالى. قال: فالذنوب التي دون الشرك قد جعل الله لمغفرتها أسبابًا كثيرة، ومثل هذا الحديث حديث أنس، وحديث ابن رجب في مسلم: «يقول الله عز وجل: يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا للقيتك بقرابها مغفرة». وهذا مثل هذا: «لا تشرك بي شيئًا»، فالله عز وجل غفور رحيم وذو فضل على الناس، ولكن أكثر الناس لا يشكرون. قال: فالذنوب التي دون الشرك قد جعل الله لمغفرتها أسبابًا كثيرة، كالحسنات الماحية، والمصائب المكفرة في الدنيا والبرزخ ويوم القيامة، وكدعاء المؤمنين بعضهم لبعض، أن هذه كلها مكفرات للذنوب ومذهبات للسيئات. فالحسنات الماحية: ﴿ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ ﴾ [هود: 114]. والمصائب المكفرة: وهذا قد جاءت به الأحاديث المتكاثرة عن النبي عليه الصلاة والسلام، ومن ذلك حديث أبي هريرة وبسعيد أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا يصيب المؤمن هم ولا غم ولا ضيق ولا حزن حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله عز وجل من خطاياه». قالوا: وكدعاء المؤمنين بعضهم لبعض، وبشفاعة الشافعين يوم القيامة، ومن فوق ذلك كله رحمته التي أحق بها أهل الإيمان والتوحيد. وهذا بخلاف الشرك، فإن المشرك قد سد على نفسه أبواب المغفرة وأغلق دونه أبواب الرحمة، فلا تنفعه الطاعات من دون التوحيد، ولا تفيده المصائب شيئًا. ﴿ مَا لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ شَافِعِينَ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ﴾ [غافر: 18]. أنا ما هناك شيء ينفعه، لا المصائب في الدنيا، ولا أيضًا حتى الحسنات، الحسنات ما تنفعهم لأنها تذهب، فما ينتفعون بشيء يخرجهم من ذلك الشرك. ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها للنبي عليه الصلاة والسلام: عبد الله بن جدعان كان يفعل ويفعل، فهل ينفعه ذلك يوم القيامة؟ قال: «لا، ما قال يومًا: اللهم اغفر لي ذنبي وألهمني رشدي». أنا ما قال هذا يومًا، فلهذا فهذه الحسنات التي له تذهب، ﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا ﴾ [الفرقان: 23]، ما يستفيد منها، وإن كان ربنا جل وعلا يعطيه في هذه الدنيا رزقًا أو طعمة كما جاء في بعض الأحاديث، أما في الآخرة فلا يتحصل على شيء، تذهب هذه الحسنات عليه. قالوا: ﴿ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 48]، افترى جرمًا كبيرًا، وعي ظلم أعظم ممن سوى المخلوق من تراب، الناقص من جميع الوجوه، الفقير بذاته من كل وجه، الذي لا يملك لنفسه فضلًا عن من عبده نفعًا ولا ضرًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، بالخالق لكل شيء، الكامل من جميع الوجوه، الغني بذاته عن جميع مخلوقاته. أنا كيف يساوي بين المخلوق والخالق؟ قال: الذي بيده النافع والضرب والعطاء والمنع. لهذا يعترفون بذلك يوم القيامة، فيقولون: ﴿ إِنَّا كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الشعراء: 97-98]، نسوي هؤلاء المخلوقين سويناهم برب العالمين، ﴿ وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ ﴾ [الشعراء: 99]. غالى الذي ما من نعمة بالمخلوقين إلا فمنه تعالى، فهل أعظم من هذا الظلم شيء؟ لهذا كان الشرك أعظم الظلم وأعظم الذنوب، وهو الذنب الذي لم يعصى الرب جل وعلا بأعظم منه، فيصرف العبد العبادة لمخلوق مثله ولا يصرفها للخالق جل وعلا، وهذا ظلم عظيم. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ [الأنعام: 82]. لما نزلت هذه الآية قال الصحابة: أينا لا يظلم نفسه؟ ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾، فقال الصحابة: أينا لا يظلم نفسه؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح لقمان: ﴿ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: 13]». المراد به الشرك، فأهل التوحيد هم أهل الأمن في الدنيا والآخرة، وأهل الاهتداء أيضًا في الدنيا والآخرة. قال: فهل أعظم من هذا الظلم شيء؟ ولهذا حتم على صاحبه بالخلود بالعذاب وحرمان الثواب: ﴿ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾ [المائدة: 72]. قالوا: هذه الآية الكريمة في حق غير التائب، وأما التائب فإنه يغفر له الشرك فما دونه، كما قال تعالى: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ﴾ [الزمر: 53]، أي لمن تاب إليه وأناب. وربنا جل وعلا قد عرض التوبة على كل أحد، حتى الذين ادعوا أن الله ثالث ثلاثة، بل الذين حرقوا أولياء كما قال الحسن: انظروا إلى كرم الله وعفوه، فأولئك حرقوا أولياء وعذبوهم، فعرض عليهم التوبة، ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ﴾ [البروج: 10]، أي أنهم إذا تابوا غفر الله عز وجل لهم. فلهذا فالتوبة تجب ما قبلها، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لعمر بن العاص: «أي تذهب ما كان قبلها ولو كان شركًا». ولهذا لما قال عمر: يا رسول الله أريد أن أشترط، فقال: «تشترط ماذا؟» قال: أشترط أن يغفر الله لي ذنوبي، فقال: «ألا تعلم يا عمر أن التوبة تجب ما قبلها، وأن الإسلام يجب ما قبله؟» فالتوبة تجب ما قبلها، أي تمحي ما كان قبلها. فلهذه فهذه الآية: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ [النساء: 48]، فيها رد على طائفتين من الطوائف التي من أهل الإسلام، وهي طائفة الخوارج والمعتزلة الذين قالوا بأن صاحب الكبيرة في النار مخلد، أن سواء كان الخوارج أو المعتزلة قالوا بأن صاحب الكبيرة في النار مخلد لا يخرج من النار، وإن كانوا في حكم الدنيا اختلفوا: الخوارج قالت أنه كافر، وقالت المعتزلة أنه في منزلة بين المنزلتين، أي لا هو كافر ولا هو مسلم، لكن في النار، لكن في الحق يوم القيامة اتفقا على أنه في النار. وليس فيه أيضًا دليل للمرجئة الذين قالوا بأن المعاصي لا تؤثر في الإيمان، وأن العبد مهما فعل فإنه لا يؤثر إيمانه، فهذا أيضًا باطل لأنه فيه رد لنصوص كثيرة، رد لنصوص كثيرة جاءت في الكتاب والسنة. وأهل السنة بحمد الله يجمعون بين الأدلة، يجمعون بين الأدلة حتى يرجعون المتشابه إلى المحكم، يرجعون المتشابه إلى المحكم، فبذلك صار مذهبهم هو الصحيح وهو الذي كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأما أهل الباطل فإنهم ينظرون إلى النصوص كما قال شيخ الإسلام: ينظرون إلى النصوص نظرة عوراء، أهل الباطل وأهل البدع ينظرون إلى النصوص نظرة عوراء، أي يأخذون بعين واحدة، يأخذون بأدلة ويتركون أدلة. فالخوارج والمعتزلة أخذوا نصوص الوعيد وتركوا نصوص الرجاء، والمرجئة أخذوا نصوص الرجاء وتركوا نصوص الوعيد، وأهل السنة جمعوا بين نصوص الوعيد ونصوص الرجاء، فصاروا هم أهل الحق والذي حالفهم الصواب. فنسأل الله عز وجل أن يوفقنا للخير، والحمد لله رب العالمين.