الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 90، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع الأجر العظيم لمن يطيع الله ورسوله، حيث يكونون مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. ويستدل بآيات قرآنية وحديث النبي صلى الله عليه وسلم في مرض موته حيث اختار الرفيق الأعلى، مؤكداً فضل الأنبياء على غيرهم.
يبيّن المقطع أن تفضيل الأولياء على الأنبياء كفر، مستدلاً بقول «خضنا بحراً وقف الأنبياء بساحله» إن أريد به التفضيل. ويوضح أن الصديقين هم من كمل إخلاصهم ومتابعتهم، وأن الشهداء هم من قاتلوا لإعلاء كلمة الله لا لأغراض دنيوية.
يؤكد المقطع أن القتال يجب أن يكون خالصاً لرفع كلمة الله لا للوطنية، ويبين أن الصالحين هم من صلح ظاهرهم وباطنهم. وأن الله يجازي المخلصين بأجر عظيم يتجاوز أعمالهم، فالعمل الصالح لا يُقبل إلا بالنية الصادقة والإخلاص لله.
إذا صلح الظاهر وبقي الباطن فاسداً، لا تنفع الأعمال الصالحة لأن القلب يكون خراباً. لذا يجب إصلاح الباطن مع الظاهر لقبول الأعمال.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا * ذَٰلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾. يقول رحمه الله: كل من أطاع الله ورسوله على حسب حاله وقدر الواجب عليه من ذكر وأنثى وصغير وكبير، فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم، أي النعمة العظيمة التي تقتضي الكمال والفلاح والسعادة. وهذه الآيات أردفها ربنا جل وعلا بالآيات التي تبين أجر من يطع الله ورسوله، ومن يتعظ بمواعظ الله ويأتمر بأوامره، فإنه أعطاه الله عز وجل أجراً عظيماً. أولاً قال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾، أربع جوائز عظيمة. ثم ذكر القامصة وهي أعظم، فقال: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾. لأن من هداه الله وصار من أهل الصلاح صار مع هؤلاء الرفق العظيمة، الملأ أو أولئك الذين أنعم الله عز وجل عليهم بجناته ورضوانه سبحانه وتعالى. فلهذا من يداوم على طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم ويجعلها أصل حياته وأصل أفعاله، فإن ذلك يكون مع هؤلاء الذين تمنى نبي الله صلى الله عليه وسلم وهو خير الناس وسيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام أن يكون منهم، كما جاء في الصحيحين في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: لما مرض النبي عليه الصلاة والسلام مرض موته حتى بح صوته، قالت: وقد علمت أن أنبياء الله عز وجل ورسله لا يموتون حتى يخيرون. قالت: فسمعت نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول في ذلك المرض: «مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً». وجاء في رواية أيضاً في الصحيحين أنه كان يقول: «في الرفيق الأعلى»، ويشير إلى السماء: «في الرفيق الأعلى»، أي مع هؤلاء من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. وهذه الرفقة العظيمة التي من كان معهم كان من المفلحين الفائزين الذين تحصلوا على ثواب الله جل وعلا، فقال سبحانه وتعالى: ﴿مِّنَ النَّبِيِّينَ﴾ الذين فضلهم الله. قال المؤلف: الذين فضلهم الله بوحيه، واختصهم بتفضيلهم بإرساله من الخلق ودعوته من الله. إن أخص شيء في فضائل الأنبياء أن الله عز وجل اختارهم لوحيه، فهذه لا يبلغها عبد إلا وهو من خير عباد الله جل وعلا. ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾، ومعنى ذلك أن الله عز وجل اصطفاهم سبحانه وتعالى لرسالته ولنبوته جل وعلا، فلذلك فهم خير خلق الله، خير خلق الله من الأنبياء. ومن قال غير ذلك فهو مبطل، فالذي يقول أن الأولياء هم خير من الأنبياء فهذا مبطل. بل ذكر شيخ الإسلام أنه يكفر بهذه المقالة، يكفر بهذه المقالة. وقد ذكروا عن بعضهم أنه كان يقول: إن صح ذلك العزو، معنى ينسب إليه أنه كان يقول: «خضنا بحراً وقف الأنبياء بساحله»، كان يقول: «خضنا بحراً وقف الأنبياء بساحله». فهذه العبارة إن كان يريد تفضيل الأولياء على الأنبياء فهذا كفر، وإن كان يريد أن الأولياء وهو منهم دخلوا مكاناً لم يدخله الأنبياء، والمراد أنهم تشعبوا وغلوا وتوغلوا في هذا الأمر وهو الدين حتى أنهم خرجوا عن طريقة الأنبياء، وإن كان كذلك فهو كلام صحيح: أنهم خرجوا عن طريقة الأنبياء إلى طريقة الكفار وإلى طريقة غير طريقة أهل الإسلام، وظن هؤلاء أن لهم الخروج على شريعة محمد صلى الله عليه وسلم. ومن اعتقد ذلك فهو أيضاً كافر، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله من نواقض أنه يكفر الشخص إذا اعتقد أن له الخروج على شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، مثل ما خرج الخضر عن شريعة موسى. قد ذكر ذلك الشيخ محمد بن عبد الوهاب فجعله من نواقض الإسلام. فلذلك لا يوجد تفضيل غير الأنبياء على الأنبياء، فهم أفضل الخلق، وهم أيضاً بينهم تفاضل: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾، منهم من كلم الله، ورفع بعضهم درجات، إلى آخر ما ذكر ربنا جل وعلا. فربنا سبحانه وتعالى فضل بين هؤلاء الأنبياء، وقد اتفقت الأمة واتفق العلماء ومعهم هذه الأمة أن نبينا عليه الصلاة والسلام هو أفضل هؤلاء الرسل، هو أفضل هؤلاء الرسل، لقوله صلى الله عليه وسلم: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة». ﴿وَالصِّدِّيقِينَ﴾، وهم الذين كمل تصديقهم بما جاءت به الرسل، فعلموا الحق وصدقوه بيقينهم، وبالقيام به قولاً وعملاً وحالاً ودعوة إلى الله. وقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله أن الصديق هو من كمل الإخلاص والمتابعة، يسمى صديقاً: كمل الإخلاص عنده، صدق عظيم وإخلاص عظيم، فجعل قلبه كله لله وأعماله كلها لله، فلذلك فهو صديق: كمل الإخلاص وكمل الاتباع. ﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾، أي الذين قاتلوا في سبيل الله لإعلاء كلمة الله فقتلوا. أولا هم الشهداء الذين يقاتلون في سبيل الله، لا يقاتلون لأجل غرض من أغراض الدنيا، وإنما يقاتلون لأجل إعلاء كلمة الله. فمن قاتل لأجل إعلاء كلمة الله ودحض الكفر فإنه في سبيل الله. وأما من قاتل لإعلاء كلمة فلان أو فلان ولأن يبقى في الكرسي أو يبقى في الحكم فلان وفلان، فهذا ليس في إعلاء كلمة الله، حتى لو كان يقاتل في سبيل الوطنية. فإن النية إذا كان يقاتل لأجل الوطنية فقط أن يرجع وطنه، فهذا ليس لله وليس في سبيل الله. فإذا قتل فهو ليس في سبيل الله. لماذا؟ لأنه لم يرد إعلاء كلمة الله، وإنما أراد إرجاع وطنه وإرجاع من كانوا يحكمونه، وإن كانوا مخالفين لأوامر الله جل وعلا ولحكم الله سبحانه وتعالى. فهذا ليس فيه. لكن إذا كان يعلم أن هؤلاء من الصالحين ومن أهل الحق ومن من يرفع الحق، فقاتل لعادتهم لأنهم يدافعون عن الحق ولأنهم أيضاً يحكمون به، فهذا لا شك أنه لله عز وجل. فلذلك فدعوة القتال في سبيل الوطنية ليست صافية، ليست صافية، معنى تشوبها شوائب. فلذلك فالواجب على المسلم إذا قاتل يقاتل لأعلى كلمة الله جل وعلا. إذا قاتل لأجل دحض الكفر ولأجل دحض الأفكار الكفرية، مثل قتال الحوثيين والرافضة، فهذا قتال من قاتلهم لأجل كفرهم ولأجل أيضاً ما هم عليه من تبديل دين الله، فهذا قتال لأعلى كلمة الله جل وعلا وهو في سبيل الله. وأما من قاتلهم لأجل وطنية وكذا فهذا ليس صحيحاً. ﴿وَالصَّالِحِينَ﴾، أي الذين صلح ظاهرهم وباطنهم، فصلحت أعمالهم. فكل من أطاع الله تعالى كان مع هؤلاء وفي صحبتهم. هؤلاء هم الصالحون الذين أصلحوا ظواهرهم وبواطنهم فصلحت أعمالهم. هؤلاء أيضاً ممن رضي الله عز وجل عليهم وأنعم عليهم سبحانه وتعالى. ﴿وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا﴾، قال: بالاجتماع بهم في جنات النعيم، والأنس بقربهم في جوار رب العالمين. يعني هؤلاء أحسن رفقة وأعظم رفقة أن يجتمع بهم، وفي أي مكان؟ في مكان عظيم جداً وهو جنات الله عز وجل ونعيمه ورضوانه سبحانه وتعالى. ﴿ذَٰلِكَ الْفَضْلُ﴾، أي الذي نالوه من الله، فهو الذي وفقهم لذلك وأعانه عليهم، وأعطاهم من الثواب ما لا تبلغه أعمالهم. أعطاهم عظيماً الأجر، وأعطاهم عظيماً الثواب، وأعطاهم أشياء لم يكونوا يحتسبونها ولم تكن في خلدهم. فأعطاهم الله عز وجل بسبب نيتهم وبسبب إخلاصهم وبسبب تفانيهم، أعطاهم الله عز وجل ما لا يكون في حسبانهم. ومن تقرب إلى الله بشبر تقرب الله عز وجل إليه بذراع، وهكذا. حتى قال الله عز وجل في الحديث القدسي: «ومن أتاني يمشي أتيته هرولة». وربنا جل وعلا يجازي العبد أعظم مما يعمل. ﴿وَكَفَىٰ بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾، أن يعلم أحوال عباده ومن يستحق منهم الثواب الجزيلة بما قام به من الأعمال الصالحة التي تواطأ عليها القلب والجوارح. فالذي لا تكون عنده نية صحيحة يعلمه الله، وإن أظهر الأعمال الصالحة فإنها لا تنفعه إذا لم يكن هناك إخلاص في قلبه وصدق في هذه الأعمال. وأما إن كان رياءً وسمعة، وكذلك أيضاً اعتادها، فإنها لا تنفعه يوم القيامة. وإنما ينفعه ما كان مخلصاً لله وأراد الثواب من الله جل وعلا، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». وقال عليه الصلاة والسلام في هذا الأمر: «من عمل عملاً يريد ثواب الله جل وعلا أعطاه الله جل وعلا». وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب». وقال جل وعلا أيضاً في المتقين: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾، أي الذين اتقوا الله وأخلصوا لله جل وعلا. فالأمر يدور حول الإخلاص والصدق، وكذلك الطاعة وهي بالجوارح. فإذا صلح الباطن صلح الظاهر، وإذا لم يصلح الباطن لم يصلح الظاهر. وإن صلح الظاهر ولم يصلح الباطن لا تنفعه هذه هذا الصلاح وهذه الأعمال، لأن قلبه كان خراباً. هذا ما يذكر، والله تعالى أعلم.