تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 107

تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 107

الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 107، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أهمية التحية الشرعية وفضل إفشاء السلام

يشرح المقطع مفهوم التحية لغةً وشرعًا، مبينًا أن أفضلها السلام المشروع الذي شرعه الله منذ آدم، وأكد عليه النبي صلى الله عليه وسلم، كما يستعرض فضائل إفشاء السلام من أسباب المحبة ودخول الجنة، ويذكر الأمر القرآني برد التحية بأحسن منها أو مثلها.

أحكام ابتداء السلام والرد على تحية غير المسلمين

يبيّن المقطع أن ابتداء السلام سنة وردّه واجب بالإجماع، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿ إِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيَّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ﴾. ويناقش حكم الرد على سلام الكافر، مستعرضاً قصة النبي صلى الله عليه وسلم مع اليهود الذين قالوا: "السام عليكم"، فردّ عليهم بـ"وعليكم"، وخلاف العلماء في الرد على من سلّم بلفظ "السلام عليكم" صريحاً، مع رجحان جواز الرد استدلالاً بعموم الآية.

آداب رد التحية وتفسير قوله تعالى بأحسن منها

يشرح المقطع وجوب رد التحية بمثلها أو بأحسن منها استناداً للآية الكريمة، ويبين صور التحسين كزيادة "ورحمة الله وبركاته" أو إضافة كلمات الإكرام والترحيب، مع النهي عن الرد بأقل مما سُلِّم به، ويشير إلى ضعف حديث "ومغفرته" وسنة النبي صلى الله عليه وسلم في قول "مرحباً". كما يوضح أن الألفاظ المذكورة تُعد زيادة على التحية، وتندرج تحت قول الله تعالى ﴿بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾، على أن يُستكمل الشرح في الدرس القادم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال العلامة سعد رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿ وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيَّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا ﴾، قال رحمه الله: التحية هي اللفظ الصادر من أحد المتلاقيين على وجه الإكرام والدعاء، وما يقترن بذلك اللفظ من البشاشة ونحوها، هذا كله من التحية، فهي لفظ يقصد به الإكرام والدعاء لهذا الذي لقيته، ويدخل في ذلك أيضًا البشاشة وغيرها، وهذا من كمال التحية. قالوا: أعلى أنواع التحية ما ورد به شرع من السلام ابتداءً وردًّا، وهذا أفضل التحية. أنا ممكن أن تكون التحية بغير السلام، سُميت تحية، لكن أفضل التحية بالسلام. مثلا قد يقال: صباح الخير، صبحك الله بالخير، أو مساك الله بالخير، أو كذا، فهذه تحية، لكن التحية الشرعية هي السلام. أنا بعض الناس يظن أن السلام في غير الصباح، والصباح يقول: لا بد يقول صباح الخير، هذا خطأ، السلام في كل وقت، فهي تحية بني آدم، كما قال الله رب العزة سبحانه وتعالى لآدم: «اذهب فسلم على أولئك الملائكة»، فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فقال الله عز وجل: «هذه تحيتك وتحية بنيك من بعدك». فهذه التحية والسلام شرعه الله عز وجل بين أهل الإسلام، وعنى من زمن نبي الله آدم، وأكد عليه النبي عليه الصلاة والسلام، وبين أن فيه أجرًا، وكذلك فيه فوائد عظيمة، وأنه أيضًا كذلك من حسن إسلام المرء، ومن حسن دينه وإيمانه أنه يسلم ويفشي السلام بين أهل الإسلام، كما جاء في حديث عبد الله بن عمر وغيره. فأيضًا لما دخل المدينة النبي عليه الصلاة والسلام، كما في حديث ابن ماجه، قال: «يا أيها الناس، أطعموا الطعام، وأفشوا السلام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام». يا أيها الناس، أطعموا الطعام، وأفشوا السلام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام، تدخلوا الجنة بسلام. وهذا من أول ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام أول ما دخل المدينة، وهذا يدل على أن التحية لها أهمية عظيمة في دين الإسلام. «ألا أدلكم على شيء إذا فعلتم تحاببتم، أفشوا السلام بينكم». وهنا ربنا جل وعلا يقول: ﴿ وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيَّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا ﴾، أنا رقيب وشاهد سبحانه وتعالى على أعمال عباده وحفيظًا لها. قال رحمه الله: وعلى أنواع التحية ما ورد به شرع من السلام ابتداءً وردًّا، والذي عليه جمهور أهل العلم أن السلام أو ابتداء السلام سنة، والرد واجب، بل ذكر ابن عبد البر الإجماع على ذلك. لكن هناك من يقول بأن السلام أيضًا واجب، أي الابتداء، لكن في هذه الآية يدل على أن الرد هو الواجب: ﴿ إِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيَّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا ﴾، فالآية هنا بالرد، ولم تأمر بالتحية في بدايتها. قال: فأمر تعالى المؤمنين أنهم إذا حيوا بأي تحية كانت أن يردوها بأحسن منها لفظًا وبشاشة، أو مثلها في ذلك، ومفهوم ذلك النهي عن عدم الرد بالكلية، أو ردها دونها. وأخذ بعض السلف من هذه الآية، كزيد بن أسلم، وأيضًا سفيان بن عيينة وغيرهم، على أن الآية عامة، حتى لو كانت التحية من كافر، فإنها ترد، أي يرد على التحية حتى لو سلم كافر، لكن ينظر بسلامه. فالنبي عليه الصلاة والسلام لما جاء بعض اليهود وقالوا: السام عليك يا رسول الله، قال: «وعليكم»، وقال: «وعليكم». وجاء أيضًا في مسلم: «إذا سلم عليكم أهل الكتاب فإنهم يقولون: السام عليكم، فقولوا: وعليكم». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وعليكم». فقالت عائشة رضي الله عنها: «وعليكم السام واللعنة يا أبناء القردة والخنازير». فقال: «مه يا عائشة». فقالت: يا رسول الله، ألم تسمع ما قالوا؟ قال: «ألم تسمعي ما قلت؟ فإنه يستجاب لنا فيهم، ولا يستجاب لهم فينا». فالنبي عليه الصلاة والسلام رد، لكن رد بما يكون فيه دعاء عليهم لأنهم لم يسلم. ولهذا حصل خلاف بين أهل العلم، كما ذكر الإمام ابن القيم في زاد المعاد، حصل خلاف بين أهل العلم: هل إذا سلم الكافر سلامًا صريحًا هل يرد عليه أو لا يرد عليه؟ أن إذا قال: السلام عليكم، ولم يقل السام، فهل يقال: وعليكم، مثل ما قال النبي صلى الله عليه وسلم، أو أنه يقال: وعليكم السلام؟ فالسلام هو الله عز وجل، فيصله للكافر والمسلم. وكأن الإمام ابن القيم رجح جواز ذلك، واستدل أيضًا بعموم هذه الآية: ﴿ وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيَّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ﴾. ولو مثلا سلم ليس بالسلام الشرعي، ذكر تحية، فلا بأس أن يرد عليه بمثل هذه التحية. مثلا لو قال: أنعم الله عليكم، أو كذا، فيردها، فيردها. وقد كانت الصحابة رضي الله عنهم يردون حتى الثناء، يردون حتى الثناء، كما كانت عائشة تفعل رضي الله تعالى عنها. والله عز وجل أمر هنا برد التحية، فقال المؤلف رحمه الله: ويأخذ من الآية الكريمة الحث على ابتداء السلام والتحية من وجهين: أحدهما أن الله أمر بردها بأحسن منها أو مثلها، وذلك يستلزم أن التحية مطلوبة شرعًا، وقد ذكرنا بعض الأدلة في ذلك، ذكرنا بعض الأدلة في الحث على بداية السلام، تحية التحية، وعند الالتقاء، أن إذا التقى المسلم بأخيه يسلم عليه، والواجب أن يرد عليه هذا السلام وهذه التحية. قال: والثاني ما يستفاد من أفعل التفضيل، وهو «أحسن»، الدال على مشاركة التحية وردها بالقسم، كما هو الأصل في ذلك، أن الله عز وجل قال هنا: ﴿ فَحَيَّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ﴾. ولهذا لو قال الإنسان مثلا: سلام عليكم، يقال: وعليكم السلام ورحمة الله، هذه أحسن منها، أو يردها يقول: وعليكم السلام. لو قال مثلا: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، كيف يكون أحسن منها؟ يقول: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أهلا وسهلا ومرحبا، هذا فيه رد أيضًا أحسن منها، ويدخل في ذلك كلمات الإكرام: أهلا وسهلا، حياك الله، طيبك الله، وغيرها من الكلمات الجميلة الطيبة التي تدخل السرور في هذا المسلم. فإذا سلم، أتى بها: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، يقول: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. جاء في بعض الحديث: «ومغفرته»، وصححه الشيخ الألباني رحمة الله عليه، وحكم كثير من أهل العلم بشذوذ هذه الرواية، ولهذا لم يستحبها كثير من أهل العلم، وجعلوا هذا الحديث ضعيفًا. لكن يرد مثلا بغيرها حتى تكون التحية أحسن، يرد السلام ثم بعد ذلك يرد بما هو فيه إكرام، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «مرحبا بالقوم غير خزايا ولا ندامى» لما جاءه وفد عبد القيس، وفي أكثر من موضع النبي صلى الله عليه وسلم استعمل كلمة «مرحبا»، فهي أيضًا من الكلمات التي تدخل مع التحية. فإذا انتهى من تحيته أردفها بما يكون فيه ترحيب وإكرام لهذا المسلم. فيقول: رد بأحسن منها، أو يرد ما سلامه: السلام عليكم، وعليكم السلام. السلام عليكم ورحمة الله، وعليكم السلام ورحمة الله. لكن لا يرد بأقل منه، أن يقول: السلام عليكم ورحمة الله، يقول: وعليكم السلام، لا، هذا خطأ، هذا فأقل شيء أنه يرد سلامه، يرد مثل ما سلم: يقول السلام عليكم ورحمة الله، يقول: وعليكم السلام ورحمة الله. فإن زاد أفضل، يقول: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، يا أهلا وسهلا، يا مرحبا. معنى هذه الألفاظ تكون زائدة على التحية، فأنا من تدخل في قول الله عز وجل: ﴿ بِأَحْسَنَ مِنْهَا ﴾. طيب، إن شاء الله تعالى هذا الباقي نتركه في الدرس اللاحق، نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.