تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 109

تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 109

الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 109، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير السعدي لآيات المنافقين وخلاف الصحابة فيهم

يشرح العلامة السعدي أن الآيات نزلت في المنافقين الذين أظهروا الإسلام ولم يهاجروا، مبيناً خلاف الصحابة فيمن رجع من غزوة أحد. أكد الله أنهم منافقون معلومو الحال وأمر بقطع الموالاة لهم إلا من استثنتهم الآيات.

حكم المنافقين الظاهر نفاقهم ووجوب قتالهم

يبين المقطع حكم المنافقين الذين أظهروا الكفر والنفاق وأخذلوا المسلمين، وأن الواجب بغضهم ومعاداتهم. يفصل الحكم في أنهم إن هاجروا أجري عليهم حكم المسلمين، وإن تولوا وجب قتالهم وأخذهم حيث ثقفوا.

حكم قتال المدعي الإسلام مع الكفار والأشهر الحرم

يتناول حال من يقاتل مع الكفار مدعياً الإسلام سراً، وتوعدهم الله بالنار لرضاهم بالذلة وترك الهجرة. يناقش خلاف العلماء في نسخ آية القتال في الأشهر الحرم، ورأي الجمهور بجواز قتال الكفار في كل وقت ومكان.

تفصيل حكم قتال المنافقين الظاهرين وتحالفهم مع الكفار

توضح الآيات وجوب قتال المنافقين الذين أعلنوا نفاقهم وتحالفوا مع الكفار، بينما يعامل من لم يظهر نفاقه معاملة المسلمين. يستدل بالحديث النبوي على تحريم مكة ساعة ثم عودتها حراماً، مؤكداً شمول الحكم للمنافقين الظاهرين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا * وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾. هذه الآيات، يقول العلامة السعدي رحمه الله: قالوا المراد بالمنافقين المذكورين في هذه الآيات المنافقون المظهرون إسلامهم ولم يهاجروا مع كفرهم، وكان قد وقع بين الصحابة رضوان الله عليهم فيهم اشتباه، هل هم من أهل الإيمان، من أهل الإسلام، أو منافقون؟ وقد جاء في حديث زيد بن أرقم خروج بعض أو رجوع بعض الناس من غزوة أحد، فرجعوا ناس، لكن ليس كلهم من المنافقين، لكن الذي رجع بهم هو رأس المنافقين عبد الله بن أبي، فبعضهم كان من أهل الإيمان لكن كان رأيه أن يبقوا في المدينة، وحتى اختلف الصحابة فيهم في من رجع من غزوة أحد، فمنهم من قال: إننا نقتلهم، وفرقة تقول: لا. فأنزل الله عز وجل: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾. قال: فبعضهم تحرج عن قتالهم وقطع موالاتهم بسبب ما أظهروه من الإيمان، وبعضهم علم أحوالهم بقرائن أفعال فحكم بكفرهم، فأخبرهم الله تعالى أنه لا ينبغي لكم أن تستبهوا فيهم ولا تشكوا، بل أمرهم واضح غير مشكل، إنهم منافقون قد تكرر كفرهم، وودوا مع ذلك كفركم وأن تكونوا مثلهم، فإذا تحققتم ذلك منهم فلا تتخذوا منهم أولياء. فالله عز وجل بيّن هذا الخلاف الذي حصل وفصل النزاع، فقال: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾. فبيّن الله عز وجل لهم أن هؤلاء من المنافقين ولا يشك فيهم أنهم منافقون، فلذلك أيضا من يدافع عنهم أو كذا وهو يريد أن يهدي من أضل الله، ومن أضله الله فلا هادي له، ولن تجد له طريقا صحيحا، بل الذي أضله الله عز وجل طريقته باطلة، يهديه الله إلى الطريق التي هي مخالفة للحق، وأما أهل الهداية فيهديهم الله عز وجل إلى سبل الخير وإلى طرق الخير، لكن هؤلاء تكون لهم طرق ملتوية وطرق أيضا باطلة، أي أهل الباطل وأهل النفاق، وأيضا قد أظهروا كفرهم وعنادهم، وأظهروا كذلك عدم اتباعهم للنبي عليه الصلاة والسلام، بل أنهم يخذلون أهل الإسلام في مواطن كثيرة، فلذلك بيّن الله عز وجل أنهم من أهل النفاق. ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾، أي بسبب هذا الذي يظهرونه، فالله عز وجل جعلهم من أهل الضلالة، أركسهم أي جعلهم ضلال، وجعلهم من أهل الفساد وأهل الشر، فلذلك قال الله عز وجل بعد ذلك: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾. قال المؤلف: إذا تحققتم ذلك منهم فلا تتخذوا منهم أولياء، وهذا يستلزم عدم محبتهم لأن الولاية فرع المحبة، ويستلزم أيضا بغضهم وعداوتهم، وهذا واجب، أن المؤمن يبغض هؤلاء الكفار، هؤلاء المنافقين الذين أظهر نفاقهم. قال: لأن النهي عن الشيء أمر بضده أو يستلزم الأمر بضده. قال: وهذا الأمر مؤقت بهجرتهم، فإذا هاجروا جرى عليهم ما جرى على المسلمين، كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يجري أحكام الإسلام لكل من كان معه وهاجر إليه، وسواء كان مؤمنا حقيقة أو ظاهر الإيمان. وإن لم يهاجر وتولوا عنها فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم. وهذا أيضا في من يقاتل مع الكفار ويدعي أنه مسلم في الخفاء مثلا، فالله عز وجل عاتب هؤلاء بل وجعلهم من أهل النار والعياذ بالله، وبين الله عز وجل كما قال الله سبحانه وتعالى في هؤلاء في أخذ الملائكة من هؤلاء الذين هم في مكة يستخفون لكنهم يقاتلون مع الكفار، وأيضا يكفرون سواء الكفار، فبهذا قال الله عز وجل: ﴿فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. فهؤلاء رضوا بهذه الذلة فلم يهاجروا، بل تولوا عن الهجرة وخرجوا مع المشركين يقاتلون معهم، فلذلك قال الله عز وجل: ﴿فَإِنْ لَمْ يُهَاجِرُوا﴾، قال: فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم. قال الله عز وجل: ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، إذا هاجروا فاتخذوهم أولياء، ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا وَأَعْرَضُوا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾. قالوا: قولوا: ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾، أي في أي وقت وأي محل كان، وهذا من جملة الأدلة الدالة على نسخ القتال في الأشهر الحرم، كما هو قول جمهور العلماء، والمنازعون يقولون: هذه نصوص مطلقة محمولة على تقييد التحريم في الأشهر الحرم، هذه مسألة مختلفة فيها، وقد ذكرنا شيء من ذلك في سورة البقرة، يعني هل القتال محرم لازال في الأشهر الحرم؟ أي الجهاد في سبيل الله، أم أن هذه في الأشهر الحرم هو ما كان ظلما؟ المحرم ما كان ظلما، مثل قتل المسلم أخاه المسلم، وكذلك الاعتداء على بعض المسلمين، وأما قتال الكفار وجهادهم فهو في كل وقت وحين، كما جاءت هذه الآيات: ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾، في سورة التوبة: ﴿حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾، فاستدل بها كما قال المؤلف على نسخ القتال في الأشهر الحرم، لأن الله عز وجل قال: في أي مكان تجدونهم وفي أي محل تجدونهم فخذوهم واقتلوهم، فأي محل حيث وجدتموهم، فلذلك أيضا حتى ينسخ قتال الكفار في الحرب أيضا، إذا كان اختبأ هؤلاء الكفار في الحرم، فهل يجاهدوا؟ يجاهدون أم لا؟ ففي خلاف أيضا بينها العلم، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: «إنما أحلها الله لي ساعة من نهار ثم عادت حرمتها»، فلذلك فالله عز وجل في هذه الآية أمر بقتال حتى المنافقين، ليس الكفار فقط، بل حتى المنافقين الذين أظهر نفاقه. وأما من لم يظهر نفاقه فإنه يعامل معاملة المسلمين، الذي لم يظهر نفاقه يعامل معاملة المسلمين، أما من أظهر نفاقه وأيضا تحيزه إلى الكفار وموالاة الكفار، فإن هذا يعامل معاملة الكفار من باب التحذير منه والقتل أيضا كذلك وبغضه وعدم محبتهم. فهذا ما يذكر في هذه الآيات، والله تعالى أعلم.