الدرس في القواعد والأصول الجامعة 61، الدرس الحادي والستون : من : ( القاعدة الثالثة والثلاثون ... مقدمة على طاعة الأبوين ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الدرس بشرح قاعدة فقهية فرعية تتعلق بالمفاضلة بين المصالح والمفاسد وتقديم الأعلى منها عند التزاحم. هذه القاعدة تُستخدم في مختلف جوانب الحياة.
يشرح المقطع كيفية تفضيل الأعمال الصالحة وتقديم الأرجح منها عند التزاحم، مع تقديم أمثلة من الشريعة مثل حضور حلقة العلم وتقديم الصلاة الفريضة على النافلة.
يجب تقديم الواجبات على المستحبات في مختلف جوانب الحياة، مثل الصلاة والزكاة والصيام والحج، مع مراعاة الأولويات في الطاعة مثل طاعة الزوج على طاعة الأبوين إذا لم يكن فيها ضرر.
يختتم الشيخ درسه بالحمد لله رب العالمين ويشير إلى احتمال وجود تكملة في درس آخر بإذن الله، مؤكداً على أهمية تطبيق ما تم شرحه في الحياة اليومية.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال المولد رحمه الله تعالى: القاعدة الثالثة والثلاثون. قال: إذا تزاحمت المصالح قدم الأعلى منها، فيقدم الواجب على المستحب، والراجح من الأمرين على المرجوح. وإذا تزاحمت المفاسد وارتكب إلى واحد منها قدم الأخف منها. هذه قاعدة من القواعد الفقهية الفرعية، وهي تدخل بضمن قاعدة سبق السلام عليها من القواعد الكلية، وهو: الضرر يزال. فمن فروع تلك القاعدة أنه إذا تزاحمت المصالح قدم الأعلى منها، كما أنه إذا تزاحمت المفاسد ارتكب الأخف منها. وهذا إذا لم يمكن الجمع بين المصلحتين، ولم يمكن الجمع بين دفع المفسدتين. فإن أمكن الجمع بين المصلحتين جمع بين المصلحتين. وإذا لم يمكن الجمع بين دفع المفسدتين فإنه يرتكب أخف المفسدتين لدفع أشدهما ضررًا. ولهذه القاعدة أدلة عامة وخاصة كثيرة تدل عليها. وفي الأمثلة التي سيدكرها رحمه الله تعالى كذلك أدلة. فقوله رحمه الله: «فيقدم الواجب على المستحب»، مثاله ودليله قول النبي عليه الصلاة والسلام: «بما جاء في مسلم الحديث: إذا قيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة». فالآن عندنا فريضة واجب، وعندنا مستحب، رجل يتنفل نافلة الظهر مثلًا، وراتبة الظهر فوقيمة الصلاة لا يواصل بالراتبة إذا كان لا يدرك تكبيرة الإحرام والركعة، بل يقطع الصلاة ويدرك الواجب الذي أمره الله عز وجل به: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾. وهكذا كذلك إذا تزاحمت المفاسد ولم يمكن الجمع بين دفعها جميعًا يرتكب الأخف لدفع الأشد، مثل حديث عائشة بالصحيح في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لو أن قومك حديث عهد بجاهلية لأعدت البيت على أساس إبراهيم». الحديث. وفيه: «ولأنفقت كنزه في سبيل الله». المسلمون في ضرر؛ لأنهم فقراء، ولكن هذا الضرر ليس بأشد من ضرر فتنة أهل مكة بما يكون من إنفاق كنز الكعبة في سبيل الله. لم يمكن دفع المفسدتين مع بعض، فيحتاج أن يرتكب أخف المفسدتين. فأي المفسدتين أخف؟ أن يخرج الكنز وينفقه، فيكون بذلك ارتداد من يرتدد من أهل مكة، وبين مفسدة صبر من كان فقيرًا من الصحابة. الجواب: الثاني أخف. فهنا يرتكب الأخف لدفع الأشد. وهكذا كذلك الجهاد في سبيل الله. الجهاد في سبيل الله فيه مضرة؛ تقتل الأنفس وتجرح الأجساد وتهدر أموال، وربما تنتهك أعراض، كل ذلك من المسلمين. لكن يعارض هذا مفسدة أخرى، وهي بقاء الكفر في الأرض وتسلط الكافرين على المؤمنين. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾. وفي الآية الأخرى: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾. فهنا مفسدتان، ترتكب أخف المفسدتين لدفع أشدهما ضررًا. قال رحمه الله تعالى: وهذان أصلا عظيما. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ أي: أصلح، أحسن. وقال: ﴿اتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. ووجه الشاهد من الآية قوله: ﴿أَقْوَمُ﴾ أي: أصلح، أحسن. وأقوم من صيغ التفضيل الذي يدل على وجود شيئين متفاضلين. فالقرآن يهدي لأفضل الأفضلين. انظر: إذا كان هناك أفضل وأفضل وبينهما تفاضل، فأفضل الأفضلين هو الذي يدعو إليه القرآن. ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ يعني: أكمل وأحسن وأصلح. يوجد صالح وأصلح، القرآن يدعو إلى الأصلح. يوجد حسن وأحسن، القرآن يدعو إلى الأحسن. وهكذا. وهذا فيه تأييد للقاعدة. وهكذا: ﴿اتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، وهذا تأكيد للقاعدة كذلك. فإذا كان هناك حسن وأحسن، فقدم ماذا؟ قدم الأحسن على الحسن. فإذا خيرت في صدقة عامة وصدقة إلى قريب، فتقدم ماذا؟ الصدقة على القريب. صدقة على يتيم وصدقة على عام من عامة الناس، تقدم الصدقة على اليتيم. فالأحسن هو الذي أمرت به في شريعة الله. قال: وقال أي سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾. عندك حسن وأحسن، تتبع أحسن. وهذا من الخلق كذلك، حتى في باب الأخلاق والآداب ينبغي قبل أن تخرج الكلمة تنظر وتزنها. أي الكلمتين أفضل؟ تريد تنادي إنسان يخطر ببالك هذا اسمه زيد، وكنيته أبو علي مثلًا، فبدل من أن تقول: يا زيد، قل: يا أبا علي. تتبع الذي هو أحسن. وتقول: الذي أحسن. كذلك أذيت، بدل من سبك إنسان، بدل من تسبه مثل ما سبك، تتبع الذي أحسن. تقول: جزاك الله خير، عفا الله عنك، تجاوز الله عنك، أصلحني الله وإياك، ونحو ذلك من العبارات الجميلة والأخلاق الحسنة. ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾، وهذا كله يؤيد هذه القاعدة: أنه إذا تزاحمت المصالح قدم الأعلى، وإذا تزاحمت المفاسد فإنه يرتكب الأخف إذا لم يمكن فعل المصلحتين أو دفع المفاسدتين. قال: فالواجب أحسن من المستحب، وأحد الواجبين أو المستحبين أرجح مما دونه أحسن. فمثلًا: عليك واجب، عليك واجب فيما يتعلق بعمل وأمانة العمل مع من تعمل معه، هذا واجب؛ لأنه من الأمانة التي أمرت به. وجاء وقت الصلاة، وهذا واجب، لكنه واجب أشد، واجب أشد وأوثق. فهنا تقدم الواجب الأشد والأوثق، وهو أوجب الواجبين، كلاهما واجب، أداء الأمانة، واستمرارك في العمل واجب؛ لأنك تأخذ أجر عليه. لكن إذا جاءت الصلاة فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، إنما الطاعة بالمعروف. وهكذا كذلك في المستحبين: عندك مستحب ومستحب، طلب العلم مستحب، والتسبيح مستحب. فإذا وجدت حلقة علم فلا تقعد في طرف الحلقة هناك بعيدًا وتترك حلقة العلم. لماذا يا غلام؟ أنا أذكر الله. صحيح ذكر الله فعل حسن، وهو من الأعمال الصالحة المستحبة. لكن أيهما أفضل؟ حضور واستماع العلم، أو ذكر الله؟ استماع العلم أفضل. استماع العلم أفضل. فهنا تقدم أرجح المستحبين. قال: وأحد الواجبين أو المستحبين أرجح مما دونه أحسن. قال: وقصة الخضر في خرقه للسفينة وقتله للغلام تدل على الأصل الآخر، يعني: ارتكاب أخف المفسدتين. وذلك أن الحال دائرة بين قتله للغلام، وهو مفسدة، وبين إرهاقه أي الغلام لأبويه الكفر واستدامه لدينهما، وهي مفسدة أعظم. فارتكب الأخف، فارتكب الأخف وهو موت الغلام وقتله، على أن يرهق أبويه في الكفر والعناد. وهذا لكن ما يكون لكل أحد هذا؛ لأن الخضر نبي يوحى إليه، أعلمه الله عز وجل ذلك. قال: وكذلك خرق السفينة مفسدة، وذهاب السفينة كلها غصبًا من الملك الذي أمامهم؛ لأن الملك كان يأخذ السفينة الكاملة. أما السفينة المعيبة ما يطمع فيها، يجعلها تمر. والسفينة الجميلة الكاملة التي ليس فيها عيب يأخذها. فأعابها الخضر عليه السلام لأجل أن لا تأخذ غصبًا من ذلك الملك الظالم. فارتكب أخف المفسدتين. ولكنه بفعل ذلك بوحي، ليس كل أحد يفعل مثل هذا. قال: فارتكب الأخف منهما. فيدخل في هذين الأصلين مسائل للأحكام ما لا يحد، يعني: مسائل كثيرة. قال: فإذا دار الأمر بين فعل الواجب أو المسنون وجب تقديم الواجب. في الصلاة والصدق والصيام والحج والعمرة وغيرها تعارض واجب ومسنون، يقدم ماذا؟ يقدم الواجب. مثال الواجب في الصلاة: إذا قيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة؛ لأن المكتوبة واجب، والراتبة من المستحب. إلا إذا كنت تستطيع مثلًا كنت في التشهد، تستطيع تجمع بين الواجب والمستحب، تكمل التشهد وتسلم وتدرك تكبيرة الإحرام مع الإمام. فهنا تجمع بين الواجب والمستحب. فإذا لم يمكن الجمع، وعلمت أنك إذا استمررت في الصلاة فستفوتك تكبيرة الإحرام، وربما تفوتك الركعة الأولى. فهنا تقطع الصلاة وتدخل في الصلاة الواجبة، وهي الفريضة الجماعة. وهل تقطعها بتسليم أو بدون تسليم؟ قولان لأهل العلم. والصحيح أنك تخرج من الصلاة بغير تسليم؛ لما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم جر رجلا وهو يصلي وقد قيمت الصلاة، فقال: «إذا قيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة». ولم يأمره بالتسليم ولم يتركه يسلم. وهكذا في الصدقة: رجل عليه زكاة زكاة مفروضة، ولا يريد أن يخرج الزكاة ويريد يخرجها صدقة. فهنا نقول له: لا، اخرج الزكاة. اخرج الزكاة. أو يريد أن يخرج الزكاة إلى من لا يستحق، ليس من أصناف أصحاب الزكاة. فهنا يقدم الواجب، وهو أن يصرفها لأصحاب الزكاة، ولو كان الذي يريد أن يعطيه قريب أو نحو ذلك؛ لأن الواجب اتباع ما أوجب الله. وهكذا في باب الصيام: لو ضاق عليه وقت الصيام وأراد أن يتنفل قبل دخول رمضان، رمضان الثاني، وعليه صيام فرض. فأيهما أفضل في حقه أن يصوم الفرض أو أن يتطوع بنفل؟ الجواب: أن يصوم الفرض. وهكذا الحج: إذا لم يحج حجة الإسلام وأراد أن يحج عن أبيه أو عن أمه أو عن أحد قرابته، فهذا نافلة بالنسبة له. لكن بالنسبة لحجته هو حجة الإسلام، واجب بالنسبة لتنفله لأبيه أو لأمه أو لأخيه هذا نفل ليس بواجب. فهنا يقال: يقدم الواجب على المستحب، كما جاء في الحديث: «حج عن نفسك ثم عن شبرمة». وهكذا العمرة مثل الحج. قال: وكذلك يجب تقديم من تجب نفقته على من تستحب. وعلى الصدقة المستحبة. عندك زوجة وأولاد، بعض الناس منكوس الفطرة، عنده زوجة وأولاد يضيق عليهم، ثم يذهب يتصدق على الأجانب. صحيح الصدقة طيبة، لكن أولًا غطي ما أوجب الله عز وجل عليك من النفقة الواجبة على الزوجة والأولاد. فهنا واجب، وذاك مستحب. وهكذا على الصدقة المستحبة. الصدقة غير النفقة، مثلًا: يتصدق على أحد إخوته ويترك زوجته وأولادها، هذا خطأ. ولكن يقدم الأولى فالأولى والأوجب فالأوجب. أو كذلك صدقة مستحبة ويترك الصدقة الواجبة من الزكاة ونحوها. قال: ويجب تقديم من تجب طاعته على من تستحب طاعته. فإذا تعارض الطاعة واجبة ومستحبة قدم الواجب على المستحب. فمن الواجب مثلًا: طاعة الوالدين، طاعة الوالدين مقدمة على غيرها من طاعة الأقارب التي هي مستحبة، كعم كبير وهكذا، جد كبير أو نحو ذلك. فإذا تعارضت يقدم الأولى فالأولى. قال: وأمثلة تقديم الواجب على المستحب كثيرة جدًا. ومن أمثلة تقديم أعلى الواجبين: طاعة المرأة لزوجها مقدمة على طاعة الأبوين، يعني: إذا كان ليس فيه ضرر على الأبوين، وذلك لحديث: «إذا صلت المرأة خمسها وصامت شهرها وحصنت فرجها وأطاعت زوجها قيل لها: ادخلي من أي أبواب الجنة شئت». وجاء من حديث أبي هريرة وحديث أنس وغيرهما، وهو حديث حسن، وحسنه الشيخ العلامة الألباني رحمه الله تعالى. فهنا خص ربنا عز وجل على لسان النبي عليه الصلاة والسلام طاعة المرأة للزوج، فهي من أخص الطاعة الواجبة على المرأة، وهو مقدم على طاعة الأبوين إذا لم يكن في طاعة الأبوين ما يضر. مثلًا: امرأة عندها أم مريضة، لا أحد يقوم عليها، لا أحد يقوم عليها. فهنا تستأذن من الزوج وتقوم على أمها. تقوم على أمها، تستأذن من الزوج. أما إذا كانت الأم ما تحتاج إلى هذه الزوجة، فتأتي الزوجة وتقول لزوجها: عفوا يا زوجي، سأذهب اليوم عند أمي. ليش؟ قال: تقول: قال الله عز وجل: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. أنا سأذهب أطبخ لها اليوم الفطور والغداء والعشاء وأعمل كل شيء، ثم أرجع إليك. طيب وأنا من يطبخ لي؟ ومن يقوم على أولادي؟ ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. أليست هذه آية؟ نعم آية. لكن ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ ليست مثل ﴿وَأَطَعْنَ زَوْجَهَا﴾. فطاعة الزوج والقيام بحقه مقدم على حق الأبوين إذا لم يكن فيه ضرر على الأبوين. قال: ويقدم العبد طاعة الله على طاعة كل أحد. الله. خرجنا عن الوقت. طيب نستأني بهذا. وإلى هنا والحمد لله رب العالمين. وإن شاء الله بجرس الله. حق الله أعلم. حق الله أعلم.