صلح الحديبية مسائل وأحكام 5

صلح الحديبية مسائل وأحكام 5

الدرس في صلح الحديبية مسائل وأحكام 5، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمات صلح الحديبية وهزيمة الأحزاب

يشرح المقطع سياق صلح الحديبية حيث خرج النبي صلى الله عليه وسلم معتمراً بعد أن أضعفت غزوة الأحزاب قريشاً، معلناً انتقال المبادرة للمسلمين. استعد النبي للعمرة جامعاً أكبر عدد ممكن من الصحابة في ظل الأمن النسبي.

استعداد النبي للعمرة وتخلف الأعراب وخروج قريش

دعا النبي القبائل المحيطة للعمرة فاستجاب المؤمنون وتخلف المنافقون بأعذار كاذبة نزلت فيهم آيات سورة الفتح. خرجت قريش بجيش بقيادة خالد بن الوليد لصد المسلمين، فاستعد النبي بالسلاح والخيول تحسباً للمواجهة.

مشاورة النبي لأصحابه والوصول إلى عسفان

استشار النبي أصحابه في التعامل مع قريش فأشار أبو بكر بالذهاب للعمرة وقتال من يصدهم فقط. وصل النبي إلى عسفان ولقي بديل بن ورقاء الخزاعي وعرض الصلح ثم مال إلى الحديبية.

خاتمة الحلقة والإشارة إلى الحلقة القادمة

يختتم المتحدث الحلقة داعياً الله بالتوفيق والسداد، ويشير إلى أن الحلقة القادمة ستتناول بداية الحديث والأحداث المتعلقة به. سيتم استخراج الفوائد والمسائل العلمية من أحداث صلح الحديبية في الحلقة المقبلة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ذكرنا في الدرس الذي مضى بعض المهمات التي تقدمت صلح الحديبية، ذلك الصلح الذي عقده النبي عليه الصلاة والسلام مع قريش. فهذا الصلح كما ذكرنا، ذكرنا: هل له سبب في خروج النبي عليه الصلاة والسلام، أم ليس له سبب واضح؟ وإنما أراد النبي صلى الله عليه وسلم -على الصحيح- أنه يعتمر. ولا شك ولا ريب أن النبي عليه الصلاة والسلام يعلم بحنق قريش وغيظهم على أهل الإسلام، ومعلوم أن قريشًا كانوا يريدون أن يستأصلوا أهل الإسلام. ولهذا قبل الحديبية بسنة، فإنهم غزوا المدينة، وجمعوا الأحزاب؛ حتى يغزوا المدينة، لكن الله عز وجل رد هذا الكيد، ورد غيظهم، فلم ينالوا خيرًا، وكفى الله المؤمنين القتال. فأرسل الله عز وجل جنودًا كما ذكر الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا ﴾. لا شك ولا ريب أن الأحزاب كانت أمرًا عصيبًا على أهل الإسلام، لكن لما جاءت تلك الغزوة وما كان معها من الشدة، فرج الله عز وجل بعد ذلك على المسلمين، فرج الله عز وجل عليهم ضغط قريش، فأوهن الله عز وجل قريشًا بهذه الحروب، فصارت قريش كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لما كلمه بسر الخزاعي -بسر بن سفيان الخزاعي- لما كلمه، أراد أن يكلم قريشًا، قال: «إن قريشًا قد نهكتهم الحرب، نهكتهم الحرب»، يعني: ضعفت قوتهم وضعفوا. وهذا كان بعد الأحزاب، ولهذا صح عن النبي عليه الصلاة والسلام كما ذكر ابن إسحاق أن النبي عليه الصلاة والسلام قال بعد الأحزاب: «الآن نغزوهم ولا يغزونا، الآن نغزوهم ولا يغزونا». وفعلا النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن يريد حربًا، لكن يريد العمرة، كما ذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد العمرة، لكن جهز لهذه العمرة، وأيضًا أراد أن يجمع أكثر عدد من المسلمين. ولهذا طلب من العرب أن يأتوا معه، بعض عرب مزينة وأسلم وغيرها من القبائل القريبة من المدينة. طلب النبي عليه الصلاة والسلام منهم أن يأتوا معه عليه الصلاة والسلام إلى العمرة، فمنهم من جاء وهم أهل الإيمان، ومنهم من تعذر بأشياء ليست صحيحة. فقال الله عز وجل في سورة الفتح: ﴿ سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ﴾. فهم جاءوا بهذه الأعذار: أننا شغلنا بأموالنا، شغلنا بأولادنا. فكما جاء عن قتادة وغيره، وجاء أيضًا عن مجاهد: أنهم قالوا: هؤلاء قريش أهل حرب، وهم قد جاءوا وغزوا المدينة، أو أرادوا أن يغزوا المدينة، فلقد قد نقتل في هذه الغزوة، وقد كذا، فدخل في قلوبهم الرعب، فقاموا اعتذروا للنبي عليه الصلاة والسلام أن يذهبوا معه. فلذلك النبي صلى الله عليه وسلم تأخر قليلا حتى يكتمل العدد الذي أراده، حتى يتجهز، إن حصل شيء من الحرب فإنه يحاربهم. ثم لما مشى النبي عليه الصلاة والسلام من المدينة، سمع أن قريشًا خرجت ببعض جيوشها، أن بعض الجيوش التي لقريش خرجت، ومن من خرج خالد بن الوليد -كما سيأتي إن شاء الله- خرج طليعة، يتفقد، معناه: يتفقد الجيش المسلمين، أين وصل وأين كذا، كما سيأتي إن شاء الله في الكلام على ذلك الصلح وما جرى فيه، وما أيضًا كان قبله. فلذلك أرسلت قريش -أرسلت قريش معنى عندها أو جيوشًا- لأجل أن يصد النبي عليه الصلاة والسلام عن العمرة وعن مكة. فلما سمع النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، استشار أصحابه: كيف نفعل؟ جاءت في بعض الرواية أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحمل سلاحًا، لكنها غير صحيحة. جاءت رواية ذكرها الواقدي وغيره، وجاءت بأسانيد لا تصح، أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج بدون سلاح. والصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج بسلاحه، بل ومعهم أيضًا الخيل. فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم أن خالدًا وجماعة من قريش خرجوا لأجل أن يصدوهم، قام النبي صلى الله عليه وسلم واستشار أصحابه. قد كان النبي صلى الله عليه وسلم كثير الاستشارة لأصحابه، وهذا كما أمره الله عز وجل: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾. فاستشارهم النبي عليه الصلاة والسلام: هل إذا اعترضوا كيف نفعل؟ فقال بعض من قاتل، وقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله، أنت لم تخرج لأجل قتال، وإنما خرجت لأجل العمرة. أنت لم تخرج لأجل قتال، وإنما خرجت لأجل العمرة، فإن صدك أحد فقاتله، ونحن ما سنقاتل أحدًا إلا من صدنا عن البيت، فإننا سنقاتله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنظروا إلى ذلك»، هذا الرأي الصحيح: أننا نذهب إلى عمرة، فمن صدنا عن بيت الله الحرام فإننا نقاتله. فلذلك خرج النبي عليه الصلاة والسلام حتى بلغ إلى عسفان، وعسفان هي مكان تبعد من مكة قرابة ثمانين كيلو. عسفان إلى الآن موجود، مكان اسمها عسفان، تبعد من مكة قرابة ثمانين كيلو. فوصل إليها النبي صلى الله عليه وسلم، ولقي بسر بن سعيد الخزاعي -بسر بن سفيان أقصد الخزاعي- وجده في عسفان، وأخبره بنيته، وأنه عليه الصلاة والسلام قال: «نحن ما أردنا إلا العمرة، ولم نأتِ لقتال أحد، وإن قريشًا قد قد أنهكتهم الحرب، وإن قريشًا قد أنهكتهم الحرب، فأردت منهم خطة»، معنى ذلك: أننا نصطلح، وأدخل وأعتمر وأخرج، ونصطلح على ذلك. «فوالذي نفسي بيده»، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فوالذي نفسي بيده، ما يأتون لي بخطة يعظمون فيها حرم حرم الله إلا أعطيتهم إياها، إلا أعطيتهم إياها». فقال الخزاعي: «فأرد عليهم هذا، فإن أبوا، فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم حتى تنفرد سالفتي»، أنني سأقاتلهم حتى لا يبقى أحد. فالمهم أن النبي عليه الصلاة والسلام كان خرج وعازمًا على العمرة، على العمرة. فلما أخبر هذا الخزاعي وهو في عسفان، أخبره بما أخبره من الصلح وغيره، مال بعد ذلك إلى الحديبية. مال النبي عليه الصلاة والسلام إلى الحديبية، ثم بعد ذلك جاءه عروة بن مسعود، وجاءه كذا، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الكلام على أحداث ذلك الصلح الذي حصل بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قريش. إن شاء الله تعالى في الحلقة التي ستأتي نذكر بداية الحديث، وما حصل من الأحداث، وما أيضًا فيه من الفوائد والمسائل. فنسأل الله عز وجل التوفيق والسداد والعون، والحمد لله رب العالمين.