الدرس في وقفات عرفان مع صحابة النبي العدنان 5، الدرس الخامس:( فضائل الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه ). ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يتناول هذا الفصل بعض فضائل عمر بن الخطاب، حيث نزل القرآن مؤيدًا لأقواله في عدة مواقف، وأثنى عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وأخبر أنه محدث ملهم. كما يذكر شهادة النبي له بالعلم والدين ورؤيته لقصر أبيض في الجنة وتفوقه في سقاية الناس على حوض النبي.
يذكر هذا الفصل العديد من فضائل عمر بن الخطاب، منها بشارة النبي له بالجنة، وشهادته له بالشهادة في سبيل الله، وهيبته ومكانته عند النبي، وكونه أمانًا للأمة من الفتن، ودوره في عزة المسلمين بإسلامه. كما يذكر بعض الأحاديث النبوية التي تبين هذه الفضائل.
تحدث هذا الفصل عن الفتوحات الإسلامية الكثيرة التي حدثت في عهد الخليفة ومدح فضائله، ثم ختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مما يدل على عظمة دوره وتأثيره في تاريخ الإسلام.
بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. بعد ذلك، هذه وقفة من وقفات العرفان مع صحابة النبي العدنان عليه الصلاة والسلام، مع الفاروق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فهو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ابن نفيل ابن عبد العزة ابن رياح ابن عبد الله ابن قرط ابن عدي ابن كعب العدوي القرشي، رضي الله تعالى عنه وأرضاه. توفي شهيدًا، سيدًا للحجة، سنة 23 للهجرة. فضائل الفاروق كثيرة، من فضائل الفاروق عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه أن القرآن نزل مؤيدًا لأقواله، رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فقد ثبت في صحيح الإمام مسلم رحمه الله عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: وافقت ربي في ثلاث. قلت: يا رسول الله، لو اتخذت مقام إبراهيم مصلى، فنزل قول الله جل وعلا: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾. وقلت: يا رسول الله، إنه يدخل عليك البر والفاجر، لو أمرت أمهات المؤمنين أن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب. وقالوا في اجتماع نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الغيرة، فقلت: يا رسول الله، «عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن»، فنزلت كذلك. وهكذا وافق القرآن عمر رضي الله تعالى عنه في أسارى بدر، فقد ثبت من حديث عبد الله بن عباس، وجاء عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما عند بعض السنن، وهو في صحيح المسند لشيخنا الوادعي رحمه الله. قال عبد الله بن عمر: استشار النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه في الأسرى، استشار أبا بكر، فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله، عشيرتك، خلّ بينهم وبيننا. ثم استشار عمر، فقال: يا رسول الله، اقتلهم. ففداهم رسول الله عليه الصلاة والسلام، فنزل قول الله جل وعلا: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض﴾. ثم جاء النبي عليه الصلاة والسلام إلى عمر رضي الله تعالى عنه، فقال له: «كاد أن يصيبنا بلاء في خلافك». وهكذا أيضًا وافق القرآن عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه في عدم الصلاة على المنافقين، فقد ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر أن عبد الله بن أبي سلول لما توفي، وهو والد عبد الله، جاء ولده عبد الله إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا رسول الله، لو أعطيتني قميصك أكفن فيه والدي. وطلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يصلي على والده، فأعطاه النبي عليه الصلاة والسلام قميصه، وقام ليصلي عليه، فأخذه عمر وأخذ بثوب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ثم قال له: يا رسول الله، أتصلي عليه وقد نهاك الله جل وعلا عن الصلاة عليه؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أنا بين خيرتين، قال الله جل وعلا: ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾، قال: وسأزيد على سبعين». فنزل قول الله جل وعلا: ﴿ولا تصلي على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره﴾. فنزل القرآن مؤيدًا لقول عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وهذا من فضائل الفاروق عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه أنه محدث، وأنه ملهم، رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فقد ثبت بالصحيحين عن عائشة وغيرها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «إنه كان فيمن كان قبلكم محدثون، وإن يكن في هذه الأمة أحد فعمر، وإن يكن في هذه الأمة أحد فعمر». فهو محدث ملهم، رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وهكذا من فضائل الفاروق عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه أن الله جل وعلا يحبه، وأن رسول الله عليه الصلاة والسلام يحبه. فقد جاء في حديث عبد الله بن عمر، وهو له طرق وله شواهد، ولذلك حسنه بعض العلماء بشواهده. ما ثبت عن عبد الله بن عمر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك، بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب». فأعز الله جل وعلا هذا الإسلام بعمر بن الخطاب. وقد جاء في حديث آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا وقال: «اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب خاصة». صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى. فدل هذا على أن الله جل وعلا يحب عمر، فأعز الله جل وعلا به الإسلام، فهو أحب هذين الرجلين. فأبو جهل مات على الكفر، وعمر رضي الله تعالى عنه كان من يحبه الله جل وعلا، فاصطفاه لهذا الدين العظيم. وهكذا أيضًا ما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، قد تقدم معنى في فضائل أبي بكر، في حديث عمرو بن العاص كما في الصحيحين، حين سأل رسول الله عليه الصلاة والسلام: «من أحب الناس إليك يا رسول الله؟» فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «عائشة». قال: «ثم من يا رسول الله؟» قال: «أبو بكر». قال: «ثم من يا رسول الله؟» قال: «عمر». فعمر ممن يحبه رسول الله عليه الصلاة والسلام، بل هو من أحب الناس إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام. وهكذا من فضائل الفاروق رضي الله تعالى عنه وأرضاه أن الله جل وعلا جعل الحق على قلبه ولسانه. فقد جاء في حديث حسنه طائفة من العلماء لشواهده، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «إن الله جعل الحق على قلب عمر ولسانه». إن الله جل وعلا جعل الحق على لسان عمر وقلبه، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. ومن فضائل الفاروق عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يذكره كثيرًا، كلما ذكر أبا بكر ذكر عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه. قد تقدم معنا في فضائل أبي بكر في الصحيحين وغيرهما، في تكليم الذئب، وكذلك البقرة. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فأنا أؤمن بذلك، أنا وأبو بكر وعمر». وثبت كذلك في الصحيحين من حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: لما توفي عمر رضي الله تعالى عنه ووضع في سريره، فتكنفه الناس، هذا يثني عليه، وهذا يدعو له، وهذا يصلي عليه. وكنت منهم، قال: فلم يرعني إلا رجل جاء من خلفي وأخذ بمنكبي، فالتفت فإذا هو علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فقال رضي الله تعالى عنه وأرضاه: «والله ما خلفت أحدًا أحب إليه من هذا، ومن عمل هذا يريد عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه». ثم قال رضي الله تعالى عنه: «وإن كنت لأرجو ولا أظن أن الله جل وعلا يجعلك مع صاحبيك، لأني كثيرًا ما كنت أسمع رسول الله عليه الصلاة والسلام يقول: ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، أتيت أنا وأبو بكر وعمر، خرجت أنا وأبو بكر وعمر، انطلقت أنا وأبو بكر وعمر». فكان عليه الصلاة والسلام يذكر عمر رضي الله تعالى عنه كثيرًا، فهذا يدل على فضله رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وهذا من فضائل الفاروق عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه أن النبي عليه الصلاة والسلام شهد له بالعلم. شهد له بالعلم، فقد ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «بينما أنا نائم، أتيت بقدح من لبن، فشربت حتى أني أرى الري في أظافيري، ثم أعطيت فضل ذلك اللبن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه». فقال: «وماذا أولت ذلك يا رسول الله؟» قال: «العلم». فهذه شهادة من النبي عليه الصلاة والسلام لعمر بن الخطاب بالعلم. وهذه من فضائل الفاروق عمر رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام شهد له بالدين. فقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه وأرضاه عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «بينما أنا نائم، رأيت أقوامًا عليهم قمص، منهم من يبلغ الثدي، ومنهم من يبلغ دون ذلك، فرأيت عمر يجر قميصه». قال: «وماذا أولت ذلك يا رسول الله؟» قال: «الدين». هذه الشهادة من النبي عليه الصلاة والسلام للفاروق عمر بأنه على دين، رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وهذا من فضائل الفاروق عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه أن النبي عليه الصلاة والسلام رأى له قصرًا أبيض في الجنة، وبفنائه جارية. فقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة وغيره عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «رأيتني دخلت الجنة، فإذا در ميصاء امرأة أبي طلحة، ثم سمعت خشخشة، فقلت: يا جبريل، من هذا؟ قال: بلال». قال: «ثم نظرت إلى قصر أبيض، وبفنائه جارية، فقلت: لمن هذا؟ قال: لعمر بن الخطاب». قال: «فهمم أن أدخل ذلك القصر، لولا أني ذكرت غيرتك يا عمر، فبكى عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه». وقال: «يا رسول الله، أعليك أغار؟» فقال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث: «فوليت مدبرًا»، أي لم يدخل هذا القصر. وهذا من فضائل الفاروق عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه. ومن فضائل الفاروق عمر رضى الله تعالى عنه وأرضاه أن النبي عليه الصلاة والسلام شهد له بالعبقرية. فقد ثبت في الصحيحين عن جمع من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «بينما أنا نائم، رأيتني أسقي الناس على حوضي». قال: «فجاء أبو بكر، فأخذ الدلو، فنزع دلوًا، وكان في نزعه ضعف، يغفر الله جل وعلا له ضعفه». «ثم أخذ ذلك عمر، فنزع حتى شرب الناس وتولوا، والحوض يتفجر». يعني ماء من كثرة نزع عمر رضي الله عنه. قال: «فوالله ما رأيت عبقريًا ينزع مثل نزعه». يعني عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه. وهكذا من فضائل الفاروق عمر رضي الله عنه وأرضاه أنه خير هذه الأمة بعد أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فقد ثبت عند البخاري من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: «كنا أي على عهد رسول الله، كنا على عهد رسول الله عليه الصلاة والسلام نفاضل ونخير بين أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، فنقول: أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان». وخارج الصحيح أن ذلك يبلغ النبي عليه الصلاة والسلام، ومعنى أنه يقرهم عليه الصلاة والسلام على ذلك. وهكذا في البخاري عن محمد بن الحنفية عن أبيه علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه أنه سأل أباه محمد بن الحنفية سأل أباه علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه: «من أرضى هذه الأمة؟» فقال علي: «أبو بكر». ثم قال: «ثم من؟» قال: «عمر». قال: «فخشيت أن يقول عثمان، فقلت: ثم أنت؟» فقال علي رضي الله تعالى عنه: «ما أنا إلا رجل من المسلمين». وهذا فيه بيان عمر رضي الله عنه خير هذه الأمة بعد أبي بكر بن الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وهذا من فضائل فاروق عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه أن النبي عليه الصلاة والسلام بشره بالجنة، فهو أحد المبشرين بالجنة، وفي قائمة المبشرين بالجنة. فقد ثبت في حديث عبد الرحمن بن عوف، وفي حديث سعيد بن زيد أيضًا في ذكر العشرة المبشرين بالجنة. فعلى قائمة هؤلاء أبو بكر بن الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وفي حديث أبي موسى الأشعري في الصحيحين، حين دخل النبي عليه الصلاة والسلام حائطًا، ودلّ رجليه في تلك البئر، فجاء أبو بكر يستأذن، فقال أبو موسى: «أبو بكر يستأذن». فقال له: «ائذن له وبشره بالجنة». ففتح لأبي بكر وأدنى له، وقال له: «يبشرك رضي الله تعالى وسلم بالجنة». ثم جاء بعد ذلك عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه فاستأذن، فقال أبو موسى: «وأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم باستئذان عمر». فقال له: «ائذن له وبشره بالجنة». فبشر أبو موسى عمر رضي الله عنه ببشرى رسول الله عليه الصلاة والسلام له بالجنة. وهكذا أيضًا من فضائل الفاروق عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه أن النبي عليه الصلاة والسلام شهد له بالشهادة في سبيل الله. فقد ثبت في الصحيحين من حديث أنس، أو في البخاري عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام كان هو وأبو بكر وعمر على جبل أحد، كانوا على جبل أحد، فرجف بهم أحد، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «فضرب النبي عليه الصلاة والسلام أحدًا برجليه، فقال: أثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان». يريد للشهيدين أبا بكر وعمر. ففيه شهادة من النبي عليه الصلاة والسلام لعمر بأنه شهيد. وثبت كذلك في حديث حسن بمجموع طرقه عن جماعة من الصحابة، وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى في الصحيحة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الججنة». هذه بشرى لهذين الصحابيين كذلك بالجنة. ومن فضائل الفاروق عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه أن النبي عليه الصلاة والسلام شهد له بالخير والفضل، وفيه أحاديث كثيرة. ومنها أن عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه كانت له مهابة، فكان له الهيبة، رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث سعد بن أبي وقاص وعن غيره من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام قال: استأذن عمر على رسول الله عليه الصلاة والسلام، وعنده نسوة من قريش يكلمنه ويكثرن، عالية أصواتهن على صوت رسول الله عليه الصلاة والسلام. قال: «فأذن لعمر، فدخل عمر رضي الله تعالى عنه». فلما رأينه ابتدرن إلى الحجاب، أي لبسن حجابهن. فضحك النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فقال عمر للنبي صلى الله عليه وسلم: «أضحك الله سنك يا رسول الله». قال: «عجبت لهؤلاء النسوة، كنا يتحدثن عندي، ثم لما دخلت ابتدرن إلى الحجاب». فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «يا ابن الخطاب، والله أنت أحق أن يهبن من رسول الله». ثم قال: «نسوة، أي عدوّات أنفسهن، أتهبن رسول الله ولا تهبنني؟» فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إيهن يا ابن الخطاب، والله ما لقيك الشيطان سالكًا فجًا إلا سلك فجًا غير فجك». فشهد له النبي عليه الصلاة والسلام بهذه الهيبة، وبهذه القوة في الإيمان، حتى إن الشيطان يفر ويهرب إذا رأى عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه. ومن فضائل الفاروق عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه أنه رضي الله تعالى عنه كان سباقًا للخيرات، ومنافسًا فيها. قد تقدم معنا في ذكر بعض أحاديث فضائل أبي بكر منافسة عمر بن الخطاب لأبي بكر بن الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وهكذا من فضائل الفاروق عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه أنه كان أمانًا لهذه الأمة من الفتن، كان أمانًا وبابًا وحصنًا منيعًا لهذه الأمة من الفتن. فقد ثبت في البخاري ومسلم في حديث الفتن قال: كنا ذات يوم عند عمر رضي الله تعالى عنه، فقال عمر: «من منكم يحفظ حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام في الفتنة؟» فقال حديث: «أنا». فقال عمر: «إنك لجريء». فقال حديث: «حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره، تكفرها الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر». فقال له: «لست أسألك عن هذا، إنما أسألك عن الفتنة التي تموج كموج البحر». فقال له حديث: «وما لك بها يا أمير المؤمنين؟ فإن دونها ودونك بابًا». فقال عمر لحديث: «أيكسر ذلك الباب أم يفتح؟» قال حديث: «بل يكسر». فقال عمر رضي الله تعالى عنه: «إذن لا يغلق». فقال من كان معه: «فسألوا حديثًا، هل كان عمر يعلم من هو الباب؟» فقال حديث: «نعم، كما يعلم أن الليلة دون غد، إني حدثته حديثًا ليس بالأغاليط». قالوا: «فهل نستطيع أن نسأل حديثًا؟» قال: «فقلنا لمسروق: سلْه». فسأله مسروق عن الباب، فقال حديث: «الباب هو عمر». والشاهد أن عمر الفاروق رضي الله تعالى عنه كان أمانًا لهذه الأمة، وكان حصنًا منيعًا وبابًا للنجاة من الفتن. فلما مات رضي الله تعالى عنه تتابعت الفتن وكثرت الفتن، صدقًا ما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. وجاءت فتنة عثمان، وجاءت الفتنة في عهد علي، فتنة الخوارج، وهكذا ظهرت الفتن. نسأل الله العافية والسلامة. ومن فضائل فاروق عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه أنه بسبب إسلامه كان الصحابة أعزاء بهذا الدين، كانوا أعزاء بهذا الدين. فقد ثبت في البخاري عن عبد الله بن سعود رضي الله تعالى عنه وأرضاه قال: «ما زلنا أعزاء منذ أسلم عمر». فبإسلام عمر كان أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام أعزاء، ذلك لشجاعته رضي الله تعالى عنه، ولمكانته أيضًا رضي الله تعالى عنه وأرضاه. ونختم هذا المقام بكلمة عظيمة للفاروق عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهو قوله رضي الله تعالى عنه وأرضاه: «نحن قوم أعزنا الله بهذا الدين، فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله». وكان في عهده رضي الله تعالى عنه الفتوحات الكثيرة التي فتحها أهل الإسلام، وله الفضائل الكثيرة، رضي الله تعالى عنه وأرضاه. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.